الأب.. رؤية قرآنية ونبوية وقراءة عصرية

alarab
باب الريان 24 يوليو 2013 , 12:00ص
عبدالسلام البسيوني
لاحظت أن عناية الدعاة والواعظين بالأم أعلى، حتى إننا لنجد بعض الغمط لحق الأب وفضله، في زمن يتساهل فيه الأبناء مع آبائهم، وتفشو فيهم أدبيات غير رشيدة من السخرية بالأب في السينما والمسرح، واعتبار بره نوعا من إساءة التربية في التنظير التربوي، وتحويله في بعض الأحيان إلى جهاز صراف آلي، مهمته الإنفاق لا أكثر، وبعد انتشار العقوق والإساءة، وسلوكنا مسالك قطيعة الرحم التي هي مَلعنة، ومَجلبة للفساد في الأرض. كانت هذه المقالات إطلالة (بانورامية) على الأب: النصوص حوله في كتاب الله تبارك وتعالى، والسنة المشرفة، والواقع المعاش، والأدب العربي، حكايات وأشعارا، وكذا النظرة الغربية للأب. وأزعم أنه جديد في بابه، سهل في إيراده، نافع في إيضاح الصورة، وسوق الدليل، خفيف في التعامل معه والإفادة منه.. وأسأل ربي تبارك وتعالى أن ينفع الله به الناس ويمكث في الأرض، وأن يكون برهان عرفانٍ وحب وتوقير لآبائنا عليهم رحمات الله ورضوانه. ورد جذر (أ ب و) في حديث القرآن الكريم عن الأب (116) مئة وست عشرة مرة، منها (27) سبع وعشرون مرة -ربعها تقريبا- في سورة يوسف عليه السلام وحدها، وهذا لافت، ولا شك أن الصورة ثرية بالمواقف الأبوية في أحوال شتى، تحتاج الكثير من الدرس والتأمل! وورد جذر (و ل د) في حديث القرآن عن الوالد -مفردا ومثنى ومجموعا- ثلاثًا وعشرين مرة. كما وردت في الكتاب العزيز حكايات عن آباء مختلفين: الأب الذي يشد ابنه العاق إلى الله تعالى، ويدعوه فلا يجيب -نوح عليه السلام- والأب الذي يركل ابنه بعيدا عن الطاعة ويدعوه للكفر والنار (آزر أبي نبي الله إبراهيم عليه السلام) والأب العابد المطيع لله تعالى، شديد الحرص على ذريته (إبراهيم عليه السلام) والأب الذي يرتبط بواحد من أبنائه ارتباطا يمتد عشرات السنين -رغم غيابه عنه- حتى إنه يحس بوجوده، ويشم ريحه على البعد (يعقوب عليه السلام) وغيرهم، كما سيأتي. وحفلت السنة بالحديث عن الآباء وحقوقهم وأحوالهم، كما جسدت سلوك سيدنا الحبيب المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم أبا، في شفقته، وحبه الدافق لأولاده عليهم السلام، ورضي الله عنهم، كما حفلت السلوكيات البشرية، والأدب العربي بكثير من حكايا الآباء التي تحتاج إلى أن نقف أمامها متدبرين متأملين معتبرين. الأب في اللغة العربية قال في اللسان (باختصار شديد): والأَبُ: أَصله أَبَوٌ، بالتحريك، فالذاهب منه واوٌ؛ لأَنك تقول في التثنية: أَبَوانِ، وبعض العرب يقول: أَبانِ؛ على النقْص، وفي الإِضافة: أَبَيْكَ، وإِذا جمعت بالواو والنون قلت: أَبُونَ، قال الشاعر: فلما تَعَرفْنَ أَصْواتَنا بَكَيْن.. وفَديْنَنا بالأَبِينا قال: وعلى هذا قرأَ بعضهم: (.... وإلَه أَبيكَ إِبراهيمَ وإِسمعيلَ وإِسحَاق) البقرة:133، يريدُ جمع أَبٍ، أَي أَبِينَكَ، فحذف النون للإِضافة. قال ابن بري: شاهدُ قولهم: أَبانِ -في تثنية أَبٍ- قول تُكْتَمَ بنت الغَوْثِ: باعَدَني عن شَتْمِكُمْ أَبانِ عن كُل ما عَيْبٍ مُهَذبانِ والأَبَوانِ: الأَبُ والأُم. قال ابن سيده: الأَبُ الوالد، والجمع أَبُونَ وآباءٌ وأُبُوٌّ وأُبُوةٌ؛ عن اللحياني، وقال الكسائي: ويجوز أَن يجمع الأَبُ بالنونِ، فيقال: هؤلاء أَبُونَكُمْ، أَي آباؤكم، وهم الأَبُونَ. وفي حديث الأَعرابي الذي جاء يَسأَل عن شرائع الإِسْلام: فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (أَفْلَح وأَبيه إِن صدَق) البخاري وغيره، قال ابن الأَثير: هذه كلمة جارية على أَلْسُن العرب، تستعملها كثيرا في خِطابها، وتُريد بها التأْكيد. وقد نهى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أَن يحلِف الرجلُ بأَبيهِ، فيحتمل أَن يكون هذا القولُ قبل النهي، ويحتمل أَن يكون جَرى منه على عادة الكلام الجاري على الأَلْسُن، ولا يقصد به القَسَم؛ كاليمين المعفوِّ عنها من قَبيل اللغْوِ، أَو أَراد به توكيدَ الكلام لا اليمين؛ فإِن هذه اللفظة تَجري في كلام العرب على ضَرْبَيْن: التعظيم وهو المراد بالقَسَم المنهِي عنه، والتوكيد كقول الشاعر: لَعَمْرُ أَبي الواشِينَ، لا عَمْرُ غيرهِمْ لقد كَلفَتْني خُطةً لا أُريدُها فهذا تَوْكيد لا قَسَم؛ لأَنه لا يَقْصِد أَن يَحْلِف بأَبي الواشين، وهو في كلامهم كثير. وسَمى اللهُ عز وجل العَم أَبا، في قوله عز وجل: {قالُوا نَعْبُد إِلَهك وإِلَه آبائِك إِبراهيمَ وإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق}. والنسْبةُ إِليه أَبَويّ؛ أَبوعبيد: تَأَبيْت أَبا، أَي اتخذْتُ أَبا، وتَأَميْت أُما، وتَعَممْت عَماًّ. قال ابن الأَعرابي: فلان يأْبوك أَي يكون لك أَبا، وأَنشد لشريك بن حَيان العَنْبَري، يَهْجو أَبا نُخَيلة: يأَيُّهَذا المدعي شريكا بَينْ لَنا.. وحَل عن أَبِيكا إِذا انْتَفى أَو شَك حَزْنٌ فِيكا وَقَدْ سَأَلْنا عنك مَنْ يَعْزُوكا إِلى أَبٍ، فكلهم يَنْفِيكا فاطْلُب أَبا نَخْلة مَنْ يَأْبُوكا وادعِ في فَصِيلَةٍ تُؤْوِيكا وتَأَباه: اتخَذه أَبا، والاسم الأُبُوة، وأَنشد ابن بري لشاعر: أَيُوعِدُني الحجاج، والحَزْنُ بينَنا وقَبْلَك لم يَسْطِعْ لِيَ القَتْلَ مُصْعَبُ تَهَددْ رُوَيْدا.. لا أَرى لَكَ طاعَةً ولا أَنت مما ساء وَجْهَك مُعْتَبُ فإِنكُمُ والمُلْك.. يا أَهْلَ أَيْلَة لَكالمُتأَبي.. وهْو ليس له أَبُ