الصفحات المتخصصة
24 يونيو 2011 , 12:00ص
? الشيخ فريد الهنداوي
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ*وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}.
بين يدي السورة
سورة الضحى مكية، وعدد آياتها إحدى عشرة آية. نزلت بعد سورة «الفجر» وقبل سورة «الانشراح» وهي أول سورة في قصار المفصل. سميت بهذا لبدايتها بلفظ الضحى. السورة كلها محكمة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
أسباب النزول
روى البخاري (4950)، ومسلم (1797) عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن أبي سفيان، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره فَرَبَكَ منذ ليلتين أو ثلاثاً، فأنزل الله عز وجل: {وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى*مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}.
وروى الطبري في تفسيره (8/448) بسند صحيح عن علي بن عبدالله بن عباس عن أبيه، قال: عُرِضَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزاً كنزاً، فسُر بذلك فأنزل الله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} فأعطاه في الجنة ألف قصرٍ في كل قصر ما ينبغي من الأزواج والخدم.
معاني الكلمات
(الضُّحَى): صدر النهار حين ترتفع الشمس وتلقي أشعتها على الكون.
(سَجَى): إذا أقبل بظلامه، وقيل معناه: إذا سكن واستقر ظلامه وتناهى فلا يزداد بعد ذلك.
(قَلَى): القلى: شدة البُغْض، يقال قلاه يقليه أي أبغضه ويقال: قليت الرجل أقليه قلىً: إذا أبغضته.
(آوَى): أي: ضمه إلى من يرعاه وجعل له مأوى يأوي إليه.
(عَائِلا): أي فقيراً، يقال: عال يعيل عيلاً وعيلة إذا افتقر، والعَيِّل: الفقير.
(فَلا تَقْهَرْ): لا تذله، ولا تغلبه على ماله وحقه بوجه من وجوه القهر.
(فَلا تَنْهَرْ): لا تزجره ولا تُغلظ له القول.
التفسير
(وَالضُّحَى): أي: أُقسم بالضحى وما فيه من ضياء.
(وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى): أي: وأُقسم بالليل إذا دخل واشتد ظلامه وغطى على كل شيء.
(مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى): أي: ما تركك ربك يا محمد منذ اصطفاك بالرسالة، وما أبغضك منذ أحبك، وهذا جواب القسم. فأقسم سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بآيتين عظيمتين من آياته في الكون: ضحى النهار وصدره، والليل وظلامه أنه ما تركه وما أبغضه.
(وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى): أي: وللدار الآخرة خير لك يا محمد من هذه الحياة الفانية، فالآخرة باقية والدنيا زائلة.
(وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى): أي: ولسوف يعطيك ربك يا محمد في الدنيا من النصر والظفر على الأعداء، وكثرة الأتباع والفتوح، وإعلاء دينك وجعل أمتك خير الأمم، وفي الآخرة من الشفاعة العامة والمقام المحمود، وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة حتى ترضى.
ثم شرع الحق سبحانه وتعالى في تعداد نعمه الدارَّة على رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى): أي: ألم تكن يا محمد يتيما في صغرك فآواك ورعاك وحفظك بحفظه ورعايته.
قال ابن كثير (8/426): «وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين. ثم كان في كفالة جده عبدالمطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب. ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه حتى ابتعثه الله على رأس الأربعين، وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، ومع ذلك كان يدفع الأذى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به».
(وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى): أي: ووجدك حائراً لا تدري ما القرآن ولا الإيمان فهداك لذلك، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (الشورى 52).
(وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى): أي: ووجدك فقيراً عديما لا مال لك فأغناك عن الخلق، فيسر لك أسباب التجارة في مال خديجة رضي الله عنها، ومنحك البركة في رزقك والقناعة بما آتاك. روى مسلم في صحيحه (2473) عن عبدالله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قد أفلح من أسلم ورُزق كفافاً وقنَّعه الله بما آتاه).
ولما عدد الله سبحانه عليه هذه النعم الثلاث أوصاه بثلاث وصايا، فقال:
(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ): أي: فأما اليتيم فلا تحتقره ولا تظلمه بتضييع ماله، وأحسن إليه وتلطف به، فقد كنت يتيماً فآواك الله.
(وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ): أي: وأما السائل الفقير الذي يمد يده مستجدياً عن حاجة وفقر فلا تزجره ولا تغلظ له القول، ولكن أعطه، فإن لم تجد ما تعطيه فرده رداً جميلاً.
(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ): أي: حدث الناس بفضل الله وإنعامه عليك، فإن التحدث بالنعمة شكر لها، فقد كنت يتيماً فآواك ربك، وكنت ضالاً فهداك، وكنت فقيراً فأغناك، فتعطف على اليتيم، وأرشد الحائر المسترشد، وأعط السائل الفقير، فإن ذلك من التحدث بنعمة الله تعالى، فليس المراد مجرد ذكر الخير والمال والإفاضة في الحديث عنهما، فإن ذلك ليس من كرم الأخلاق في شيء.
فائدة:
قال ابن القيم في «الروح» (ص 302): «والفرق بين التحدث بنعم الله والفخر بها: أن المتحدث بالنعمة مخبر عن صفات وليها، ومحض جوده وإحسانه فهو مُثْنٍ عليه بإظهارها، والتحدث بها، شاكرا له، ناشرٌ لجميع ما أولاه مقصوده بذلك إظهار صفات الله ومدحه والثناء، وبعث النفس على الطلب منه دون غيره، وعلى محبته ورجائه فيكون راغبا إلى الله بإظهار نعمه ونشرها والتحدث بها. وأما الفخر بالنعم فهو أن يستطيل بها على الناس، ويريهم أنه أعز منهم وأكبر فيركب أعناقهم ويستعبد قلوبهم ويستميلها إليه بالتعظيم والخدمة.
قال النعمان بن بشير: إن للشيطان مصالي وفخوخا، وإن من مصاليه وفخوخه البطش بنعم الله والكبر على عباد الله والفخر بعطية الله، والهون في غير ذات الله».