لسان الصدق.. ضمير الأمة

alarab
الصفحات المتخصصة 24 أبريل 2014 , 12:00ص
مختار محمد مختار
قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ): إن لسان الصدق دوام الثناء الحسن في الناس، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث: إن الجنائز التي يثني الناس عليها بالخير يكون صاحبها على خير وإلى خير، والحقيقة أن هذا يكشف عن بعد اجتماعي مهم وهو الإحساس العام للمجتمع، أو ما يمكن وصفه بالعقل الجمعي. ولكن هل أحس المسلمون عبر عصورهم المختلفة بوجود هذا العقل الجمعي؟ الإجابة: نعم، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك موقف الإمام مالك من تعميم كتابه الموطأ على الناس في الأمصار كلها، حيث أجاب على الخليفة الذي عرض عليه هذا العرض بالقول: إن العلم لم ينحصر عنده، وإن كل قوم عملوا بمقتضى ما بلغهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فلا داعي لإلزامهم بعلم الإمام مالك واختياراته وحدها. هنا نرى الإمام مالكا لم يحل على العلماء بل أحال على المجتمع نفسه، مقرا بحقيقة مهمة أن المجتمعات تستقر على أحوال معينة وتحتاج أن تبقى على هذا الاستقرار وأن هذا الاستقرار مقبول ما دام مبنيا على أصل صحيح مرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية وفهم الصحابة. ومن هذا الوجه أيضا نلمح مسألة في غاية الأهمية هي أنه وفي أشد أوقات المحن الاعتقادية تاريخيا كان أهل السنة يقولون لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز، وذلك أن جنازة المبتدع كانت تخرج ويخرج وراءها عدد قليل، بينما جنازة العالم السني الواحد يخرج فيها مئات الآلاف وقد وقع هذا مرارا للإمام أحمد بن حنبل، والجنيد البغدادي، وعدد آخر. وحتى المذاهب الإسلامية فإن كثيرا منها اندثر لا لأنه ليس صائبا وليس حقيقيا بل لعوامل اجتماعية ترتبط بالعقل الجمعي المسلم وتراكم خبراته التاريخية، وعوامل عديدة أخرى، ولكن حتى اندثارها لم يحل دون الاقتداء بواضعيها في جوانب أخرى، فالطبري مثلا ورغم انقراض أتباعه إلا أن تفسيره بقي رغم عوامل الاندثار المختلفة، وكذلك أثر ابن حزم في مقارنة الأديان وتدوين الأحاديث بقي رغم اندثار مذهبه الظاهري، في مقابل أن المذاهب أو الاتجاهات المترخصة والمتساهلة لم تصمد طويلا، فلا نجد كتابا تلفيقيا يأخذ بالرخص في كل الأمور بقي أثره أو بقي حتى نصه. وعليه فإننا نرى أن التفاعل مع هذا العقل مهم في بعض الجوانب التشريعية الفقهية والاجتهادية لأن الناس هم موضوع الحكم ومن سيطبقه وهم الذين يستطيعون تطبيق التكليف من عدمه فكم من حكم فقهي راعى الفقيه فيه حال الجمهور في غير خروج عن الأصول المرعية فكان في ذلك مصلحة العباد وتطبيق الشرع، وفي المقابل فإن الأحكام الخارجة عن أصول الشرع والتي فيها تشدد أو تساهل نجد الجمهور لا يتقبلها كما أسلفنا. ونواصل في المقال القادم