إبليسُ ليس من الملائكة لأنه تَمَرَّد على ربِّه ورفض السجود له

alarab
باب الريان 23 أغسطس 2011 , 12:00ص
سجود الملائكة لآدم {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} يؤكِّد القرآنُ أنَّ الملائكة لم يَتَخلَّف منهم أحد، {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ}، ثم أكَّد هذا كلمة: {كُلُّهُمْ}، وللتوكيد أيضًا: {أَجْمَعُونَ}، توكيد {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}، لم يتردَّدوا ولم يتلعثموا ولم يتكلَّموا، خرُّوا سُجَدًا بعد أمر الله عزَّ وجلَّ، اسْجُدوا فسجدوا كلُّهم أجمعون. {إلَّا إِبْلِيسَ أَبَى}، امتنع، {أَنْ يَكُونَ}، أي: يصير {مَعَ السَّاجِدِينَ}، في استجابتهم وفعلهم، هذا إبليسُ هو الذي تَمَرَّد على ربِّه، ورفض السجود له. هل كان إبليس من الملائكة؟ بعض العلماء قال هذا؛ لأنَّه أمر الملائكة بالسجود وهو معهم، فلا بدَّ أن يكون من الملائكة، ولكنَّ القرآن قال في سورة الكهف: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف:50]، كان من الجنِّ، فليس إذن من الملائكة، خصوصًا بعد أن ثبت في الصحيح أنَّ «الملائكة خلقوا من نور، وهو خلق من نار»، فلا يمكن أن يكون من الملائكة، ثم الملائكة مفطورون على الطاعة: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]، {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206]، إنه تمرَّد على الله فأبى واستكبر، ورفض وجادل، تحدَّى الله خالقه، أبى أن يكون مع الساجدين، امتنع ورفض. {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 32، 33]. سبب امتناع إبليس عن السجود لآدم {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} قال تعالى: يا إبليس، ما الذي يمنعك أن تكون مع هؤلاء الساجدين؟!! وفي سورة الأعراف: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف:12]، فإبليس كان عنده أمر، إما أمر خاصٌّ به، أو أمرٌ مع الملائكة؛ لأنه كان يعايش الملائكة، فأصبح كأنَّه واحدٌ منهم. الناس تقول: مَن عاشر القومَ أربعين يومًا صار منهم. وقيل: عاش معهم آلاف السنين؛ فكأنه أصبح واحدًا منهم. فما يصدرُ إليهم من أمر يكون هو أيضًا معهم، المهم أنه عرَف أنه مأمور، وهو قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]، هنا لم يقُل هذا، ولكن قال: {لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}. انظر كلمة: {لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ}، اللام هنا يُسَمُّونها لام الجُحود، التي تأتي بعد ما كان، أو لم أكن، أو لم يكن، كقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء:137]، أي: ما كان من شأنه، {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال:33]، نفي الشأن. أي: ما كان من شأني ولا يليق بي أن {أَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، إبليس يَتَرفَّع عن السُّجود لآدم، ويرى أنه أفضل من آدم، لأنه طينيّ، وهو ناريّ، والنار تأكل الطين، فكيف يسجد الأفضل للمفضول؟ وفي سورة أُخرى: {قال إنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12]، المهم أنه يعترف بأنَّ الله هو خالقه، وخالقُ آدم، ومع هذا يَتَحدَّى الألوهيَّة، يرفضُ أمرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، هذه هي المشكلة الإبليسيِّة: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} [الأعراف:12]. بعضُ العلماء قيل له: رأيتَ إبليس؟ قال: ما رأيتُ، ولكن إذا رأيتَ مَن يقول: أنا، فهو أخو إبليس أو ابن إبليس. (أنا) النظر إلى النفس بعين الاستعلاء والاستكبار، وإلى الغير بعين الازدراء والاحتقار، هذه هي الإبليسيَّة. مقارنة بين الطين والنار لقد زعم إبليس أنه خيرٌ من آدم، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12]، ومَن قال: إنَّ النَّار أفضلُ من الطين؟ ربما كان الطين أفضل من النار، الطينُ يُحيي والنار تُميت، الطينُ يُعمِّر والنار تُدمِّر، صحيح أن كلاًّ منهما له فائدته، ولا يخلق الله شيئًا إلا وله فائدة، عَلِمَها مَنْ علمها، وجَهِلها مَنْ جَهِلها. حسد إبليس وكبْره ولكن هذا هو جهل إبليس، وهذا هو الغرور الذي أدَّى بإبليس إلى الحسد والكِبْر، هما اللذان أَفْضَيَا بإبليس إلى هذا التمرُّد على الله، والعصيان لأمر الله، حَسَدَ آدم على ما فضَّله الله به، واستكبر كما قال الله تعالى: {اسْتَكْبَرَ} [ص:74]. وهاتان الخَصْلَتان -الحسد والكبر- من خصال السُّوء، وهو ما يُسمِّيه علماء السلوك: المعاصي الباطنة. وإن شرَّ المعاصي التي يقع فيها الخلق، هي المعاصي الباطنة، وأقلُّ منها المعاصي الظاهرة، فالمعاصي الظاهرة ليست أخطر المعاصي. خَطَرُ معاصي القلوب أخطر المعاصي: معاصي القلوب: من الحسد والكِبْر والغرور والرياء وحبِّ المال وحبّ الجاه والحقد والغضب والكراهية، وغيرها، هذه هي معاصي القلوب الخطيرة، ولذلك كانت معصية آدم من المعاصي الظاهرة، ومعصية إبليس من المعاصي الباطنة، معصية آدم كانت الأكل من الشجرة، وهو أمر حسِّي، دفعت إليه الشهوة والغريزة، وغرَّرت به نفسه: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه:115]. إنما معصية إبليس هذه، معصية متحدية، وقف إبليس يقول: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ...}، فكانت أوَّل معصيَّة وقعت في هذا العالم هي معصية إبليس، وبعد ذلك معصية آدم. أول معصية معصية إبليس لعنه الله: {قال إنا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12، وص:76]. خروج إبليس من الجنة وطرده من رحمة الله {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا}، فارقها وابتعد عنها، أي: من السماوات، أو من الجنَّة، ليس لك مكان في هذا المكان الذي فيه الملائكة المُطهَّرون، الذين {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، اخرج يا إبليس؛ لأنك تُلوِّث هذا المكان، ابتعد عن هذا المكان. {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}، مَرْجوم، مَطْرود من الرحمة والخير والكرامة، وملعون، وهذا مقام لا يقوم فيه الملاعين ولا المراجيم ولا المطاريد. {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، تلبسك اللعنة، وتركبك، اللعنة: هي السب والطرد. أنت مطرودٌ من رحمة الله إلى يوم الدين، لا بقاء لك في عالم المَلَكُوت، عالم السَّماوات، عالم الملائكة، عالم المُطَهَّرين، عالم المُقرَّبين، ليس لك مَوْضعٌ في هذا المكان، {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، إلى يوم الحساب والجزاء. مُجَازاة إبليس بعمله هل ظلم الله إبليس أم جازاه بعمله؟ لا، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]، إنما جَازَاه الله بعمله، هذا الذي وقف متحدِّياً للألوهيَّة، كان لا بدَّ أن يُطْرَدَ من رحمة الله عزَّ وجلَّ، وأن يعلن بهذه الحقيقة: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}. القرآن الكريم كتاب حوار ثم بدأ هذا الحوار بين إبليس والله عزَّ وجلَّ، ولهذا دائماً نقول: إنَّ القرآن الكريم كتاب حوار من الطراز الأول: حوار بين الرسل وأقوامهم: {قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [هود: 32]. انظر حوارَ سيِّدنا موسى مع فرعون، في سورة طه: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى...} [طه:47-76]، الآيات. وفي سورة الشعراء: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ...} [الشعراء:15-50] الآيات، حوار طويل. الأنبياء يُحاورون الله سبحانه: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ...} [هود:45، 47]. والله عزَّ وجلَّ يحاور الملائكة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]. وأخيراً نرى حوار الله لأشرِّ خلقه إبليس. فهذا يدلُّنا على أنَّ الحوار في هذا الدين ليس أمراً غريباً، بل هو فريضة في هذا الدين، وإنَّا مأمورون أن نحاور مخالفينا: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، الموعظة الحسنة مع الموافقين، والجدال بالتي هي أحسن مع المخالفين، فهذا ما يعلِّمنا إيَّاه هذا القرآن العظيم. طلب إبليس الإمهال إلى يوم البعث {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} فتح الله لإبليس باب الحوار، لم يغلق عليه الباب، طَلَب من الله أشياء فأجابه لها: {قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}، إلى وقت النفخة الأولى يوم موت الخلائق، أو إلى ما شاء الله في الوقت المحدَّد، إذا انتهي أجله. ابتلاء الإنسان بتزيين الشيطان وإغوائه {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} هذا دلالةٌ على أنَّ هذا الإنسان الذي خلقه الله بيديه، ونَفَخ فيه من رُوحه، وأسجد له ملائكته، وكرَّمه أفضل تكريم، وخلقه في أحسن تقويم، هذا الإنسان حياته قائمةٌ على الابتلاء، نحن ذكرنا أنَّ هذا الإنسان مخلوق، خلقه ربٌّ خالق عظيم، وليس كما يدَّعي المدَّعون، أنه أنشأته الطبيعة، أو مُصادفات عمياء، أو غير ذلك، لا، هو مخلوق خلقاّ مستقلاًّ، يعني لم يتطوَّر عن مخلوق غيره، كما قالوا: إنَّه تَطَوَّرَ من كذا إلى كذا، إلى قرد، إلى إنسان. لا، هو مخلوق: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]، {إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:28] فهو مخلوقٌ قَصْداً واستقلالاً. وهو أيضاً مخلوق على أساس الابتلاء: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ} [الإنسان:2]، ومن ابتلاء الله للإنسان: ابتلاؤه بالشيطان، بهذا العدوِّ الداهية الماكر المتربِّص للإنسان، لا يغفُل عنه أبدا، هذا الشيطان إبليس، حينما أخرجه الله من السموات، أو أخرجه من الجنَّة، أو أخرجه من مستقرِّ رحمته، وخاطبه بقوله: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}، لعنه الله، ولعنه الناس، لا يوجد أحد يُلْعن كما يُلْعن إبليس، فعليه لعنة الله إلى يوم الدين، هنا قال إبليس: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. {قَالَ رَبِّ} إبليس يعترف بربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ، ويعترف بأنَّ الله خالقه: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12، ص:76]، فهو معترفٌ بأنَّ الله هو خالقه، وخالق آدم، وخالق الكون، وأنه ربُّه، لذلك يقول: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}. الباء في قوله تعالى: {بِمَا أَغْوَيْتَنِي} للقسم أو السببيَّة: (الباء) هنا في {بِمَا أَغْوَيْتَنِي}، هل هي للقسم؟ يعنى: بحقِّ ما أغويتني. كما قال في سورة ص: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص:82]، هل الباء للقسم؟ أي: أقسم بإغوائك إيَّاي لأُزَيِّنَنَ لهم في الأرض. أو الباء للسببيَّة؟ أي: بسبب ما أغْويتني. الباء تأتي في اللغة العربية للسبب: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً} [المائدة:13]، فبسبب نقضهم. وهنا احتمالان قائمان، البعض يقول: إنَّ الفعل لا يجوز الإقسام به، إلا إذا جاء بالصفة. مثل {فَبِعِزَّتِكَ}، وهي صفةٌ من صفات الله، إنما بإغواء الله! ولذلك قالوا: لا، الباء للسببيَّة. أي بسبب ما أغويتني: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، ولأغوينَّهم أجمعين، والضمير لذريَّة آدم، كما قال: {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً} [الإسراء:]، وكما قال أيضاً في سورة