تسخير الكون للإنسان في سورة إبراهيم
باب الريان
23 يوليو 2014 , 09:59ص
الدرس الرابع والعشرون
(وبعد):
فكل ما في الكون مسخر للإنسان:
انتهينا من تلاوة سور الرعد وإبراهيم والحجر، وهي السور التي تبدأ بـ {ألم}، أو {ألمر}، وكلها سور مكية، وإن كان هناك بعض العلماء قال: إن سورة الرعد سورة مدنية، ولكن هذا قول لا دليل عليه، كل {ألر} مكية، فلماذا هذه ليست مكية؟ لأنها {ألمر}؟ ثم إن سياقها وموضوعها وأسلوبها كله أسلوب السور المكية، ونسق السور المكية.
نقف في تلاوتنا لسورة إبراهيم عند قول الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ*وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ*وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 32-34].
يعدد الله سبحانه وتعالى نعمه على الإنسان، وأنه سخر للإنسان هذا الكون الكبير الواسع الهائل بسماواته وأرضه وبحاره وأنهاره وشموسه وأقماره، كلها مسخرة لهذا الإنسان، {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20]، الكون مسخر لخدمة الإنسان، فلمن سخر الإنسان؟ إذا كان الكون يخدم الإنسان فمن يخدم الإنسان؟ الإنسان يخدم الرحمن، ولذلك المشركون قلبوا الحقائق، جعلوا الكون المسخر للإنسان معبودا للإنسان، الإنسان الذي سخر له هذا الكون بكل ما فيه يعبد الشمس ويعبد القمر ويعبد البقر ويعبد الحجر ويعبد الكلب ويعبد الشيطان، قلبوا الحقائق.
مكانة الإنسان في الملأ الأعلى:
الإنسان عظيم عند الله، قرأنا فيما سبق قول الله في سورة الحجر: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26]، هذا هو الجانب الطيني، أو الجانب الأرضي، أو الجانب المادي في الإنسان، ولكن ميز الإنسان بشيء آخر، يشير إليه قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29]، هذا خطاب للملائكة، الملائكة لا تسجد للطين ولا للصلصال ولا للحمأ المسنون، إنما تسجد تكريماً لهذا الإنسان الذي كرمه الله بهذه النفخة الروحية التي جعلته مخلوقا مميزا مستحقا للخلافة في الأرض.
هيأ الله هذا المخلوق ليكون خليفة في الأرض، وهو منصب اشرأبت إليه أعناق الملائكة حينما قال الله لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، يعني: ألسنا نحن أولى بالخلافة منه؟ {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، أنتم ليست عندكم المؤهلات التي تجعلكم أهلا لهذا المنصب، لأنكم روح خالصة، لا تصلحوا لعمارة الأرض كما يفعل آدم وذريته، وليس عندكم العلم بهذه الكائنات التي يتعامل معها آدم، ولذلك حينما عقد امتحانا بينهم وبين آدم نجح آدم ورسبوا هم، {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ*قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 31-33].
الأصل في الأشياء الإباحة:
هذا الإنسان سخر الله له الكون كله، {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}، الثمرات التي أخرجها الله في هذا الكون من كل ما نأكله وما نتمتع به هو مخلوق لنا، الله تعالى يطعم ولا يطعم، والملائكة لا تطعم، هذا مخلوق لنا نحن الآدميين، ولذلك العلماء قالوا: الأصل
في الأشياء الإباحة، إلا ما جاء نص بتحريمه، لماذا كان الأصل في الأشياء الإباحة؟ لأن ربنا خلق هذه الأشياء لمنفعة الإنسان، وما كان الله عز وجل ليخلقها له ثم يحرمها عليه، فالأصل أنها مباحة إلا ما اقتضت الحكمة الإلهية أن يحرمه على الإنسان لمصلحته، فهو لا يحل إلا طيبا، ولا يحرم إلا خبيثا.
نزول الماء من السحاب:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً}، من السماء يعني من جهة السماء من السحاب.
