

الشاعر والمذيع الفلسطيني يعشق مدينة «دُخان» لأنها تذكّره بوطنه
إذاعة قطر واكبت نهضة البلاد الحضارية والعمرانية
أبارك لـ «العرب» عودتها إلى قرّائها وأهنئ عشاقها
عرفهُ أهل قطر بصوته الإذاعي المميز، ونبرته الهادئة الرزينة.. سنوات طويلة أمضاها الشاعر والإعلامي القدير عبد السلام جاد الله في إذاعة قطر، قادماً من فلسطين المحتلة إلى قطر التي أحبها وأحب أهلها، فأقام فيها منذ العام 1975، مواصلاً العمل في إذاعتها الرسمية والأولى حتى العام 2002، حيث انتقل إلى موقع إعلامي إقليمي ينطلق من الدوحة، مشاركاً في تأسيس إذاعة صوت الخليج، التي عمل فيها رئيساً لقسم البرامج، ومقدّماً حزمة من البرامج الثقافية والفنية المحبّبة لدى جمهور المستمعين فيها. فيما يلي "دردشة" خاطفة نسبيّاً مع جادالله، قياساً إلى مسيرته الحافلة، فإلى وقائعها:
إنها 45 عاماً، أمضيتَها في قطر، كيف تنظر إليها الآن؟
- بداية أشكر لكم اهتمامكم في "العرب" بحُلتيْها الأولى والجديدة، مواكباً للأولى ومباركاً بالجديدة، كما أن التشابه واضح بيني وبين صحيفة "العرب" في انطلاقتين، فكما انطلقتُ أولًا من إذاعة قطر، انطلقتُ تاليًا من إذاعة صوت الخليج التي ما زلتُ داخلها مثلما هي قطر في داخلي، ذاكرة وحلماً متجدّداً، ومحاولات دائمة في البحث عن الوجود الحقيقي في الحياة؛ لذلك أرى أعوامي في قطر نوعاً من الفُرجة على جهود البُناة من أبناء قطر، وهم يطوّرون ذواتهم لجعل المستحيل ممكناً، حتى أصبحتْ قطر بجهودهم مدرسةً للحُب وداراً لبناء الإنسان ومُلهمةً لأجيال ستظل صانعة للفرح، ويبدو أن قطر جعلتْ مني مشاركاً وليس فقط متفرجاً .
دخان وبحرها
واكبتْ إذاعةُ قطر نهضةَ البلاد، وأنت أحد المشاركين الشاهدين على هذه المسيرة الإعلامية المتصاعدة، ما تقييمك الشخصي لها؟
- كانت إذاعة قطر وما زالت، تمثل انعكاساً لرؤى القيادة القطرية في وجود إعلام يُحسن مواكبة المسيرة الحضارية والنهضة العمرانية في سباق قطر مع الزمن والظروف؛ لذلك تمازجت جهود أبنائها الإعلاميين مع جهود أشقائهم من الإذاعات العربية الأخرى، في سبيل ارسم هوية قطرية للإعلام الذي أصبح الآن منافساً قويّاً لمنصات الإعلام العالمية، وفاعلاً في التعريف بقطر الصاعدة دائماً إلى الأجمل والأرقى، ومن هنا كانت ذاكرتي ولا تزال حافلة بالمواقف الإنسانية والعملية التي أثرتها التجارب المتنوعة والزملاء الرائعون في الإعلام القطري، سواء كانوا مسؤولين قدّموا التشجيع والمساندة، أو كانوا رفاق درب جسّدوا الأخوة في أبهى حُللها.

• من تلك الأيام البعيدة هل تذكر موقفاً مررتَ به في قطر، وترك أثراً لا يُمحَى من ذاكرتك؟
- موقفٌ طريف حصل ذات شتاء، وأنا عائدٌ بسيارتي التي تئن "براغيها" من أوجاع مفاصلها، وبرفقتي صديق اسمه راضي، فجأة انهمر المطر شديداً، وفي الوقت نفسه تعطّلت مسّاحتا الزجاج، فلم أعد أرى الطريق من شدّة المطر، وأنا السائق، وما زلنا في منتصف الطريق، فتبادلنا عملية النزول من السيارة ومسح ماء المطر بأيدينا، مرَّة أنا ومرَّة هو، حتى وصلنا إلى الدوحة، طبعاً وصلنا مبتلّين تماماً، لكننا رغم البلل والتعب قمنا بعمل غريب لم أفهم دوافعه حتى الآن، توجَّهنا مباشرة إلى سينما الخليج، وحجزنا تذكرتين وشاهدنا أحد الأفلام.