الأعراف: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف:16]، سأقف على الصِّراط المستقيم، حتى لا يسلك هذا الصِّراط أحد. إبليس قاطع طريق فإبليس قاطع طريق، كما وصفة الله سبحانه: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 17]، من كلِّ جهة سأقطع عليهم السبيل، {مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} يشكِّكهم في الآخرة، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} سأرغِّبهم في الدنيا. {وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}، من قبل الحسنات والسيِّئات. وقيل: لم يذكر جهة فوق؛ لأنها جهة الرحمة المُنزَّلة من الله، ولا جهة تحت، التي هي السجود لله، كما جاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». ولكنه قال هنا: سأفعل كلَّ ما أستطيع من كلِّ جهة. فهو يبذل جهده، ويكيد كيده للإنسانيَّة، حتى يُضلَّهم عن سبيل الله. سُئل الإمام الحسن البصري: قيل له: هل ينام الشيطان؟ قال: لو نام لاسترحنا. ولكنه لا ينام، لا يستريح، يعمل ليل نهار، وصيف شتاء، وفي كلِّ وقت، مُخلصٌ لمهمَّته إزاء الإنسان، وإضلال الإنسان. التزيين والإغواء {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}، هذا عمل الشيطان، عمله مع الإنسان: التَّزيين والإغواء. يُزِّين للإنسان السُّوء، ويُجمِّله له، ويُحبِّبه فيه حتى يراه حَسَناً: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَناً} [فاطر:8]. يُزيِّن له القبائح والمعاصي والشّرك، حتى الكفر والنفاق والرياء، كلُّ المعاصي، معاصي الجوارح ومعاصي القلوب، يُزيِّنها لهم الشيطان، ويُحبِّبها إليهم، ويُحسِّنها لهم. وبعض الناس – للأسف - يَغُرُّهم تزيين الشيطان: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} [النمل:24]، وهم أهل سبأ الذين كانوا يعبدون الشمس، كما قال الهدهد: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل:24]. الشيطان يُزيِّن الأعمال تزييناً، يزِّين الدنيا: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا} [البقرة: 212]. يُزيِّن الباطل ويُبرزه في صُورة الحق، يزيِّن الشيطان الحضارة الحديثة، يُزَيِّن المنكر حتى يصبح معروفاً، ويُزيِّن المعصية حتى يُغْري الناس بها، ولا يشبعوا منها أبداً، لأنَّ المعاصي كلَّما ازددتَ منها شرباً ازددتَ لها عطشا، فهذا من عمل الشيطان، من تزيين الشيطان، زَيَّن لهم الشيطان أعمالهم. الفرق بين الإغواء والإضلال فالشيطان يُزيِّن للبشر في الأرض، ويُغْويهم كما قال: {لَأُغْوِيَّنهم}، بعض المفسِّرين يقول: أغويهم أي: أُضِلُّهم. ولكن في الحقيقة القرآن يقول: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم:2]، إذن الضلال شيءٌ، والإغواء شيء، فالضلال يتعلَّق بفساد الفكر والاعتقاد، والإغواء يتعلَّق بفساد العمل والسلوك، ولذلك الضلال يقابله الهدى، والغي أو الغَواية يقابلها الرُّشد: {قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256]، فالغيُّ أن يفسدَ خُلق الإنسان، أن يَسُوء خلقه، فكأنَّ التزيين يتعلَّق بالجانب الفكري، زَيَّن للناس أفكار السُّوء، ومفاهيم السُّوء، وبدع السُّوء، ونظريات السوء. فهؤلاء الناس الذين يُزيِّنون الباطل لغيرهم، فيُسمَّون الماركسيين، أو العلمانيين - مثلاً - باسم فئة النُّخَب المثقفة، أو صَفْوة المجتمع، هؤلاء من الذي صنع لهم ذلك، وزيَّن لهم هذه الأفكار، فحسبوا الباطل حقاً؟ فهذا التزيين يتعلَّق في الغالب بالجانب الفكري، والإغواء يتعلَّق بالجانب العملي، فأفسد عليهم أفكارهم، وأفسدَ عليهم أعمالَهم، هذا هو عمل الشيطان: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. انظر إلى طموح الشيطان وعُلوِّ همَّته في التَّزيين والإغواء، لم يقل: أُضل مليونا ولا مليونين ولا ثلاثة ملايين ولا عشرة ملايين. بل قال: {لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. يشتغل مع البشر جميعاً، أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم، شرقيِّهم وغربيِّهم، كبارهم وصغارهم، رجالهم ونسائهم، أغنيائهم وفقرائهم، حكَّامهم ومحكوميهم، {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، حتى كلمة في الأرض، يعنى كلَّ الأرض، في الأرض كلِّها، {ولَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}. المُسْتَثْنَون من تزيين الشيطان وإغوائه {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} يقول الإمام الرازي: إن إبليس لم يرضَ أن يكون كاذبا، فيدَّعى أنه يضلُّ الناس جميعا، فاستثنى {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، فإبليس نفسه لم يُرِد أن يكون كذَّابا، قال: {لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. وفي قراءة من القراءات السبعة: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ}، الذين أخلصوا دينهم لله، أو الذين أخلصهم الله لدينه وهداهُم واصْطفاهم، فهؤلاء لا أستطيع أن أغويهم. كلتا القراءتين لهما معناهما، وبينهما تكامل فكري. أثر الإخلاص في العمل المخلِصين الذين وُصفوا بالإخلاص، والإخلاص تصفية العمل من كلِّ شائبة، فلا يكون العمل إلا ابتغاء رضوان الله عزَّ وجلَّ، لم يعمل العمل لأيِّ غرضٍّ من الأغراض، كأن يُرضي الناس، بل يعمل العمل لا ليراه الناس ولا ليحمدوه، ولا للشُّهرة ولا للمال ولا للجاه ولا للمنصب، لا تدخل الدنيا بكلِّ أعراضها، بكلِّ زخارفها، بكلِّ ما يحرص الناس عليه فيها، لا يدخل شيء من هذا في نيَّته حينما عمل، وهذا هو الإخلاص. {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، الإخلاص - كما قال الجنيد - سرٌّ من الأسرار، لا يطَّلع عليه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوى فيميله. الإخلاص سرٌّ بين العبد وبين ربِّه، حتى قال بعض السلف: طُوبى لمَن صحَّت له خُطوة لا يريد بها إلا وَجْه الله عزَّ وجلَّ. وكلٌّ منا يسأل نفسه: هل أنا أُريد وَجْهَ الله؟ لا بدَّ أن نُفَتِّش في أنفسنا، ونقول: هذا العمل لوجه الله، أم فيه شوائب من شوائب الدنيا؟ هكذا يجب على الإنسان أن يرصد نفسه، ماذا في نفسه من الرغبة الحقيقية في رضا الله، والرغبات الأخرى التي تدخل عليه، وكثيرٌ من الناس لا يراقب نفسه وأعماله، ويظنُّ أنها لله، وهي ليست لله سبحانه. إخلاص الدين لله عزَّ وجلَّ {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، حينما قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:145- 146]، أخلصوا دينهم لله، فالإخلاص أن تُخلص دينك لله، أو يُخْلِصَك الله لدينه: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، أو {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلِصِينَ}. الطريق الموصل إلى الله {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} هذا ما قاله إبليس، فبماذا ردَّ الله تعالى عليه؟ {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}، هذا طريقٌ واضح، قال: {عَلَيَّ} بمعنى إليَّ، أي: إلى طريق مستقيم مُسدد لا خَلَل فيه ولا إخْلال، هذا الإخلاص، إخلاصُ الدين لله من العبد، أو إخلاص اللهِ العبدَ لدينه، هذا هو الطريق المستقيم الموصِّل إلى الله عزَّ وجلَّ، فليس هناك طريق موصِّل إلى الله أعظم من الإخلاص لله تبارك وتعالى. سُنَّة الله في حفظ عباده المُخْلْصين من الشيطان وهناك رأيٌ آخر في معنى الآية: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ}، هذا طريقُ متَّبع عندي، سُنَّة من سُنني، من هذه السنن: إني لا أُمَكِّن الشيطان من عبادي المُخْلِصين المُخْلَصين. {هَذَا صِرَاطٌ