الأربعاء 6 ذو القعدة / 16 يونيو 2021
 / 
08:27 م بتوقيت الدوحة

عدد من شركاء النهضة يفتحون قلوبهم لـ «العرب».. عمال يقضون يومهم بين مشقة بالنهار.. ورضا في المساء

يوسف بوزية

الإثنين 24 مايو 2021

يشكل حضور الأيدي العاملة الأجنبية في الدولة واقعاً يحمل في طياته الكثير من الأبعاد الاجتماعية والإنسانية، التي تعكسها ملامح ظروفهم المعيشية والعملية المتقشفة، حيث يكابدون الغربة عن الوطن الأم واللغة والبيئة، وما ينطوي عليها من متاعب، في سبيل توفير سبل العيش الكريم لهم ولأسرهم.
وقد حرصت الدولة على وضع العديد من التشريعات التي تعزز حقوقهم وتجعل منهم «شركاء في النهضة»، وتقدر إسهاماتهم في مختلف المجالات. هم عمّال كادحون في مجالات متعددة، يخرجون من بيوتهم يومياً وهدفهم تأمين عيشهم وعيش أسرهم البسيطة في غالب الأحيان، يعيشون في وطنهم الثاني قطر في أمان وسلام.  يتعبون نهارا وعلى وجوههم ابتسامات الرضا، وفي المساء يتذكرون الأهل والأحباب في بلادهم.

سردار مسعود موظف خدمة طعام: خدمات.. مواصلات.. معاش.. «كل شي تمام»

في أحد مطاعم المنطقة الصناعية المصنف من مطاعم الدرجة العاشرة -بعد المائة- يعمل سردار مسعود موظف خدمة الطعام منذ 4 سنوات ونصف بأجر زهيد، يتراوح دخله الشهري ما بين 1000-1200 ريال، يستقطع منها 270 ريالاً ثمن إيجار الغرفة التي يسكنها بالمشاركة مع أربعة أفراد من زملائه.
رائحة السمبوسة المجهّزة للقلي منذ الليلة الماضية في زيت معاد استخدامه، والفطائر الدائرية السميكة الشبيهة بإشارة المرور ذات المكونات الهندية الغامضة، والتوابل الحارة، تنبعث من داخل مطعم «برج المدينة» إلى عتبات المحلات المجاورة، فتجذب القطط الأليفة، والحشرات الهائمة أكثر مما تجذب «الزبائن» من المارة.
يتحدث مسعود عن المهارات العديدة التي يتقنها، بينما يضع لمساته الخاصة على طبق الدجاج بالكاري والبرياني خضار، مرتدياً والحق يقال، قفازات نايلون، تماشياً كما يقول مع الإجراءات الوقائية البسيطة للحماية من فيروس كورونا، لكنها من نوع الأدوات المتعددة الاستخدامات؛ فهو لا يتورع أن يقبض بها ثمن الطلبات ويعد الريالات ويلف الساندويتشات ويرفع بها سماعة الهاتف، وقد يتمادى ويحك بها رأسه أو يسلم بها على زبائنه الدائمين.. وغيرها من السلوكيات الروتينية التي لا تُعد ولا تُحصى!
يقول سردار: إنه يعمل هنا منذ 4 سنوات ونصف، قدم من المملكة العربية السعودية إلى الدوحة، واجد زين قطر... كل شي زين.. مواصلات.. خدمات.. فلوس.. رعاية صحية.. لكن ما في شغل زين.. ويضيف: «في السابق كانت الزبائن لا تتوقف ليلاً أو نهاراً، أما الآن فقد قل عددهم وخصوصاً في الليل منذ أزمة فيروس كورونا».

