ما أعظم غرور فرعون لم يستطع أن يتحرر من بعوض يقرصه

alarab
باب الريان 24 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. {فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)} فذهب موسى إلى فرعون، كما أمره الله، فأراه الآية الكبرى، والمراد بها: مجموع ما آتاه الله من الآيتين الطاهرتين: العصا واليد، كما ذكر ذلك في سورة طه، ثم قال بعد ذلك: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى}[طه:23]. رأى العصا يلقيها موسى من يده، فتنقلب حية تسعى، أو ثعبانا مبينا، ويخرج يده من جيبه، فتراها بيضاء من غير سوء، من غير برص ولا مرض، وهنا قال فرعون: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ}[الشعراء:34]، ودعا بالسحرة وحدث ما حدث. وقال موسى: {مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ}[يونس:81-82]. {فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)} الفاء للترتيب والتعقيب، فهي تدل على سرعة فرعون بالتكذيب لموسى، لأنه كذَّب بدلالة ذلك المعجز على صدقه، حيث زعم أنه ليس بأمر معجز، وأنه ليس إلا نوعا من السحر، وأن عنده مثله كثيرون، يمكن أن يأتي بهم، ويتحدى بهم موسى. وكان مع تكذيبه لموسى عصيان لربه، الذي بعثه إليه. ولذا قال: {فَكَذَّبَ وَعَصَى}، أي: فكذب بالحق، وخالف ما أمره ربه من الطاعة، وحاصلة أنه كفر بقلبه، فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُه بأن ما جاء به حق، لا يلزم منه أنه مؤمن به، لأن المعرفة علم القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق، والخضوع له. {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22)} وبعد فترة من الزمن، تدل عليه كلمة (ثم)، تولى فرعون عن الطاعة لله، أو انصرف عن المجلس. وإدباره في مقابلة الحق بالباطل، وهو جمعه السحرة ليقابلوا ما جاء به موسى من المعجزات الباهرات، وإدباره يدل على أنه كان مرعوبا، حينما رأى ثعبان موسى، ومع هذا مشى بسرعة، وهو ---، ليقف في وجه موسى. {فَحَشَرَ فَنَادَى (23)} حشر: أي: جمع، ومعناه: إنه جمع السحرة من أنحاء البلاد في مصر كلها، الوجيه القبلي والوجه البحري، كما قال تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ}[الشعراء:53]، {فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى}[طه:60]، ومعنى: كيده، أي: ما يكاد به من السحرة وآلاتهم، وما يحيط بهم من جنود وتجمع شعبي. وبعد أن حشرهم وجمعهم، أسرع فنادى في قومه، أو في المجمع نفسه، أو بواسطة المنادي: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)} هكذا يعلن فرعون في قومه: أنه الرب الأعلى! وما دلالة ربوبيته لقومه: هل هو الذي خلقهم، ولم يكونوا شيئا مذكورا؟، هل هو الذي رزقهم منذ كانوا أجنة في بطون أمهاتهم؟ هل هو الذي يطعمهم من جوع؟ هل هو الذي يؤمنهم من خوف؟ هل هو الذي أوجد لهم السمع والأبصار والأفئدة؟ هل هو الذي علمهم البيان؟ هل هو الذي أنشأ السماء التي تظلهم؟ أو أنشأ الأرض الذي تقلهم؟ أو خلق النيل الذي يسقيهم؟ بأي حق يدعي الربوبية عليهم؟ وليست مجرد الربوبية، بل الربوبية العليا، {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}. قد يسمح لهم أن يكون لهم أرباب صغرى، يصنعونها أو تصنع لهم، ولكن المهم أن يكون هو الرب الأعلى الأكبر والأعظم. ما أعظم غرور فرعون! أي رب هذا، وهو لا يستطيع أن يتحرر من بعوض يقرصه، أو ذباب يغدو على طعامه، أو مرض ينزل به في رأسه أو في بطنه، بل هو أسير بوله وبرازه. ومن قبل قال فرعون لقومه: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي}[القصص:38]. {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25)} العطف بالفاء دلالة على أن عقوبة الله عز وجل، كانت له بالمرصاد، فسرعان ما أخذه أخذًا أليما شديدا، كما يأخذ الظالمين أبدا. كما جاء في حديث أبي موسى: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[هود:102] . والمعنى: