

تعد فرحة الثانوية العامة أكبر فرحة يعرفها قلب الطالب وأسرته، ويعد تحقيق النجاح فيها فرصة لمزيد من النجاحات عبر بوابة الجامعة.
وبينما يحقق البعض أحلامهم بعد التخرج، فإن الدراسة الجامعية قد تصبح مجرد بوابة لوظيفة روتينية تقتل الطموح والإبداع.
وبالمقابل هناك من يخفق في تحقيق هذه الشهادة ويتخلف عن طرق أبواب الجامعة.. فهل يعتبر ذلك نهاية المطاف بالنسبة له؟.
كل الشواهد تقول إن للنجاح أبوابا وطرقا شتى وأن التعليم قد يكون أحدها وليس جميعها، وأمثلة ذلك كثيرة محليا ودوليا، والمجالات متعددة منها الصناعة والتجارة والرياضة وحتى الاختراعات، إذ يعتقد الكثيرون أن مجرد الحصول على الشهادة الجامعية يعتبر بداية النجاح، وهذا صحيح نسبياً، غير أن الشهادة الجامعية ليست سوى وسيلة داعمة تمهد الطريق نحو النجاح، وهناك الكثير من المشاهير حققوا نجاحات استثنائية في شتّى الحقول من دون أن يحصلوا على شهادات جامعية، ووفقا للتقرير الصادر عن مؤسسة Wealth-X السنغافورية وبنك UBS السويسري، فإن أكثر من ثلث المليارديرات في العالم الذين وصل عددهم إلى 2325 مليارديراً لا يحملون درجة جامعية ومن هؤلاء مشاهير ومخترعون وفنانون، وغيرهم من المتميزين في مجالات عديدة.
نحن في هذا المنبر لا نشجع على ترك الدراسة، ولا نقول لأبنائنا إنها غير مهمة، لكننا نسعى إلى إيجاد بدائل وحلول لمن تخلف عن ركب الجامعة، واختار مجالا آخر غير التعليم، ونضرب أمثلة لشخصيات حققت الكثير لنفسها وللبشرية دون أن تكون لها شهادة جامعية.
مصممة الأزياء هيا عبدالله: نهاية مشواري الدراسي كانت بداية لمشوار جديد
تحدثت السيدة هيا عبدالله وهي مصممة أزياء لـ «العرب» عن تجربتها عندما أخفقت في اجتياز امتحان شهادة الثانوية العامة، وقالت: عندما ظهرت نتيجة الثانوية العامة أصبت بالإحباط نتيجة إخفاقي وعدم تحقيقي ما كانت أطمح إليه من مجموع.
واستطردت: لكني بعد فترة من الزمن استطعت تجاوز الأمر والتوجه إلى عالم الأزياء، دخلت دورات تدريبية وتعلمت التصميم، أدركت أن نهاية مشواري الدراسي يجب أن تكون بداية لمشوار جديد، ومن هنا كانت البداية، فبعد فترة التدريب والتعلم أسست مشروعي وفتحت مشغلا للعبايات والأزياء القطرية، واستطعت من خلال هذا المشروع تحقيق أرباح ما كنت لأحققها من الوظيفة، واستطعت بفضل الله واجتهادي أن أكبر في مشروعي لتصل أعمالي إلى جميع دول الخليج.
وأضافت هيا: كثير من الطلبة نتيجة قلة خبرتهم بالحياة العملية، قد لا يعلمون أن إخفاقهم فيما كان يطمحون له ليس نهاية المطاف، وأن هناك من التحقوا بكليات «متواضعة» ولكن كان لهم نصيب من التألق والعطاء والإبداع أكثر ممن التحقوا بكليات «قمة» وهناك من لم يلتحق بالجامعة لكنه حقق طموحه في مجالات أخرى ونجح فيما لم ينجح فيه الكثيرين من خريجي الجامعات.

