

لم يُكتب بعد أن يخوض جولين لوبيتيجي منافسات كأس العالم رغم ما يملكه من خبرة واسعة في تدريب المنتخبات الوطنية في إسبانيا، الفرصة التي تأخرت كثيرًا في أن يظهر على المسرح في أكبر بطولة عالمية بعد أن كان قريبًا من روسيا 2018، وهو أمر يمكن تعويضه الآن.
واليوم، يعود لوبيتيجي ليقف على أعتاب المونديال من جديد، ولكن هذه المرة بألوان العنابي، حيث يسعى المدرب الإسباني إلى إثبات أن الأحلام المؤجلة يمكن أن تجد طريقها أخيرًا إلى النور في ملاعب كأس العالم.
لا يُمكن الحديث عن نهضة الكرة الإسبانية في العقد الأخير دون التوقف طويلًا عند اسم جولين لوبيتيجي، حيث كان هذا الأخير «المهندس» الذي أعاد صياغة الهوية التكتيكية لمنتخبات «لاروخا» بمختلف فئاتها، واضعًا بصمته على جيل كامل من النجوم.
وبدأ لوبيتيجي رحلته مع الاتحاد الإسباني لكرة القدم كخبير في اكتشاف وصقل المواهب. وفي الفترة ما بين 2010 و2014، تولى قيادة منتخبات الشباب (تحت 19، 20، و21 سنة)، وهناك بدأت تتشكل ملامح عبقريته التدريبية.
وخلال تلك الفترة، نجح لوبيتيجي في قيادة»لاروخا» تحت 19 سنة وتحت 21 سنة لمنصات التتويج الأوروبية، حيث فاز مع الفئة الأولى بلقب بطولة أوروبا تحت 19 سنة في 2012، بينما توج رفقة الفئة الثانية بلقب بطولة أوروبا تحت 21 سنة في 2013.
وعندما تولى لوبيتيجي قيادة المنتخب الإسباني الأول في 2016 خلفًا للأسطورة فيسينتي ديل بوسكي، كان التحدي كبيرًا، لكنه أثبت سريعًا أنه الرجل المناسب، حيث خاض مع «الماتادور» 20 مباراة متتالية دون تذوق طعم الخسارة (14 انتصارًا و6 تعادلات).
التحدي الصعب مع قطر
عقب إعلان الاتحاد القطري عن تعيين لوبيتيجي مدربًا للعنابي، صرح المدرب لـFIFA قائلًا: «جاء التوقيت المناسب في مسيرتي لتولي مسؤولية قيادة هذا المنتخب وقيادة المشروع الكروي في البلاد على الأقل خلال العامين المقبلين».
وهذا المشروع تحديدًا هو ما جعل الاتحاد القطري يضع ثقته في المدرب الباسكي، فالمنتخب القطري في مرحلته الحالية يحتاج إلى مدرب يمتلك عقلية «البناء» والقدرة على صقل المواهب ودمجها في منظومة تنافسية قوية قادرة على مجابهة كبار العالم في أمريكا الشمالية.
ولا يختلف اثنان على أن مهمة لوبيتيجي مع المنتخب القطري تأتي في توقيت يتطلب عملًا شاقًا وإعادة ثقة؛ فالفريق اضطر لخوض غمار المرحلة الرابعة من التصفيات الآسيوية بعد مشوار صعب، كما كانت المغادرة المبكرة من دور المجموعات في بطولة كأس العرب الأخيرة بمثابة جرس إنذار للمنظومة الكروية.
ورغم ذلك، يدرك لوبيتيجي أن كرة القدم لا تعترف بالثوابت، وأن طموح التألق في كأس العالم يمتلك سحرًا خاصًا يمكنه أن يغير المعطيات في لحظة، وهو ما عبّر عنه المدرب الإسباني بالقول: «إن مجرّد التفكير في خوض كأس العالم هو ما يدفعنا بقوة إلى الأمام».
طريق قطر نحو كأس العالم 2026
بدأ العنابي مشواره في المرحلة الثانية من التصفيات الآسيوية بقوة وثبات، حيث تصدر مجموعته برصيد 16 نقطة من 5 انتصارات وتعادل وحيد، مما أعطى انطباعًا بأن الطريق إلى أمريكا الشمالية سيكون مفروشًا بالورود. ولكن مع الانتقال إلى المرحلة الثالثة، اصطدم الطموح القطري بواقع تنافسي شرس في المجموعة الأولى التي ضمت منتخبات كبرى مثل جمهورية إيران الإسلامية وأوزبكستان والإمارات.
وخلال هذه المرحلة، عانى «العنابي» من تراجع غير متوقع في النتائج؛ حيث افتتح مشواره بخسارة قاسية على ملعبه أمام الإمارات 1-3، ثم تعادل مع جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية. ورغم الفوز على قرغيزستان وأوزبكستان، إلا أن الهزائم الثقيلة (مثل الخسارة من إيران 1-4 والإمارات 0-5) جعلت الفريق ينهي هذه المرحلة في المركز الرابع برصيد 13 نقطة، خلف إيران وأوزبكستان اللتين خطفتا بطاقتي التأهل المباشر.
وبقيادة لوبيتيجي، الذي تم تعيينه في مطلع شهر مايو من 2025، دخلت قطر المرحلة الرابعة وهي تدرك أن الخطأ ممنوع. وضعت القرعة «العنابي» في مجموعة تضم الإمارات وعمان، وكان على لوبيتيجي إيجاد التوازن المفقود في وقت قياسي. في المباراة الأولى، تعادل الفريق أمام عمان 0-0، لتبقى مباراة الحسم الكبرى أمام الإمارات في الدوحة بتاريخ 14 أكتوبر 2025.
وفي تلك الليلة، ظهرت شخصية «بطل آسيا» الحقيقية؛ حيث استطاع لوبيتيجي إدارة المباراة بذكاء تكتيكي عالٍ، لينجح الفريق في قلب الطاولة والفوز بنتيجة 2-1 بفضل رأسيتي بوعلام خوخي وبيدرو ميغيل، لتتأهل قطر إلى المونديال لأول مرة في تاريخها عن طريق التصفيات.