الجمعة 19 ربيع الثاني / 04 ديسمبر 2020
 / 
04:55 م بتوقيت الدوحة

المهارة «تقهر» الشهادة في سوق العمل

يوسف بوزية

الخميس 22 أكتوبر 2020

«العرب» تستطلع آراء خبراء الموارد البشرية حول القضية

الوظائف التقنية تحديداً هي أكثر اعتماداً على المهارة

بعض الجهات الحكومية تتبع سياسة «ملء الفراغ» في التوظيف

بطاقة وصف الوظيفة أساس المفاضلة بين المرشحين

قانون الموارد البشرية يحقق مبدأ الرضا والعدالة في التوظيف

الوزارات تستقطب العناصر المناسبة وبالأعداد اللازمة لشغل الوظائف

 

مع زيادة التوجّه العالمي نحو التركيز على الخبرات والمهارات التخصصية بدل الشهادات الجامعية في سوق العمل -من دون التقليل من قيمة المؤهلات العلمية- تبرز العديد من التساؤلات بشأن هذا الموضوع الحيوي الذي يرسم مستقبل الباحثين عن وظيفة، وقد يصاب كثيرون بالإحباط إذا ما وجدوا أن تعب سنوات الدراسة المتخصصة يذهب هباء في لحظة، ويتم تفضيل من يملك المهارة دون الشهادة عليه. 
«العرب» سألت عدداً من الموظفين وخبراء الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص، عن التفاوت في الأهمية بين الشهادة والمهارة في سياسات التوظيف، حيث تباينت الآراء بين التحيز المسبق للتعليم الجامعي، وبين التأكيد على التوجّه بإعطاء المهارة والخبرة أولوية على الشهادة الجامعية في اختيار الموظفين في عدة قطاعات، بما فيها الهندسة الإلكترونية، والبرمجة، والمبيعات، والتسويق، والإدارة، والإعلام.


د. يوسف الكاظم: الشهادة لا تعني الكفاءة
أكد الدكتور يوسف الكاظم أهمية المؤهلات العلمية لشغل الوظائف، لكنها ليست أو لم تعد «المعيار الوحيد» لقياس الكفاءة، حيث تتيح الشهادة العلمية إتقان الأساسيات اللازمة للعديد من الوظائف، لكن من المهم أن يدرك أصحاب هذه الشهادات، أن شهادتهم ليست دليلًا على قدراتهم، وخاصة في العصر الذي أصبح فيه الابتكار والانفتاح مسعى الجميع، ومن سمات سوق العمل. 
أضاف د. الكاظم: أن سوق العمل يتضمن العديد ممن يمتلكون مهارات ليست لها علاقة بشهاداتهم، لكنهم ناجحون مع ذلك في أعمالهم إلى درجة التميز والإبداع في العديد من الوظائف، وتحديداً تلك التي تندرج تحت مجالات الهندسة الإلكترونية، والبرمجة، والإعلام، والفنون، والمبيعات، والتسويق، والإدارة، وغيرها من القطاعات. 
وأشار إلى أن اكتساب المهارات لضمان الوظيفة لا يعني الاستغناء عن التعليم الجامعي، وتحصيل الشهادات العلمية، وإنما يعني التركيز على أن يكون التعليم مسانداً لاكتساب المهارات التي يحتاجها العمل، وهو ما يعطي نتائج أفضل ويحقق مصلحة جميع الأطراف.