• ما أحبُّ الأماكن إليك في قطر؟
- كنتُ ومنذ وصولي الدوحة أحبُّ مدينة دُخان جدّاً، رغم بُعدها ورائحة الغاز المصاحب فيها وحرارة الطقس، فإن بحرها صديق وبيوتها قليلة، والناس فيها يصافحون الريح إذا لم يجدوا عابراً، لكن حبّي لدخان كان لسبب آخر لا يعرفه غيري، ولم أبحْ به إلا لموّالي الحزين وأغنيتي الغافية، كانت دخان في جهة الغرب من قطر، وكذلك فلسطين، وكرْمُنا البعيد وبيتُنا المعتاد على الحنين، فكنتُ حين أتوجّه إلى دخان غرباً أحسُّ أنني بذلك أقترب من فلسطين، وطني الذي هاجر عاشقوه.
قطر تشبه أهلها
بين الدوحة قديماً وحاليّاً، ما الفرق من زاوية نظرك؟
- الدوحة بوابة للبساطة، سواء عند قدومي إليها عام خمسة وسبعين من القرن الماضي، أو الآن، وهي ترفل بمقومات البناء الحديث للمدن العصرية، قطر تشبه أهلها في بساطتهم وإنسانيتهم وصبرهم وعزيمتهم، تلك هي سمات الشخصية القطرية حسبما عايشتها، سواء في العمل أو في مفردات الحياة الأخرى، العمران والحداثة لم يؤثرا على الأصالة في قطر الإنسان والمكان، وهذا هو السرُّ برأيي الذي جعل من قطر قيادة وشعباً سلسلة انتصارات لا تتوقف على صعوبات التحديات الكثيرة .
لا أدري لماذا يتبادر إلى ذهني أن أقرب البرامج الإذاعية الكثيرة التي أعددتَها وقدَّمتَها خلال مسيرتك الطويلة هو "مزون الحكمة" على أثير إذاعة "صوت الخليج"، هل صح انطباعي؟
- كل برنامج أعدّه وأقدّمه سواء كان بثًّا مباشراً أم مسجّلاً، أسعى لتطوير محتواه؛ لذلك يتساوى لدي كل برنامج مع آخر، دون تسميات، من حيث السعي إلى الأفضل، لكن بعد السعي يبقى النجاح بيد المتلقي؛ لأنه المستهدف من أي محتوى أقدّمه، فلا إبداع دون متلقٍّ، فنجاح أي عمل إذاعي يقع نصفه على معدّه ومقدّمه، والنصف الآخر للنجاح على قبول المتلقي واستجابته للمحتوى المطروح.
القهوة والحكايات والخيل
شاركتَ في كثير من الأمسيات الشعرية، كما ربطتك علاقات صداقة مع الشعراء القطريين والمقيمين، كيف ترى دور الشعر في الحياة العامة بالبلاد؟
- "الشعر ديوان العرب"، فالعرب متميزون بلغتهم؛ لأنها الإطار الذي يجمعهم، فهي في صلاتهم وقرآنهم، والشعر بألوانه ملازم للشخصية العربية، مثل القهوة والحكايات والخيل، وكانت سعادتي غامرة حين أشارك الشعراء في الأمسيات أو أشاهدهم، وقتها يذوب شعور الاغتراب، ويسود إحساس بوشائج القربى بين الجميع الذين جمعهم الشعر بتراكيبه وصوره وسحره الذي يستحوذ على الوجدان، كنا نلتقي فنتبادل القصائد كي نحلّق مع عطر المعاني، ونسترجع إنسانيتنا من شراسة ضرورات الحياة.
ماذا تقول للقرّاء عبر "العرب"، أقدمِ الصحف القطرية، وهي تعاود الصدور بحلة جديدة؟
- عودة "العرب" تشبه عودة الماء للظمأ العربي الدائم للمعرفة واللغة والثقافة، أبارك لـ "العرب" عودتها إلى قرائها، كما أهنّئ القرّاء بعودة "العرب" إلى عشاقها.