العداء طلال منصور: توقفت عن الدراسة في عمر 14.. لكن نجاحاتي لم تتوقف
طلال منصور أو كما يلقب السهم الذهبي، إنه البطل الذي تربّع على قمة الذهب في ألعاب القوى في سباقات السرعة، وأولها سباق 100 متر، وكانت القارة الصفراء قد منحته لقب أسرع رجل في آسيا عندما هيمن على ذهبية هذه المسابقة ثلاث بطولات متتالية، أي ما يصل إلى 12 عاماً، كان فيها هو الأول والأسرع في هذه المسابقة.
طلال قال لـ «العرب»: إن طريق النجاح ليس واحدا، فالقمة واحدة لكن الطرق إليها عديدة ومتعددة ويمكن الوصول إليها عبر طرق عديدة.
طلال العداء الذي رفع الراية القطرية في العديد من المرات وحقق العديد من الألقاب لم يكمل تعليمه ولم يحصل على شهادات جامعية. وهنا يروي قصته مع التعليم: توقفت عن الدراسة في عمر مبكر جدا قبل أن أكمل 14 عاما، بعد وفاة والدي رحمه الله، ولم ألتحق بالثانوية لأنني كنت أعيش في بيئة تشدد على أن الرجل يجب أن يعمل لتكتمل رجولته، ويجب أن يكون مسؤولا، كان يقال لي «اشتغل عشان تصير ريال»، وفي ذلك الوقت توجهت إلى الرياضة، حيث التقيت بمشرف رياضي شجعني على تعويض ما فاتني في الدراسة عبر احتراف الرياضة، لكن لا يوجد نجاح بدون اجتهاد، ولا انضباط ولا عمل مستمر في أي مجال من المجالات، فبفضل توفيق الله سبحانه والعمل والمثابرة استطعت تحقيق الكثير من الألقاب والإنجازات وإعلاء راية بلادي في كثير من المحافل الدولية والقارية، ووضعنا قطر على خريطة الدول المتصدرة في العديد من الرياضات أنا وكثير من الزملاء في رياضات مختلفة.
ويقدم البطل طلال منصور نصيحة للشباب حيث شدد على أهمية إخلاصهم في أي عمل يقومون به في أي مجال كان، وأكد أن الدولة ترعى كل المواهب المثابرة الجادة في جميع المجالات، وقال: لا يجب الاعتقاد بأن عدم التوفيق أو النجاح في الدراسة هو فشل، فقد يكون إشارة من الله سبحانه أن طريقك مختلف، وأنه يجب عليك أن تتجه إلى مجال آخر أنت موهوب فيه أكثر وأنت قادر على تحقيق العديد من الإنجازات فيه فقط عليك ألا تفشل وتستمر.
سعد بورشيد: أسماء فنية لامعة لم تحمل شهادات
ذكر الفنان والإعلامي وأستاذ الدراما المسرحية في كلية المجتمع سعد بورشيد أنه في المجالات الإبداعية التي تعتمد الموهبة قد يكون العلم والشهادات أمورا ثانوية تعقب الموهبة والشغف.
وأكد الأستاذ سعد أن «نوخذة» المسرح القطري عبد الرحمن المناعي لم تكن لديه شهادات جامعية، لكنه استطاع أن يكون أيقونة الفن المسرحي القطري، وكانت لديه مواهب في الشعر والأدب، وكان من المشاركين في تأسيس فرقة الأضواء الموسيقية مع الموسيقار عبد العزيز ناصر، وشارك في تأسيس العديد من الفرق.
إلى ذلك أضاف الأستاذ بورشيد: الدراسة والشهادات أمر مهم خصوصا في الزمن الحالي، وقد تكون الدراسة هي أول ما يحدد الملامح الأولية لشخصية الإنسان، فيختار طريقه بناء على ميولاته، فلو كانت علمية اختار منها العلمي، ولو كانت رياضية اتجه إلى كليات الرياضة، وإذا كانت ميولاته أدبية توجه إلى كليات الآداب أو الفنون حسب رغبته، وهنا تأتي أهمية التخصص، والتخطيط للمستقبل من خلال اختيار الطريق الأنسب لتوجهات كل شخص.

حمد السويدي: أمضيت 8 سنوات في الابتدائية و7 في الإعدادية
حمد السويدي أو «العنابي الطائر» كما يحب أن يلقب.. اسم كبير في عالم الرياضة القطرية عامة والراليات بشكل خاص، لم يتمكن من إتمام دراسته ولم يتخرج من المرحلة الإعدادية، لكنه رفع الراية القطرية في العديد من المحافل المحلية والإقليمية والعالمية، واستطاع أن يصبح أيقونة سباقات الرالي.
يقول حمد: بداية على كل من لم يوفق في النجاح في شهادة التعليم الثانوي أن يكرر المحاولة ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وعلى الأهل أن يقدموا الدعم لأبنائهم أثناء الدراسة، فالعملية التعليمية هي عملية مشتركة بين المدرسة والأسرة، وتحتاج إلى تفهم الأولياء والبحث في أسباب الرسوب ومعالجتها، وهنا أذكر القسوة التي كان يستعملها بعض الآباء قديما في إرغام أبنائهم على الدراسة، وحتى بعض المدرسين الذين كانوا يستعملون العنف مع الأطفال، وقد عانيت شخصيا من عنف مدرس الرياضيات معي قديما عندما كان يضربني بشدة وأنا في الصف الثاني، بحجة أنني لم أحفظ جدول الضرب وهو الأمر الذي نفرني من المادة وجعلني أمضي ثماني سنوات من عمري في المرحلة الابتدائية وسبع سنوات في المرحلة الإعدادية دون أن أنجح، وأتخلف عن الدراسة، لكنني استطعت أن أحقق ذاتي في مجالات أخرى مثل الراليات التي حققت فيها العديد من الميداليات ورفعت فيها راية الوطن عاليا، إضافة إلى العديد من المواهب التي أنميتها في نفسي واستطعت تحقيق ذاتي من خلالها.
إلى ذلك أضاف السويدي قائلا: الطلبة الذين لم يستطيعوا تحقيق النجاح في الدراسة عليهم أن يجدوه في مجالا آخر، فلا يوجد شيء اسمه إنسان فاشل فهو فقط إنسان لا يعرف نقاط قوته وهو يحتاج إلى تحديد أهدافه في الحياة، والبحث عن شغفه.
د. محمد العنزي: الفشل يحيي الإنسان.. وفرص التعويض كثيرة
رأى الدكتور محمد العنزي مستشار نفسي أن مرحلة الثانوية العامة هي مرحلة فاصلة ومصيرية في حياة الإنسان عموما لأنها تكشف عن ملامح المستقبل القادم، وفيها يبذل الطالب أقصى جهده لتقديم الأفضل ولكن تختلف المستويات والظروف بحسب كل طالب.
وقال د. محمد: بالنسبة للطلبة الذين لم يكتب لهم النجاح في هذه المرحلة المهمة فإنهم قد ربحوا تجربة مهمة في حياتهم، فقد كسبوا تجربة الفشل وهي التجربة التي من الممكن أن تصنع دافعا للنجاح والتفوق في مجالات أخرى في الحياة في نواح متعددة ثقافية وفنية أو مالية، وليس الفشل دائما معناه التراجع، فهناك فشل يحيي الإنسان ويجعله أكثر يقظة للتجارب التي تمر عليه في المستقبل.
