باب الريان
23 يوليو 2013 , 12:00ص
عبدالسلام البسيوني
قد يدخل التشقيق والتفصيل في الدعاء، والذي يفعله كثير من الأئمة في هذه الأيام، في الاعتداء في الدعاء وتكلف السجع فيه: ففي سنن أبي داود أن ابنا لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يدعو، فسمعه سعد وهو يقول: (اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها.. وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها.
فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم، وأنك إن دخلت الجنة نلت ما فيها من الخير، وإن أُعذت من النار نجوت مما فيها من الشر. حسنه الحافظ ابن حجر والألباني، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً. ومن بدع القراء في المساجد مواظبة بعض الأئمة على دعاء معين في كل قنوت: ومن ذلك تجد أن كثيرا منهم يُلحق دعاء (اللهم اهدنا فيمن هديت..) بدعاء (اللهم اقسم لنا من خشيتك..) لا يكاد يترك ذلك ليلة واحدة، ولا يختم دعاءه إلا بقوله: (اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك..) حتى ظن كثيرٌ من العامة -بل من الأخيار- أن هذا من السنة، وهذا البدء والختم بهذه الطريقة، والمواظبة عليها أول من ابتدأه أحد أئمة المسجد الحرام الفضلاء رحمه الله، فتتابع الناس عليه، فالدعاء الأول سبق الكلام عليه، والثاني لم يصح مطلقا أنه من أدعية القنوت، والثالث ثبت من حديث عائشة عند مسلم أنه كان يقوله في سجوده، فقالت: (فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان) -عند النسائي وأبي داود والترمذي: (وهو ساجد- وهو يقول اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) وورد عند أحمد وغيره من أصحاب السنن أنه كان يقوله في آخر وتره. ومعلوم أن القنوت في أول الوتر وليس في آخره، وعند النسائي وغيره: إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه، لذلك قال بعض العلماء في آخر وتره أي بعد السلام منه واستبعد ابن تيمية: إنه كان يقوله في الوتر فقال في الفتاوى (17/91): (وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك في وتره لكن هذا فيه نظر).
فإذا كانت المواظبة على القنوت كل ليلة فيها إيهامٌ للعامة أنها السنة المستقرة، مع أن تركه أحيانا أفضل، فكيف بالمواظبة على دعاء معين في أوله وآخره؟! تخصيص بعضهم ليلة السابع أو التاسع والعشرين بدعاء مخصوص ربما سماه البعض دعاء ختم القرآن. وهذا مما أحدثه الناس، وليس عليه -في داخل الصلاة سواء في القنوت أو غيره- دليل صحيح؛ لا من فعله صلى الله عليه وسلم، ولا من فعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ولعل ذهاب بعض كبار العلماء إلى جوازه -دون دليل صحيح- فيه اختبار وامتحان لمقتفي الأثر ومتبعي السنة، أيتبعون صاحبها أم يقلدون علماءهم؟ أما العوام فحدث ولا حرج عن حرصهم على هذا الدعاء؛ فهو يفوق حرصهم على فريضة العشاء نفسها والله المستعان.
وختاما أدعو الأئمة الذين وفقهم الله فهيأ لهم إمامة صلاة التراويح، أن يقتفوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، حتى نرى المساجد وقد اكتظت بالمصلين، والإمام يدعو لهم بدعاء مأثور، لا يطيل فيه ولا يعتدي؛ يدعوه بقراءته المعتادة، دون تلحين، ولا تطريب، ولا تجويد كتجويد القرآن، وإن تأثر فبكى وذرفت عيناه كتم بكاءه، أو أخفاه فغلبه حتى خرج منه كأزيز المرجل، بلا نحيب، ولا شهيق، لا يكاد يشعر به إلا القريبون منه، كما أدعوهم ألا يغفلوا عن الدعاء على الكفرة من أهل الكتاب، وأن ينصر الله المسلمين عليهم، خاصة في النصف الأخير من رمضان، كما ثبت عن الصحابة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين.