الطواف إشباع للنفس البشرية وتعبير عن تسليمها لله ومظهر لوحدة النظام الكوني
باب الريان
24 يوليو 2012 , 12:00ص
القاهرة - خالد مصطفى
يثير بعض الحاقدين على الإسلام مزاعم وافتراءات عن الطواف حول الكعبة المشرفة.. زاعمين أن محمدا صلى الله عليه وسلم أبقى في دينه شيئا من شعائر الوثنية الجاهلية!! وللرد على هذه الشبهة المثارة حول الطواف، يمكننا أن نجيب عليها من خلال ثلاثة محاور، أولها هو تاريخ هذا التشريع من خلال الديانات السابقة على الإسلام، أما المحور الثاني فهو البحث عن طبيعة الكون، ثم الفلسفة الإنسانية، أو بمعنى آخر مدى حاجة البشر في عبادتهم إلى هذه الشكليات للتعبير عنها.
الدين المختار
وبالنسبة لتاريخ التشريع من خلال الديانات السابقة على الإسلام، يشير الداعية الإسلامي "إبراهيم عبداللطيف" إلى هذا السؤال الذي يفرض نفسه وهو: هل النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو النبي الوحيد الذي جاء بالإسلام، أم أن الإسلام هو الدين المختار من الله عز وجل لكل الأمم؟
الحقيقة أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو النبي الذي أرسله الله سبحانه وتعالى لتصحيح ما أفسدته الأمم الطاغية (اليهود والنصارى) من الكتب السماوية. والدليل على أن الإسلام هو دين كل الأنبياء السابقين قوله تعالى: "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران: 19). وهذا هو نوح عليه السلام يقول لقومه: "فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين" (يونس: 72). وهذا هو إبراهيم عليه السلام يقول: "ربنا واجعلنا مسلمين لك" (البقرة: 128). ليس ذلك فحسب، ولكنه عليه السلام وصى أبناءه، وكذلك وصى يعقوب أبناءه، أن يموتوا جميعا على الإسلام. يقول تعالى: "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (البقرة: 132). وهذا هو يوسف عليه السلام يدعو ربه بقوله: "أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين" (يوسف: 1.1).
وهؤلاء هم سمرة فرعون يؤمنون بالإسلام الذي جاء به موسى عليه السلام بعد ظهور البراهين، فيقولون لفرعون الذي توعدهم "وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" (الأعراف: 126). كذلك قال موسى لقومه: "يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" (يونس: 84). وهذه بلقيس ملكة سبأ تعلن إسلامها مع سليمان لله رب العالمين: "وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين" (النمل: 44). وهؤلاء حواريو عيسى عليه السلام يناصرونه ويؤكدون له أنهم على نهج الإسلام الذي جاء به عيسى عليه السلام، فعيسى لما أقام الحجج والبراهين على المعاندين استمروا على كفرهم، فانتدب الله عز وجل من بينهم طائفة صالحة هم الحواريون، قال تعالى: "فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون" (آل عمران: 53). ثم جاء خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم بما جاء به إخوانه الأنبياء السابقون، غير أنه جاء مصححا لتحريفات الكتب السابقة مهيمنا عليها. يقول تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه" (المائدة: 48).
ولما كان الأنبياء جميعهم قد جاؤوا بالإسلام كعقيدة، فشرائعهم واحدة بدون أدنى شك، بدليل قول الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه" (الشورى: 13).
الدليل التاريخي
وبما أن عقيدة الأنبياء واحدة -وهي الإسلام- وشرائعهم كذلك واحدة -ومنها نسك الطواف الذي شرعه الله عز وجل لكل الأمم- فليس هناك مجال للادعاء بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد أبقى شيئا في الإسلام كان يؤدى في وثنية الجاهلية. فهو لم يخترع الطواف من عند نفسه، بل هو مقرر من مقررات الشرائع السابقة التي فرضها الله على جميع الأنبياء وكافة الأمم.