حسن علي: أعمل «حمّالاً» لتوفير ثمن طعام أولادي

ترتسم على وجه حسن وانحناءة ظهره قصة الصبر من أجل «لقمة العيش»، بعد أن تجاوز «عتبة الستين» من العمر، قضى نصفه في حمل بضائع أصحاب المحلات والزبائن بأجر زهيد زهيد.
التحق حسن علي بالعربة ذات العجلة الواحدة منذ 15 عاماً، بعد أن ترك العمل مع إحدى الأسر العربية كطباخ حيث ضعف جسمه، ولم يقوَ على مواصلة العمل، فوجد ضالته في كسب قوت يومه في مهنة «الحمالة» التي يعتبرها عصب الحياة داخل السوق، وأكثر دخلاً من الأولى، حيث يتراوح دخله اليومي من العمل في السوق ما بين 100-130 ريالاً، وقد يتجاوز دخله في بعض الأيام 140 ريالاً، مع حصيلة مُرضية في نهاية كل شهر، يستقطع منها 300 ريال ثمن إيجار الغرفة التي يسكنها بالمشاركة مع 3 أفراد من زملائه، بينما يرسل باقي المبلغ إلى أبنائه لإعالتهم وتلبية حاجاتهم، لديه 3 بنات وأربعة أولاد بعضهم تزوج والحمد لله، و»على الرغم من كبر سني وتقدمي في العمر، أحب العمل؛ لأن البقاء في البيت يورث الحاجة، وليس هنالك من أحد يصرف عليّ، فاخترت العمل في السوق لأن الحركة بركة لكبار السن، لأنها تزيد النشاط والحيوية، وهي «رياضة» تساعد في تخطي أمراض الكهولة، وتقيني شر عدم القدرة على الحركة». 
أقل مشقة
ويقول حسن: إن لديه زبائن دائمين من رواد السوق، يتصلون به أحياناً عبر الهاتف ويحددون أماكن تواجدهم في أي المحلات التي يعرفها عن ظهر قلب، «فعملي منذ فترة زمنية طويلة في السوق، جعلني أتعرف على أسماء المحلات وأماكن تواجدها وحتى أسماء أصحابها».

رشاد عامل بمحل خياطة: العمل صارم.. والمعاش «زين»

خلال جولة «العرب» لعمل مقابلات مع عدد من العمال خلال ساعات عملهم اليومية، التقينا «رشاد»عامل مستجد يعمل في أحد محلات الخياطة منذ ثمانية أشهر، حيث بيّن أنه ما زال غير معتاد على البيئة القطرية نظراً للاختلافات الثقافية بين البلدين، بنغلاديش وقطر، وأشار إلى تحفظه في بادئ الأمر على عصبية بعض الزبائن، الذين لا يتورعون عن الصراخ في المحل مع التلويح بقطع الأقمشة.
يقول: «أسلوب العمل صارم ولا مجال فيه للخطأ.. شغل يعني شغل، وما إن يرتكب أحد العاملين غلطة صغيرة في تلبية طلب الزبون، صغيرة واجد، يمكن ان يتعرض لعقاب مادي».
ومن ناحية السكن والأجر فهو يشعر بالرضا نوعاً ما، لكنه يشعر أحياناً بعدم الرضا، عندما يتطلب العمل أحياناً، زيادة عدد ساعات الدوام، وذلك للوفاء بالالتزامات تجاه الزبائن، فيدخل رشاد في سباق مع الزمن لتلبية رغبات الزبائن في تفصيل الثياب الجديدة وتسليمها في مواعيدها.
يضيف: «نحن نعمل على فترتين يوميا، من الصباح إلى الليل، مع يوم واحد للراحة، ومعاش زين، أحسن من بلادي»، ويتابع رشاد: «أنا أواجه ضغطاً كبيراً في العمل حتى قبل موسم رمضان والعيد، أقوم بخياطة 10-20 ثوباً خلال اليوم الواحد، تختلف أسعارها حسب نوعية القماش، ولكننا لم نرفع الأسعار على زبائن المحل كما فعلت بعض المحلات، فالزبائن يتعاملون معنا لأنهم وجدوا الثقة والأمانة، لكن الخطأ ممنوع، التأخير ممنوع».