ناقشني بعض المشايخ في الخليج قال: أنت تقول إن الماء ينزل من السحاب؟ قلت له: نعم، قال: لكن ربنا قال: إنه ينزل من السماء، قلت له: صحيح هو ينزل من السماء أي من جهة السماء، وحتى السحاب يسمى عند العرب سماء، لأن العرب عندهم كل ما علاك فهو سماء، ولذلك الله تعالى يقول في سورة الحج: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15]، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ}، أي: إلى السقف، من يأس من رحمة الله وظن أن الله لن ينصره فليخنق نفسه بحبل إلى السقف، ثم يقطع الحبل وينتحر ويذهب إلى الجحيم، وهذا لا يعني إجازة الانتحار، وإنما نوع من التهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40]، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ}، من جهة السماء، لما ناقشني بعض العلماء وجعل ينقل عن ابن القيم وابن تيمية، قلت: هؤلاء يقولون على حسب معارف زمنهم، إنما نحن الآن نقطع بأن المطر نازل من السحاب، وقلت له: ونحن الآن نرى هذا، فالأرض تكون غارقة بالأمطار وعندما نصعد بالطائرة نخترق السحاب ونطلع فوق السحاب فنجد الشمس ساطعة، ولا سحاب ولا أي شيء فوق السحاب، بينما الأرض مغمورة بالمطر، فهذا أمر أصبح بديهيا، والعرب قديما عرفوا ذلك، حتى قالوا عن السحب:
شربن بماء البحر ثم ترفعت
متى لجج خضر لهن نئيج
فالسحب تشرب ماء البحر وترتفع، والشاعر يمدح شخصا فيقول له:
أهدي لمجلسه الكريم وإنما
أهدي له ما حزت من نعمائه
كالبحر يمطره السحاب وماله
فضل عليه لأنه من مائه
لأن ماء السحاب من البحر، فالعرب عرفوه من قبل، والقرآن يقول عن الأرض: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا*أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا} [النازعات: 30-31]، يعني أصل الماء من الأرض، {أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا}، فالشاهد أن الله يمتن على عباده بأنه أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لهم كما قال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء: 30].
نعمة تسخير السفن والبواخر:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}، الفلك هي السفن والبواخر، سخرها لكم، انظروا، فكما قال: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ}، قال: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.
فهم شيخنا الغزالي لمعنى تسخير الفلك في البحار:
كان شيخنا الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- رجلا عنده حاسة لاقطة لمعاني القرآن وأجهزة الإرسال والاستقبال عنده حساسة، فكان في مدينة في الإمارات اسمها: (الفجيرة)، وهذه المدينة تطل على المحيط الهندي، فكان في الفندق ذات يوم فنظر من الفندق فوجد السفن في المحيط، هذه سفينة ترفع العلم البريطاني، وهذه ترفع العلم الأميركي، وهذه ترفع العلم الإسباني، وهذه ترفع العلم البريطاني، وهذه ترفع العلم الأسترالي، وهذه ترفع العلم الياباني، وليس فيها علم واحد لدولة إسلامية، فقال: أهذه هي الأمة التي خاطبها ربنا بقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}؟! أهذه السفن والبواخر سخرها الله للأوروبيين والأميركان والأستراليين واليابانيين والبريطانيين، ولم يسخرها للأمة الإسلامية؟!
أهذه هي الأمة التي نزل فيها قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [الشورى: 32]، {وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} [الرحمن: 24]، الأعلام يعني الجبال، وكأن هذا يشير إلى البواخر الضخمة الآن التي تكاد الواحدة منها تكون مدينة عائمة، ومنها الآن حاملات الطائرات، أين الأمة الإسلامية؟ {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ}.
في إندونيسيا هذه البلد التي
فيها آلاف الجزر يتنقل المسلمون فيها بين الجزر بعضها وبعض بالقوارب، ولما ذهب الجماعات المنصرة والسرايا التبشيرية الأوروبية والأميركية إلى هناك، عملت ستين مطارا لتتنقل بطائرات (الهيلكوبتر) بين الجزر بعضها وبعض، وكأن الأمة الإسلامية لم يعد الكون مسخرا لها، وإنما سخر لهؤلاء الغربيين وأمثالهم.
كأننا لم نع ما ذكر الله في القرآن، وأنه سخر لنا هذا الكون، وأول من يخاطب بالقرآن هم المسلمون، أهل الإيمان، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ}، وسخر لكم أيضا الثروة المائية، سواء كانت نهرية أو بحرية، سخرها الله