ويشير "إبراهيم عبداللطيف" المدير الأسبق للمركز الإسلامي بالبرازيل، إلى أن الدليل التاريخي للطواف بدأ حينما هبط آدم إلى الأرض، فالملائكة هم الذين بنوا الكعبة المشرفة قبل هبوط آدم عليه السلام. وقد روي عن جعفر بن محمد قال: سئل أبي وأنا حاضر عن بدء خلق البيت، فقال: "إن الله عز وجل لما قال "إني جاعل في الأرض خليفة"، قالت الملائكة: "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"، فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم حتى رضي الله عنهم، وقال لهم: "ابنوا لي بيتا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي فأرضى عنه كما رضيت عنكم، فبنوا هذا البيت. ثم أمر الله عز وجل آدم عليه السلام بعدما أهبط إلى الأرض أن يحف بهذا البيت كما رأى الملائكة تحف بالعرش في السماء. وجاء بعد ذلك النبي شيث بن آدم عليهما السلام وجدد البناء. وظلت الأنبياء والأمم تطوف بهذا البيت حتى جاء إبراهيم عليه السلام ورفع هو وإسماعيل قواعد البيت من جديد.. "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا"، وقد روي أن إبراهيم عليه السلام كان يحج البيت كل سنة على البراق، ثم حجته وطافت حوله الأنبياء والأمم من بعده. روى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة، فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا. فمات بها نوح وهود وصالح، وقبورهم بين زمزم والحجر". وقال عبدالله بن حمزة السلولي: "ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا جاؤوا حجاجا، فقبروا هنالك، صلوات الله عليهم أجمعين". وعلى هذا، فإن نسك الطواف تاريخيا من لدن آدم عليه السلام وحتى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. فأين هي الوثنية من الطواف ما دام تاريخيا من مقررات كافة الشرائع؟!
سنة كونية
أما المحور الثاني، فهو البحث في طبيعة الكون، فهذا معناه أن الله عز وجل جعل الطواف أو الدوران سنة كونية، فهو مظهر من مظاهر وحدة النظام الكوني. والدليل على وحدة النظام الكوني بالنسبة للطواف أو الدوران هو وجود نظائر للطواف أو الدوران في المجرات وفي الذرات، ليمثل الأمر في النهاية سنة كونية ونظاما متسقا لا تفاوت فيه. وقد بين علماء الفلك مدى انتشار ظاهرة الطواف بين الكواكب: فالأقمار في المجموعة الشمسية تطوف حول كواكبها، ونحن نعرف جيدا أن القمر يدور حول الأرض، وأن أقمار المشترى تدور حول المشترى، ثم إن الأرض وأخواتها من السيارات تدور وأقمارها حول الشمس دورانا متصلا.
وفيما يتعلق بحاجة البشر إلى اتخاذ أشكال ظاهرة تعبر عن العبادة، فإن في النفس البشرية ميلا فطريا ناشئا من تكوين الإنسان من جسد وروح إلى اتخاذ أشكال ظاهرة تعبر عن المشاعر، خاصة فيما يتعلق بالأمور التعبدية. ذلك أن هذه المشاعر لا تهدأ ولا تستريح حتى تتخذ لها شكلا ظاهرا تدركه الحواس. ولذلك أقام الإسلام شعائره، مراعيا حاجة الإنسان الضرورية لاتخاذ هذه الأشكال التي تعبر عن وجدانه، من قيام واتجاه إلى القبلة وتكبير وقراءة وركوع وسجود عند الصلاة وحركة وسعي ودعاء وتلبية وطواف وسعي عند الحج، وكذلك سائر العبادات، إذ جعل الإسلام في كل حركة عبادة وفي كل عبادة حركة.
فحكمة الطواف ليست إذن بدعا من عند محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هي تشريع قرره الله على كل الأنبياء والأمم، وهي كذلك جزء من وحدة النظام الكوني ومراعاة للفطرة البشرية.