أن الله تعالى انتقم من هذا المتجبر انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين والمتألهين في الدنيا، كما قال تعالى: {وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ}[هود:99]. وقال عز وجل: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ}[القصص:40-41]. قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح في معنى الآية: أن المراد بقوله تعالى: {نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى} أي: الدنيا والآخرة. فالنكال بمعنى التنكيل، كالسلام بمعنى التسليم. وهو التعذيب الذي ينكل من رآه أو سمعه، ويمنعه من تعاطي ما يفضي إليه. وهو منصوب على أنه كقوله تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ}[الروم:6] {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}[البقرة:138]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى(26)} يذكر القرآن أبدا قصص الرسل وأقوامهم، وقصص المؤمنين والكافرين، ليتخذ الناس عبرا وعظات، ولهذا جمع في القرآن قصص آدم ونوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب مدين والمؤتفكات، وذكر لنا قصة موسى وفرعون، وقصة المسيح وأمه، وقصة مؤمن آل فرعون، وقصة مؤمن سورة يس، ومؤمني أصحاب البروج، ومؤمني الكهف، والمؤمنون من أصحاب محمد وغيرهم، ليكون لها فيهم الهداية والعبرة، كما قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}[هود:120]. وقال في ختام سورة يوسف: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[يوسف:111]. قال الرازي: والمعنى أن فيما قصصناه من أمر موسى وفرعون، وما أحله الله بفرعون من الخزي، ورزق موسى من العلو والنصر، عبرة لمن يخشى. وذلك أن يدع التمرد على الله تعالى، والتكذيب لأوليائه، خوفا من أن ينزل به ما نزل بفرعون، وعلما بأن الله تعالى ينصر أنبياءه ورسله، فاعتبروا معاشر المكذبين بمحمد بما ذكرناه. أي: اعلموا أنكم شاركتموه في المعنى الجالب للعقاب، شاركتموهم في حلول العقاب بكم. اهـ {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28)} نقلة جديدة يلتفت فيها القرآن بعد خطاب الرسول، إلى خطاب أهل مكة ومن حولها من العرب المنكرين للبعث, بناء على صعوبته - بل استحالته- في زعمهم, بطريقِ التوبيخِ والتبكيتِ، يستدل لهم على أمر يعلم بالمشاهدة, وهو أن خلق الإنسان على صغره وصفته إذا أضيف إلى خلق السماء - على عظمها وعظم أحوالها- يسير, بين تعالى أن خلق السماء أعظم, وإذا كان كذلك فخلقهم على وجه الإعادة أولى أن يكون مقدور الله فكيف ينكرون ذلك؟ ولذا قال الله تعالى محتجا عليهم: أأنتم أيها الناس أشد خلقا أم السماء؟ لا شك أن السماء أشد خلقا منكم, كما قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }[غافر: 57], وقال عز وجل: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ}[يس:81], فالآية تعني السماء أشد خلقا؛ لأن الله تعالى {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}, أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء. ونحن نعلم الآن مما علمه لنا علم الفلك الحديث, أن الأرض كلها بما فيها من الجنس الإنساني وما يسكنها معه، من جن وحيوان وطير وزواحف وحشرات, وأحياء مائية ونباتية تعد فصائلها بالألوف وعشرات الألوف, هذه الأرض وما عليها من البشر، الذين أصبحوا يملكون من وسائل العلم ما يملكون، مما علمهم الله تعالى ما لم يكونوا يعلمون.. هذه الأرض جزء صغير من المجموعة الشمسية, التي هي جزء صغير في مجرتنا التي نعيش فيها, والتي يسمونها(سكة التبانة) أي السكة التي يسير فيها الذين يحملون التبن على رواحلهم أو بغالهم أو حميرهم, وتنتشر منه حفينات أو ذرات، تملأ الطريق به، مما يرى أثره، وتشم رائحته. وكذلك نري في هذه السكة النجوم التي لا حصر لها. وهذه السكة والمجرة, واحدة من المجرات العظمي التي