ووجه المستشار النفسي نصيحة للطلبة الذين أخفقوا في شهادة الثانوية العامة، باعتبار هذا الإخفاق دافعا، ودرسا لتعويض النقص وعدم المبالغة في الإحساس بشعور الندم، والحسرة، وهي الأحاسيس التي يمكن أن تضر أكثر ما تنفع، وما مضى فقد مضى والفرص في المستقبل كثيرة للتعويض، كلُّ ما عليك عملهُ هو التصميم على إعادة المحاولة من جديد بعد أن تتخلى عن الأفكار السلبية التي انتابتك إثرَ الفشلِ، وأن تُبعد من ذهنك العبارات المُحبطة مثل: لا أستطيع، لا أقدر، أنا فاشل.. وغيرها، وأن تثق بنفسك وبقدراتك التي لا تنقصُ بشيءٍ عن قدرات زملائك الناجحين، بل على العكس يجبُ أن تُحوَّل تلك اللحظات والأفكار إلى دافعٍ ومُحفِّزٍ يشجعك باتجاه التعويض حتى تلحقَ بمن سبقك ثم تُراجعُ حساباتك وتفكّرُ في نفسك جيدًا لتعلم مَكامنَ الخطأ الحاصل في الفترة التي سبقت الامتحانات وتكتشفَ التقصير الذي أدَّى إلى الفشل لتتلافاهُ لاحقًا بعد أن تضع لنفسكَ خطواتِ عملٍ تلتزمُ بها لتصل إلى ما تريد.
وشدد د. العنزي على أن إحدى وسائل تجاوز الفشل هي تحليل أسبابه والعملَ على تلافيها مع التحلّي بالأفكار الإيجابية والمُكمِّلُ لكلِّ هذا والأهم هو العمل بجدٍّ وإصرارٍ كبيرين في سبيل تحقيق النتيجة المرجوة، فالإنسان الناجح لا يُلدُ بالفطرةِ ناجحًا، بل يصنعهُ بنفسهِ.

روضة القبيسي: الطريق لم يُغلق.. والفرص متاحة
أكدت روضة القبيسي مدربة تنمية بشرية وتطوير ذات أن المجتمع يحتاج إلى جميع أبنائه، من التحق بالجامعة منهم ومن تخلف عن الركب، وأن من لم يتمكن من الدراسة الأكاديمية فإن هناك الكثير من الأبواب والمجالات التي يمكن أن يلتحق بها.
وقالت القبيسي: العديد من الدراسات العالمية أكدت أن هناك نقصا في مجال المهن الحرفية الاحترافية التي تمكنهم من التميز في مجالات عديدة تحتاجها الدولة والتي تتعلق بالفنون والتكنولوجيا، وهذا النقص سوف يؤدي بحسب الدراسات إلى ارتفاع دخل أصحاب هذه المهن مقارنة بالإداريين، وأكدت أخصائية تطوير الذات أن دولة قطر وفرت العديد من الفرص والدعم لجميع الموهوبين بغض النظر عن مجالاتهم، أو تخصصاتهم، وتوفر لهم فرص التدريب المهني من خلال الابتعاث ومن خلال الدورات المتخصصة، وعددت روضة القبيسي العديد من المجالات التي يمكن أن يبدع من خلالها الشخص دون الحاجة إلى شهادة متخصصة مثل صناعة الحلي والأزياء، وتزيين الحلويات أو الطبخ، والرسم ومختلف الفنون، وقالت إن الطريق لم يغلق بعد وأن الفرص متاحة أمام الجميع، فقط يجب البحث عن الشغف وتحديد التوجه.
فالطالب يجب أن ينظر للمستقبل، ويبحث في التخصص الذي يستطيع أن يبدع فيه، ويقدم فيه النفع لنفسه ولمجتمعه، ويكون متميزًا فيه، وعلى شبابنا أن يستعينوا بالله ويعلموا أن هناك من أخفقوا فيما كانوا يطمحون إليه في «الثانوية العامة»، ولكنهم أصبحوا ذوي شأن في المستقبل، وأبدعوا، ووصلوا إلى ريادة علمية وعملية؛ فالتفوق والنجاح في الحياة ليس حكرًا على الشهادة، وعلى الإنسان ألا يقف عند محطة ما من حياته.