علي نزاد يعمل في «الحمالة»: النساء أكثر سخاء من الرجال

لم يجد علي نزاد عملاً آخر يناسب سنه أفضل من الحمالة كما يقول، والتي يعتبرها أقل مشقة وأعلى دخلاً من غيرها، ولا غنى عنها في سوق واقف، فعلى الحمالي تقع مسؤولية نقل البضائع من المحلات إلى المواقف والسيارات، وبث الحركة والنشاط في أروقة السوق منذ الصباح الباكر، حيث يبدأ العمل منذ الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً يليها استراحة، والفترة المسائية تبدأ من الساعة الرابعة حتى التاسعة مساء.
يقول علي نزاد: إن الحمالي العاملين في سوق واقف لا يترصدون الزبائن في مواقف السيارات أو عند مداخل السوق، ولا يطاردونهم للإلحاح عليهم، بل ينتظرونهم في أماكن معينة، أو يتنقلون في أروقة السوق ذهاباً وإياباً بحثاً عمن يحتاج إلى مساعدة، لحمل المشتريات مقابل مبلغ من المال، قد يزيد أو يقل من دون «تسعيرة»، بل حسب وزن البضاعة أو كرم الزبون، أو حسب المسافة أو ما يجود به صاحب المشتريات، وغالباً ما تكون النساء أجود من الرجال.

ماران عامل بناء: الغربة أكثر رأفة من الفقر

يعمل ماران عامل بناء، متحملاً مشقة هذه المهنة المليئة بالمتاعب لتوفير لقمة العيش لعائلته، إلا أنّه لا يبالي بالصعوبات، المهم توفير لقمة العيش والباقي مجرد تفاصيل.
كانت ابتسامته كفيلة بالتعبير عن رضاه، يقول: «أعمل في قطر منذ ما يقارب الـ 5 سنوات.. انتقلت فيها من عمل لآخر حتى استقررت في مجال البناء»، مؤكداً حبه لهذه المهنة وصاحب عمله الذي وفر له السكن والراتب الملائم له.
بالنسبة إليه، الغربة أكثر رأفة من الفقر والجوع، بالتالي لم يتوانَ عن الاستمرار في البحث عن عمل وطلب الرزق في قطر حتى لو كان العمل في الإنشاءات، في حال لم يعمل فإن الجوع قد يفتك به أو يقضي على أفراد من عائلاته. 
يقول ماران: إن المقاول الذى أعمل معه يحرص على توفير سبل السلامة المهنية لعمال الشركة، بما فيها خوذة الرأس، وعندما يجد الجو حاراً أو العمال مجهدين، يطلب منا الراحة على الفور، حيث يطالبنا بالعمل فقط فى الأوقات التي يكون فيها الجو لطيفاً ومناسباً للعمل في الأماكن المكشوفة، والحقيقة فإن ذلك كله يعود الفضل فيه للمفتشين، الذين يؤكدون على الشركة ضرورة الالتزام بالمعايير والقوانين، خاصة في فصل الصيف، حيث يمنعون على أصحاب المشاريع تشغيلنا تحت أشعة الشمس المباشرة وقت الظهيرة، وهو ما يجعل الشركات تلتزم نظراً لأن عقوبات المخالفة تكون كبيرة للغاية وتعطل المشروع بأكمله أو تلحق به خسائر هو في غنى عنها.
أما عن أبرز المشكلات التي تواجه عمله، فهي ساعات العمل الطويلة والجهد الكبير، مشيداً مع ذلك بتوفير نظام الحماية لهم والتأمين الصحي على مدار العام، وخصوصاً أن العمل في قطاع البناء هو الأخطر ليس في قطر فقط بل في العالم أيضاً.
غرامة مالية
وأشار ماران إلى أن الشركات دائمة التنبيه على المهندسين والمشرفين الميدانيين بعدم تشغيل العمال تحت الشمس فى حالة زيادة درجات الحرارة، وذلك لأن أي مخالفة تعني دفع غرامات مالية كبيرة، وقد تصل العقوبة إلى حد إغلاق الشركة لمدة شهر كامل فى حال تكرار المخالفة، وهو أمر لا تستطيع أن تتحمله أي شركة مقاولات.

_
_
  • العشاء

    7:56 م
...