عقوبة الدين المماطل بالغرامة (2-2)
باب الريان
24 يوليو 2013 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
قواعد الشريعة تحرم الظلم، وتبين أن الظلم موجب للعقوبة، قال تعالى: «وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً» وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، والغني المماطل القادر على السداد داخل في الموصوفين بالظلم والعدوان ومستوجب للعقوبة، وقد جاءت نصوص في السنة المطهرة تدل على جواز معاقبته قال صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم» في الصحيحين وغيرهما وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: «ليل الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» رواه الخمسة إلا الترمذي والبيهقي والحاكم وابن حبان والطحاوي في المشكل.
وقال ابن قاسم في الإحكام نقلاً عن صاحب الاختيارات (ولو كان قادراً على أداء الدين وامتنع ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح فله ذلك، إذ إن التعزير لا يختص بنوع معين وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعدَ حدود الله، وللحاكم أن يبيع عليه ماله ويقضي دينه ولا يلزمه إحضاره، وإذا كان الذي عليه الحق قادراً على الوفاء ومطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد) 3/227. وقال في الإنصاف: (ولو مطل غريمه حتى أحوجه إلى الشكاية في غرمه بسبب ذلك يلزم المماطل، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لو غرم بسبب كذب عليه عند ولي الأمر رجع به على الكاذب) الفتاوى.
وقال الشيخ ابن منيع: (ومن كان له حق على آخر مستحق الأداء فماطل المدين وهو قادر على الوفاء حتى تغير السعر بأن انخفض سعر الثمن أو العين موضوع الحق الواجب الأداء، فمن منطلق العدل وقاعدة ضمان النقص أو المنفعة أو العين على من تسبب في فواتها القول بتضمين المماطل ما نقص على صاحب الحق من نقص سعر أو فوات منفعة) مجلة البحوث الفقهية المعاصرة 12/17، وقال أيضاً ما ملخصه:
ومقتضى العدل والإنصاف أن المدين يضمن النقص بسبب ليه ومطله، وصاحب الحق يستحق التعويض بقدر منفعته المتوقعة من ماله، ولو كان بيده لأن مدينه المماطل أضر به بحرمانه، وبيع العربون الذي أجازه الحنابلة هو نوع من ضمان المنفعة على من تسبب في ضياعها، ومثله الشرط الجزائي الذي جعل حافزاً لإكمال العقد في وقته المحدد، وإذا أخلف الملتزم فإن العوض يكون مقابل الإخلال بالالتزام، والشرط الجزائي معتبر عند كثير من الهيئات العلمية والشرعية، وقال الدكتور صديق الضرير: «يجوز أن يتفق البنك مع العميل المدين على أن يدفع له تعويضاً عن الضر الذي يصيبه بسبب تأخره عن الوفاء شريطة أن يكون الضرر الذي أصاب البنك ضرراً مادياً وفعلياً، وأن يكون العميل موسراً ومماطلاً وخير وسيلة لتقدير هذا التعويض هو أن يحسب على أساس الربح الفعلي الذي حققه البنك في المدة التي تأخر فيها المدين عن الوفاء، فإذا أخر المدين الدين ثلاثة أشهر مثلاً ينظر البنك ما حققه من ربح في الثلاثة أشهر هذه ويطالب المدين بتعويض يعادل نسبة الربح الذي حققه، وإذا لم يحقق البنك ربحاً في تلك المدة لا يطالب بشيء».
وهذا لا يعتبر من قبيل الربا، لأن الربا اتفاق بين الدائن والمدين في عقد الالتزام على الغرامة أو الفائدة أو العائد وتقديرها، ولا شك أن هذا هو ربا الجاهلية، لأنه اتفاق بين طرفين بمحض إرادتيهما واختيارهما على فائدة ربوية معينة معروفة المقدار في حال التخلف عن السداد، وإن سمياها غرامة أو عائداً، أما غرامة المطل فهي عقوبة تعزيرية يحكم بها على المماطل لقاء ظلمه وعدوانه واغتصابه حق دائنه بمطله إياه، ولا يفتقر إيقاعها عليه إلى رضاه ولا إلى رغبته ولا إلى اتفاق مع دائنه بتقدير هذه الغرامة.
والحجة في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مطل الغني ظلم»، وقوله صلى الله عليه وسلم: « ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» ولا يحكم بالتعويض إلا عندما يكون المدين مماطلاً ومليئاً قادراً على الوفاء، وأن لا يكون عند الدائن ما يمكن أن يستوفي حقه منه كالرهن، وغرامة التعويض تدفع للمضرور لجبر ما لحق به من ضرر، ولأن مجرد الحيلولة بين المالك وماله تعتبر سبباً موجباً للضمان، لأن الضرر هو الأساس للضمان في الفقه الإسلامي، والغني المماطل القادر على السداد يعتبر في حكم الغاصب وإن كان تعريف الغصب بمعناه الاصطلاحي قد لا ينطبق عليه انطباقاً كاملاً إلا أن المطل هو عدوان على المال انتهاء، والغصب والمطل كلاهما من صور الفعل الضار، ومرتكب الفعل الضار ملزم بالتعويض بحسب الحال، لأنه لا يجوز شرعاً لأحد أن يلحق ضرراً بآخر إلا وفق ما هو مأذون به شرعاً. وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في الفتاوى عن ضمان الغاصب ما نقص بالسعر: (... فإن الصحيح أنه يضمن نقص السعر وكيف يغصب شيئاً يساوي ألفاً، وكان بصدد بيعه بالألف ثم نقص السعر نقصاً فاحشاً، فصار يساوي خمسمائة: أنه لا يضمن النقص فيرده كما هو). ص 314.
وبناء على ما سبق فإني أرى أنه يجوز فرض غرامة على المدين المماطل باعتبارها عقوبة تعزيرية لا يرجع فيها إلى رضاه بشرط أن لا يتفق عليها ابتداء عند العقد، وأن يكون المدين مماطلاً وقادراً على السداد، وليس لدى الدائن ضمان يستوفى منه حقه، وأن يكون هناك ضرر وقع على الدائن بسبب المطلب، وتكون هذه الغرامة لصالح المضرور.
والله أعلم