يمتلئ بها هذا الكون الكبير الذي خلقه الله تعالى ودبره وأشرف عليه, وهو تحت سيطرته وأمره, وهو بكل شيء عليم, وعلى كل شيء قدير, ونحن نقول في صلواتنا إذا قمنا من الركوع «ربنا لك الحمد ملء السماوات, وملء الأرض, وملء ما شئت من شيء بعد». ذكر القرآن لنا هنا: أن الله بنى هذه السماء, أي: رفعها فوقكم كالبناء، كما قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}[الذاريات:47], وقال تعالى في سورة البقرة - حين أمر الجميع بعبادته سبحانه-: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}[البقرة:22], وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ}[الأنبياء:32], وقال سبحانه في سورة النبأ: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}[النبأ:12]. وقد فسر تعالى بناءه لهذه السماء, فقال: {رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} أي: رفع سقفها في الهواء, يقال: سمكت الشيء, أي: رفعته في الهوا, وسمك الشيء سموكا ارتفع, ومعنى فسواها, أي: خلقها خلقا مستويا لا تفاوت فيه ولا شقوق ولا فطور, كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ}[ق:6], وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ}[الملك:3], وقال الرازي: قوله{فَسَوَّاهَا} عام, فلا يجوز تخصيصه بالتسوية في بعض الأشياء, ثم قالوا: هذا يدل على كون السماء كرة. {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) } أي: جعله مظلما, يقال غطش الليل, وأغطشه الله, كما يقال: ظلم الليل, وأظلمه الله، ومعناه: أن الكلمة الحاصلة في ذلك الزمان، إنما حصلت بتدبير الله تعالى. وأخرج ضحاها: أي أبرز نهارها لظهور شمسها, عبر عنه بالضحى, لانه أشرف أوقات النهار وأطيبها فكان أحق بالذكر في مقام الامتنان, وهو السر في تأخر ذكره عن ذكر الليل, وعبر عن إحداثه بالإخراج, فإن إضافة النور بعد الظلمة أتم في الإنعام, وأكمل في الإحسان. وإضافة الليل والضحى إلى السماء, لدوران حدوثهما على حركتها, ولأن الليل يكون بغروب الشمس, والشمس تضاف إلى السماء، ويقال: نجوم الليل؛ لأن ظهورها بالليل, ومن المقرر أن الليل والنهار, إنما يحدثان بغروب الشمس وطلوعها. {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31)} أي: بسطها ومدَّها وجعلها صالحة, لسكنى أهلها، وتقلبهم في أقطارها. ولأهل اللغة في هذه اللفظة طريقتان يقال: دحوت أدحو, ودحيت أدحى. ويقال: أصل الدحو أو الدحى: الإزالة للشيء من مكان إلى مكان. وهذا يدل على أن دحو الأرض أو دحيها بعد خلق السماء, ولكن خلق الأرض كان قبل خلق السماء, كما دلت على ذلك بوضوح آيات سورة فصلت, {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}[فصلت:9-11]. ولذا قال العلامة ابن كثير: وقد تقدم في سورة (حم السجدة) - وهو اسم آخر لسورة فصلت- أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دحيت بعد خلق السماء بمعني أنه ما كان فيها بالقوة إلى الفعل , قال: وهذا معني قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير أ هـ. وقد فسر القرآن الكريم كلمة دحاها هنا بقوله بعدها: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا}, فبعد البسط والتمهيد لابد من تسوية أمر المعاش من الأكل والمشرب حتما, فأخرج من الأرض العيون المتفجرة بالماء, ووضع في قلبها المياه الدفينة في باطن الأرض, كما أخرج المرعى, أي: النبات الذي ترعاه الحيوانات والأنعام، التي تحتاجون إليها من الإبل والبقر والغنم. قال القتبي: دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام, من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس, والنار والملح, لأن النار من العيدان، والملح من الماء. ولكن كيف يقول: {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا} والمعروف: أن الماء ينزل من السماء إلي الأرض, كما دلت على ذلك آيات كثيرة, {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}[ق:9]. والجواب: