كيف يتحقق الحاكم من الشكوى؟

alarab
الصفحات المتخصصة 24 يونيو 2011 , 12:00ص
? د. نعيم محمد عبد الغني
بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير المصرية انفجر بركان من الشكاوى التي منها الصحيح ومنها الباطل، وأصبح من يتولى أمر مصر بعد هذه الثورة يحمل إرثا ثقيلا من مطالب هذه الثورة التي نادت بالحرية والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد بشتى صوره. وأصبحت الحكومة المصرية الآن أمام شكاوى ومطالب من الصعب تحقيقها معا، أو بشكل متسارع، وهذه مشكلة كبيرة تعوق عجلة الحياة، بل توقفها عن مسيرة التنمية والنهضة والإصلاح، وهذا يدفعنا إلى الرجوع إلى دولة الخلافة الراشدة لنرى كيف كانوا يتحققون من الشكاوى التي تأتيهم ويتعاملون معها؟ إننا لو تتبعنا مثلا فقه سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في هذه القضية لوجدنا حكمة السياسي وحزمه في آن واحد، فسيدنا عمر -رضي الله عنه- كان يتحقق من الشكوى بصورة علنية وبصورة سرية، ثم بعدها يضع علاجا ناجعا لكل شكوى، وكل حاكم كان يختاره بمواصفات تناسب موقعه ومكانه ومن سيتولى أمرهم. ولم يكن سيدنا عمر – رضي الله عنه- ليسقط هيبة الحاكم في عيون الناس، بل كان يختار الحاكم ثم يودعه بنفسه، وإذا عزله لأمر إداري وضح هذا الأمر حتى لا تنتشر الشائعات بأنه هذا الحاكم عزل بسبب فساد أو عجز أو ضعف، وهذا ما فعله مع شرحبيل بن حسنة حين عزله، ففي تاريخ دمشق أن شرحبيل قال لعمر: أعن سخط عزلتني يا أمير المؤمنين؟ فقال لا إنك لكما أحب، ولكن أريد رجلا أقوى من رجل، فقال قم فاعذرني في الناس لا تدركني هجنة، فقام في الناس فقال: أيها الناس إني والله ما عزلت شرحبيل عن سخطة لكني أردت رجلا أقوى من رجل. وإذا كانت هذه حاله مع عماله الذين اختارهم بعناية، وأراد أن تكون لهم هيبة ومكانة بين الناس تعينهم على الحكم لا على التجبر والتكبر فإن ذلك كان مدعاة لاتخاذ سياسة حكيمة في التحقق من الشكاوى. ومن هذه السياسة الحكيمة أنه يتحقق أولا من شخصية الشاكي وتكون له نظرة فيه قبل أن يستدعي حاكم الولاية، فعن الحسن أن ناساً سألوا عبدالله بن عمرو بمصر، فقالوا نرى أشياء من كتاب الله - عز وجل - أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها؛ فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقي عمر - رضي الله - عنه فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: أميرَ المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله، أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها فأحبوا أن يلقوك في ذلك، قال: فاجمعهم لي، قال فجمعتهم له، قال أبو عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلاً، فقال: أنشدك الله، وبحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله! قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا - ولو قال: نعم، لخصمه! قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك، ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم فقال: ثكلت عمر أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال لو علموا لوعظت بكم. في هذه الحادثة يمكن ملاحظة عدة أشياء: الأول: أن حركة الصحابة في عهد الخلافة الراشدة كانت بإذن وبقواعد معلومة، والانضباط في هذا الأمر ليس منافيا لحرية تنقل الأفراد بين الأمصار، بل هو تنظيم للمسؤوليات الملقاة على عواتقهم، وهذا يوحي بدقة التنظيم في الدولة الإسلامية الراشدة. الثاني: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- لم يعلق كثيرا على إذن عبد الله بن عمرو بن العاص –رضي الله عنه-، بل اهتم بالشكوى التي رفعها عبدالله حيث كان وسيطا أمينا كي يقابل الناس أمير المؤمنين. الثالث: أن سيدنا عمر سألهم عن شكواهم في الوالي الذي ولي عليهم، وينبغي أن يكون القوم قد أعدوا عدتهم لهذه الشكوى من حيث صياغتها ومن يتكلم باسمهم، ولكن القوم لم يفعلوا، ولم يتقدمهم أفصحهم كلاما وأعرفهم بيانا وألحنهم حجة، بل قدموا شكوى مرسلة غير منضبطة. الرابع: لما رأى سيدنا عمر أن هذه الشكوى غير منضبطة، إذ هي كلام عام (إنا نرى أشياء في كتاب الله، أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها) أراد أن يعلمهم درسا مهما، فسألهم فردا فردا عن معرفتهم بالقرآن وقدرتهم على العمل بكل ما فيه، وأجابوا بعجزهم عن العمل بكل ما فيه، وهذا هو حالهم وحال أمير المؤمنين نفسه، فكيف إذا نلوم الحاكم على أمر لا يطيقه أمير المؤمنين بل المؤمنون كافة؟! الخامس: إن سيدنا عمر أراد ألا تنتشر هذه الحكاية حتى لا تسقط هيبة الحاكم، ولا تحدث فتنة بين المسلمين، وتأكد أن أحدا بالمدينة لم يعرف بمقدمهم، إذ لو عرف الناس بمقدمهم لكانت قضية رأي عام ظلم فيها الوالي من هؤلاء ومن ثم سيأخذ سيدنا عمر حق الوالي منهم؛ بسبب شكواهم لإسقاطه أو لإسقاط هيبته والقدح في شخصيته وإيمانه. السادس: أن سيدنا عمر –رضي الله عنه- سد بابا عظيما من الفتن، إذ لو استخدم الناس هذه الشكوى ضد بعضهم لبات كل المسلمين متهما في دينه، فما معنى أنه لا يحكم بكل ما أنزل الله؟ إنها دعوى قد تجر إلى أن يصبح الحاكم كافرا أو فاسقا أو ظالما كما يقول القرآن، وهي دعوى عريضة تحتاج لعلماء يحللونها ويسقطون الوقائع على الأحكام التي منها ما يكون توقيفا ومنها ما يكون توفيقا، ومنها ما يكون محكما ومنها ما يكون متشابها، والحكم بما أنزل الله عنوان كبير تحته تفاصيل كثيرة لا ينبغي مطلقا للعامة الخوض فيها، وإذا حدث ستحدث الفتنة بين المسلمين، وهذا ما قاله الخوارج لسيدنا علي رضي الله عنه، إذ زعموا أنه لا يحكم بما أنزل الله، وهو ما حدث في تاريخنا القديم والمعاصر من بعض الجماعات الإسلامية التي كفرت الحكام، وكان هناك كثير من سوء الفهم لمقولة (الحكم بما أنزل الله)، وقد تناولناها في مقال سابق بصورة أكثر تفصيلا. والحديث موصول حول كيفية تحقق الحاكم من الشكوى إن شاء الله ? باحث أكاديمي naimlr@hotmail.com