د. محمد النعيمي: المهارة في الوظائف التقنية
يرى الدكتور محمد النعيمي، محاضر واختصاصي تدريب معتمد في الإدارة، أن الشهادة العلمية مهمة جداً لكنها ليست أساسية في الحصول على وظيفة، مشيراً إلى أن الوظائف التقنية تحديداً هي أكثر اعتماداً على المهارة من الشهادة، ويختلف المقياس من قطاع لآخر، ومن وظيفة لأخرى حسب الوصف الوظيفي وشروط شغل الوظيفة المطلوبة نفسها.
وأكد أن الشهادة والمهارة أمران متكاملان، وإن اجتمعا في طالب وظيفة أو موظف مع صفة الإتقان، فذلك هو المبتغى، وهذا ما لمسته وعايشته في إدارة الموارد البشرية خلال مسيرتي العملية الطويلة، هنالك صفات يجب أن تتوفر في الموظفين لا تُدرّس في أي جامعة، مثل المهنية، والنزاهة، والثقة، والإخلاص في العمل، وترك المشاعر السلبية والانتهازية، والمنافسة الملتوية.
ونوّه النعيمي بعدم وجوب تعميم المفاضلة بين الشهادة والمهارة على جميع القطاعات والوظائف، حيث إن بعض الوظائف تحتاج شهادات علمية، كالتعليم، والطب، والهندسة بتخصصاتها المختلفة، لكن بعض الوظائف التقنية والفنية والحرفية والصحافة والإعلام والإعلان والتسويق يمكن اعتبارها وظائف مهارات أكثر منها وظائف شهادات.
واعتبر الدكتور النعيمي أن الوصف الوظيفي يسهم في جعل التعيين أكثر كفاءة وشفافية، من خلال بطاقة وصف الوظيفة، والتي تمثل أساساً في المفاضلة بين المرشحين للتعيين، فيتم إسناد الوظيفة إلى من تتوفر فيه الكفايات المطلوبة لشغلها، وهو ما يرفع من كفاءة التعيين، وتحقيق مبدأ الرضا والعدالة في سياسة التوظيف، وبالتالي استقطاب العناصر المناسبة، وبالأعداد اللازمة لشغل الوظائف.

علي المسند: التوجّه الغربي لا يمكن تعميمه
قال علي المسند، مستشار إداري، إن التوجه الغربي نحو التركيز على المهارة على حساب الشهادة الجامعية في سوق العمل، لا يمكن تعميمه في جميع بيئات العمل أو تطبيقه في جميع القطاعات لأسباب مهنية وموضوعية، بما فيها أن بلدان العالم الأول هي دول منتجة للتكنولوجيا الحديثة، تسعى إلى رقمنة الحياة والعمل، مع توفر لديها قدرة عالية في تنمية القدرات البشرية وتطويرها، بما يتماشى وسرعة إيقاعها ونموها في المجالات المختلفة، بينما الحاجة للكوادر البشرية من حملة الشهادات العلمية لا تزال ماسة في الدول المستهلكة للتكنولوجيا، وتحديداً في القطاعات الحكومية؛ لأن الدول مطالبة بتوفير فرص العمل لأصحاب هذه الشهادات في مختلف القطاعات، بينما الشركات الخاصة، القائمة على مبدأ الربح والخسارة، فقد تغيرت لديها سياسات التوظيف عن السابق بالتركيز على المهارة والخبرة أكثر من التركيز على الشهادة.
وأضاف المسند أن التركيز على المهارات بدل الشهادات الجامعية في اختيار الموظفين الحكوميين في الولايات المتحدة، ساهم في تشجيع القطاع الخاص والشركات أكثر على اتباع هذه المبادرات، وهذا هو سبب إقرار القانون في الولايات المتحدة، خلق بيئة تسمح بتطوير العمل، وفي الوقت ذاته عدم إهمال الجانب التعليمي.

عبدالله محمد: سياسة «ملء الفراغ»
«بعض الجهات المعنية بالتوظيف لا يعنيها كثيراً وضع الموظف في مكان تخصصه الدراسي، بقدر ما يعنيها ملء فراغ شاغر، بغض النظر عن شهادة من يملؤه»، بهذه العبارة بدأ عبدالله محمد، مهندس معماري، كلامه بشأن القضية، معتبراً أن هذه السياسة تؤدي إلى حدوث خلل وثغرات في مجال التنمية البشرية المنشودة في الدولة، والتي قطعت أشواطاً كبيرة في مسيرة التقدم والتنمية، لكن بعض السلوكيات تساهم في عرقلة مسيرة هذه التنمية البشرية المنشودة للأسف، من خلال توزيع العديد من أصحاب الشهادات على إدارات غير معنية! فتجد المهندس المعماري يشتغل في غير مجاله، وأنا أقرب مثال على ذلك! وأعرف زملاء كثر يشغلون وظائف حكومية لا تمت بصلة لتخصصهم الدراسي.
وطالب عبدالله الجهات المعنية بالتوظيف توزيع أصحاب الشهادات على الإدارات المعنية، كل حسب تخصصه؛ لأن العمل في غير التخصص عبارة عن هدر للطاقات والسنوات من عمر الإنسان.
وأضاف أن هناك معادلة مهمة في هذا السياق، فالعلم ليس فقط أن تحمل شهادة، ولكن أن تعمل بها، وأن تتطور معها بالتدرج الوظيفي، فهذا هو معيار الاستفادة من الشهادة، أما أن تقف عند الحصول عليها، أو تعمل في غير مجال التخصص هذا ما يقتل الإبداع ويعرقل التنمية.