أن هذا الماء النازل من جهة السماء, أو من السحاب، إنما هو في الواقع أصله من الأرض، ومن بحار الأرض ومحيطاتها على مساحات واسعة حائلة، ولكنه متبخر بفعل الشمس، حسب السنن الإلهية، تصعد إلى جهة السماء، أي: إلى السحب من فوق. ووفق قوانين أجراها الله تعالى أنزله إلى الأرض, ليحيها بعد موتها, ويسقيه أنعاما وأناسي كثيرا, وقد عرف العرب ذلك, فقال شاعرهم في ممدوحه: كالبحر يمطره السحاب وما له فضل عليه؛ لأنه من مائه ويقول شاعر آخر أقدم منه – عن السحاب-: شَرِبْنَ بِمَاءِ البَحْر ثُمَّ ترفعت متى لُجَج خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيْجُ ويقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ}[النور:43]. {وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)} ومن تتمة دحو الأرض التي أتمها الله على الأرض: أنه أكمل ذلك فأرساها بالجبال, حتى لا تميد وتضطرب بأهلها, أي: إنه قررها وثبتها وأكدها في أماكنها, وهو الحكيم العليم, الرؤوف الرحيم. قال تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ}[النحل:15], وكرر المعني نفسه في سورة لقمان. لماذا كان هذا الإرساء والترسيخ للجبال, وإخراج ماء الأرض ومرعاها, وهل ينتفع الله فيها بشيء؟ لا والله, إنه غني عن العالمين, وعن كل ما خلق, ولكنه خلق هذه الأشياء وأنعم بها من أجل البشر من عباده, ولهذا قال سبحانه وتعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}. أي: دحا الأرض, فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها, وأجرى أنهارها، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها, وثبت جبالها, لتستقر بأهلها ويقر قرارها, كل ذلك إنما فعله سبحانه متاعا لكم أيها الخلق المحتاجون إليه وإلى نعمه، أنتم وأنعامكم التي تخدمكم وهي صحيحة, وتأكلونها وهي ذبيحة، وهي تعطيكم من ألبانها وجلودها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. وكثيرا ما يذكرنا القرآن بهذه الحقيقة, وهو أنه سبحانه يخلق لنا من أشيائه ونعمه، من النباتات والزروع والحيوانات البرية والأحياء المائية, ما نحتاج إليه وأنعامنا, كما قال في سورة (عبس) بعد هذه السورة: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}[عبس:32]. وأحيانا يقدم الإنعام على الناس؛ لكثرة انتفاعهم بما خرج من الأرض, قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ}[السجدة:27], فانظر كيف قدم أنعام الناس عليهم في هذا السياق, حيث يأكلون من الزرع أضعاف ما يأكل الإنسان منه. {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34)} كما تبين أنه سبحانه القادر الذي لا يعتريه عجز، فهو الذي ينشر الأموات من قبورهم, وهو الذي خلق الأكوان جميعا ولم تكن شيئا, تبين صدق ما جاء به نبيه محمد من العقائد الصحيحة, ومنها: اليوم الآخر, الذي يبعث الناس فيه إلى ربهم, ويجزون بما عملوا, ومن هنا نبه على ذلك بقوله: {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}. يختار القرآن للقيامة أسماء فيها --- اللفظية, وحروفها, ووقعها على السمع, لتحدث الخوف والرعب في نفس الإنسان فهو يسمي القيامة هنا: {الطَّامَّةُ الْكُبْرَى}, ويسميها في سورة عبس القادمة {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ}[عبس:33]. ويسميها قبل ذلك {الحَاقَّة} حروف من حروف المعجم, فيها المد الكلمي المشدد,: الحاقَّة, الطامَّة, الصاخَّة, كل له شدة وفيه على سمع الإنسان وقلبه, فقوله هنا {الطَّامَّةُ}أي: الداهية العظمي, التي تطم على سائر الطامات, أي تعلوها وتغلبها, وهي الساعة أو القيامة أو النفخة الثانية في الصور, التي يخرج الناس بها من الأجداث كأنهم جراد منتشر, وهو اليوم الذي يساق فيه الخلائق إلى محشرهم وحسابهم, {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}[المطففين:4-6]. يتبع غداً إن شاء الله...