ثناء كبار العلماء على شيخ الإسلام

alarab
باب الريان 23 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: مصطفى أمين محمد علي
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي وفاة شيخ الإسلام في ليلة الاثنين لعشرين من ذي القعدة من سنة (728هـ) توفي شيخ الإسلام بقلعة دمشق التي كان محبوساً فيها، وأذن للناس بالدخول فيها، ثم غسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد زحام الناس، وصار يضرب المثل بكثرة من حضر جنازته، وأقل ما قيل في عددهم إنهم خمسون ألفا، حيث أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل منهم، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها، وهي شديدة الزحام، وهكذا طويت آخر صفحة من حياة شيخ الإسلام ابن تيمية أحد عباقرة الإسلام الذين أتوا ليجددوا للأمة دينها ويعيدوها لكتاب ربها وسنة نبيها، رحم الله ابن تيمية. مؤلفات شيخ الإسلام رحمه الله إن مصنفات شيخ الإسلام كثيرة يصعب حصرها، فقد ذكر الشوكاني رحمه الله أن مصنفات شيخ الإسلام بلغت نحو أربعة آلاف كراسة، وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي (ت-795هـ) رحمه الله: (وأما تصانيفه رحمه الله فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت سير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة فلا يمكن لأحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها). ومن أبرز تصانيف شيخ الإسلام ابن تيمية طيب الله ثراه: 1 - الاستقامة: تحقيق د.محمد رشاد سالم. طبع في جزأين. 2 - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: تحقيق د.ناصر العقل طبع في جزأين. 3 - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: طبع بتحقيق د.علي بن حسن بن ناصر، ود.عبدالعزيز العسكر، ود.حمدان الحمدان، وكان في الأصل ثلاث رسائل دكتوراه. 4 - درء تعارض العقل والنقل: طبع بتحقيق د.محمد رشاد سالم في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خصص للفهارس. 5 - الصفدية: تحقيق د.محمد رشاد سالم، طبع في جزأين. 6 - منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: تحقيق د.محمد رشاد سالم، وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس. 7 - النبوات: مطبوع. 8 - الفتاوى الكبرى وغير ذلك من الكتب التي لا يتسع المقام لذكرها. شذرات من ثناء العلماء عليه لقد أثنى على شيخ الإسلام ابن تيمية جماعة من أكابر علماء عصره فمن بعدهم، ووصفوه بالتفرد، وأطلقوا في نعته عبارات ضخمة هو حقيق بها، وفيما يأتي شذرات من أقوالهم: قال العلامة الإمام الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط). وقال: (... ونظر في الرجال والعلل، وصار من أئمة النقد، ومن علماء الأثر مع التدين والنبالة، والذكر والصيانة، ثم أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف، ثم يستدل ويرجح ويجتهد، وحق له ذلك، فإن شروط الاجتهاد كانت قد اجتمعت فيه، فإنني ما رأيت أحداً أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً لمتون الأحاديث، وعزوها إلى الصحيح أو المسند أو إلى السنن منه، كأن الكتاب والسنن نصب عينيه وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة، وعين مفتوحة، وإفحام للمخالف..). وقال: (... هذا كله مع ما كان عليه من الكرم الذي لم أشاهد مثله قط، والشجاعة المفرطة التي يضرب بها المثل، والفراغ عن ملاذ النفس من اللباس الجميل، والمأكل الطيب، والراحة الدنيوية). وقال فيه: (... كان قوالاً بالحق، نهاءً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ذا سطوة وإقدام، وعدم مداراة الأغيار، ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير في وصفه...). ومما قاله في رثائه يا موت خذ من أردت أو فدع***محوت رسم العلوم والورع أخذت شيخ الإسلام وانقـصمت***عرى التقى واشتفى أولو البدع غيبت بحـراً مفـسراً جبلاً***حبراً تقياً مجانب الشيع أسكـنه الله في الجـنان ولا***زال عليا في أجمل الخلع مضـى ابن تيمية وموعده***مع خصمه يوم نفخة الفزع وقال عنه: (... لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخار، بصير بالكتاب والسنة، عديم النظير في ذلك، ولا هو بمتلاعب بالدين، فلو كان كذلك لكان أسرع شيء إلى مداهنة خصومه وموافقتهم ومنافقتهم، ولا هو ينفرد بمسائل بالتشهي... فهذا الرجل لا أرجو على ما قلته فيه دنياً ولا مالاً ولا جاهاً بوجه أصلاً، مع خبرتي التامة به، ولكن لا يسعني في ديني ولا في عقلي أن أكتم محاسنه، وأدفن فضائله، وأبرز ذنوباً له مغفورة في سعة كرم الله تعالى...). وقال عنه الشوكاني رحمه الله (إمام الأئمة المجتهد المطلق). وقال العلامة كمال الدين ابن الزملكاني عن شيخ الإسلام: (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين). وقال أيضاً فيه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها). وكتب فيه قوله ماذا يقول الواصفون له***وصفاته جلت عن الحصر هو حجة الله قاهرة***هو بيننا أعجوبة الدهر هو آية للخلق ظاهرة***أنوارها أربت على الفجر وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد). وقال أبوالبقاء السبكي: (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به)، وحين عاتب الإمام الذهبي (ت-748هـ) الإمام السبكي كتب معتذراً مبيناً رأيه في شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان بل من أزمان). ولست إخالني قد أسهبت أو أطلت في ترجمة الشيخ، فوالله ما وفيته بعض حقه مما نعته العلماء الأقدمون والمعاصرون، ولقد أعجبتني مقولة د.محمد أبوزهرة، رحمه الله وهو يتحدث عن ابن تيمية عليه من الله سحائب الرحمة والرضوان، حيث قال: «ولو أحصيت أو حاولت أن تحصى أقوال الذين قدروه حق قدره، واعترفوا بمنزلته، لضاق مجلد ضخم عن أن يسعها، ويحيط بها علما». رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، فكم عانى وقاسى مثلما قاسى كبار الأئمة، كالإمام أحمد ابن حنبل، وغيره، رحم الله الجميع.