إبراهيم الخاجة: إعادة صياغة متطلبات الوظائف
قال إبراهيم علي الخاجة، مدرب تنمية المهارات إن التطور التكنولوجي والانفتاح الذي يشهده سوق العمل أعاد صياغة متطلبات الوظائف ومؤهلات الموظفين، من حيث تركيز العديد من الشركات على جانب المهارات التي يمتلكها المتقدم للوظيفة على حساب الشهادات الجامعية عند اختيار الموظفين.
وأضاف الخاجة أن هذه المستجدات لا تنطبق فقط على الشركات الغربية، بل شملت العديد من الشركات في قطاعات مختلفة، بما فيها الإعلام، والدعاية، والنشر، والفنون، والحاسوب، والبرمجة. 
وتابع: أعرف أحد الإخوة من باكستان حظي بفرصة عمل في قناة فضائية دون أن يمتلك شهادة جامعية، لكن مهارته في مجال البرمجة كانت جواز مرور إلى سوق العمل، وكانت هي المسوِّغ الأساسي للحصول على وظيفة في تلك القناة.

طارق السليطي: إتقان العمل
يرى المواطن طارق السليطي أن ذوي الخبرة في بعض الوظائف لهم الأولوية في التوظيف من حملة الشهادة الجامعية، ممن لم يمارسوا العمل، ضمن اختصاصهم بعد التخرج، وبالتالي لا يملكون الخبرة، وقال مثالاً على ذلك أن أوظف حامل شهادة بكالوريوس في الهندسة يتمتع بالخبرة العملية الكافية أفضل من حامل الدكتوراه في نفس الاختصاص، ذلك أنه لا يتمتع بخبرة توازي خبرة الأول، وبالتالي هذا ينعكس على أداء المهام وإتقان العمل؛ لأن صاحب الخبرة لديه تجارب، وهو أفضل وأسرع ممن يحمل الشهادة ولا يتمتع بالخبرة. 
وأعطى السليطي مثالاً آخر يتمثل ببعض موظفي المطاعم من حملة شهادات السياحة والفنادق في المطاعم، تجدهم لا يتمتعون بخبرة الموظف من حملة شهادة الثانوية وغيرها، وأضاف السليطي أن الأفضلية للمهارة لا تلغي أهمية الشهادة إنما تؤكد على الخبرة، مضيفاً: لذلك نرى في إعلانات الوظائف التأكيد على الخبرات وتحديدها بالسنوات، فإن وجدت إعلاناً وظيفياً لن تجده لحاملي الشهادة فقط، بل يطلبون الخبرة ويحددونها بالفترة الزمنية مقياساً بسنوات العمل، وكذلك الفرد عندما يبحث عن وظيفة يكتب في سيرته الذاتية عن خبراته في المجال والأماكن التي عمل بها، ويرفق مع شهاداته العلمية شهادة الخبرات من الجهات.. إلخ، لذا فإن الخبرة والمهارة تعادل أهمية الشهادة وتتفوق عليها في بعض الأحيان.

السطور السابقة تحوي آراء متباينة بين التحيّز المسبق للتعليم الجامعي، وبين التأكيد على التوجّه بإعطاء المهارة والخبرة أولوية على الشهادة الجامعية في اختيار الموظفين في عدة قطاعات، بما فيها الهندسة الإلكترونية، والبرمجة، والمبيعات، والتسويق، والإدارة، والإعلام، ولكن يبقى من المهم إدراك أن هناك حاجة ملحّة إلى وضع تغيير النظرة السائدة بالسوق.

_
_
  • العشاء

    6:14 م
...