المراني: الدنيا قصيرة جداً ولا تساوي شيئاً قياساً بالآخرة

alarab
باب الريان 23 يوليو 2013 , 12:00ص
الدوحة - ياسين بن لمنور
واصل فضيلة الشيخ المقرئ محمد عبدالكريم إمامة المصلين في صلاة التراويح بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، وتولى الإمامة في الركعات الأربع الثانية وصلاتي الشفع والوتر كما تلا الدعاء الذي أمّن فيه بنجاة أشقائنا في سوريا ونصرتهم وهلاك «طاغية الشام». وأم المصلين في الركعات الأربع الأولى المقرئ القطري الشاب تركي عبيد المري، بينما أمهم في صلاة العشاء المقرئ القطري الشاب محمد يحيى طاهر. خاطرة التراويح وعطّر فضيلة الشيخ الدكتور عبدالله المراني أستاذ الشريعة وأصول الدين بجامعة نجران بالمملكة العربية السعودية أرجاء جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بدرس عن الروح والفرق بينها وبين الحياة الدنيا، وأراد أن يبيّن للمصلين أن الحياة الآخرة هي الأبقى بينما الحياة الدنيا طريقها قصير وسريع. وقال الدكتور المراني إن الروح سر عظيم من الأسرار التي احتفظ الله سبحانه وتعالى بعلمها، وقد أجاب الله تعالى نبيه بقوله: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً»، مؤكداً أن الروح لا تفنى مطلقا، فهي أبدية، تخلق مع اكتمال خلق الإنسان في بطن أمه 42 يوما وحينها تنفخ فيه الروح، وتستمر هذه الروح باقية إلى يوم القيامة، حيث تعود إلى الجسد الذي سينبته الله عز وجل بقدرته من عجب الذنب الذي يبقى من جسد الإنسان ولا يهلك مطلقا، وإلى أن يشاء الله تعالى. وقال إن الإسلام لا يعرف شيئا اسمه تناسخ الأرواح، فكل روح نفخت في آدمي فهي روح مستقلة بذاتها تخصه هو دون سواه، ولا تنتقل بعد وفاته إلى شخص آخر كما ادعت بعض الفلسفات، ومعنى ذلك أنه عندما تنتهي الحياة الدنيا فإن الروح تظل حاضرة في مرحلة البرزخ، وإما أن تنعم أو تعذب، ثم تأتي مرحلة الوقوف بين يدي الله تعالى والروح حاضرة، وبعد ذلك الصراط والميزان والحساب إلى أن يدخل الإنسان الجنة أو النار، وروحه حاضرة لا تفنى بل ستعيش مليارات السنين دون أن تنقطع. وأوضح أن قوله تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فان وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ» يشير إلى أن الذي يفنى هو الجسد، أما الروح فلا تفنى لأن الله تعالى قال عن خلق الإنسان: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَّا تَشْكُرُونَ». وقال عبدالله المراني إن أقل واحد في الجنة سيكون له فيها بقدر الدنيا عشر مرات، فكيف بمن هو متوسط أو سابق بالخيرات أو الذين فوقه وفوقه، وأن الذين يدخلون الجنة لا يصابون بهم ولا غم ولا مرض، مصداقا لقوله تعالى:» وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ». وحذر الدكتور المراني من التعدي على الأرواح بقتل الأنفس وإزهاق الأرواح وسفك الدماء في الدنيا، مؤكداً أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا، فأين الذين يقتلون الناس في أرض الشام وغيرها من البلاد، فاكتمال العدل الإلهي أن من قتل يقتل ليس في الدنيا فقط بل في الآخرة أيضا، إذ يكون جزاؤه القتل بعدد ما قتل من أنفس، فحتى لو قتل الطاغية الذي يقتل الناس فإنه لا يكون قد وفيًّ جزاءه، وإنما جزاؤه يكتمل عند الله تعالى، مشيراً إلى أن الشيوعي ستالين قتل أكثر من 15 مليون شخص، ولم تسلم منه زوجته أو ولده ولا أقرب المقربين إليه، وتوفي على سريره، فإن عقابه سيكون في الآخرة، ومن قتل يقتل، من قتل واحدا سيقتل مرة وإن زاد عدد القتلى زاد القتل عليه في الآخرة، ولذا فلا بد أن يجهز الإنسان لنفسه، ويعد لها مكانها في الآخرة. وقال إنه يجب على كل مسلم أن يختار سبيلا لروحه وأن يختار لها موطنها ومستقرها في الآخرة، خاصة أن الدنيا قصيرة جدا، ولا تساوي شيئا قياسا بالآخرة، لكن كل شيء يبنى عليها، فسبعون أو ثمانون أو حتى مائة عام، يعيشها الإنسان يُبنى كل شيء في الآخرة على هذه الفترة التي قضاها الإنسان في الحياة الدنيا طالت أم قصرت. وأشار إلى أن الحديث عن الروح ذو شجون وتشعبات ولم ينهنا الله عز وجل عن البحث في الروح، ومحاولة معرفة أسرارها، وإنما نهانا عن ادعاء العلم الذي لا نعرفه، مشيراً إلى أن الثابت لدى أهل السنة والجماعة أن الروح تعود للجسد بمجرد أن يغلق عليه قبره، وإذا كان العبد صالحا تنعم روحه في الروضات إلى يوم القيامة وإن كان غير ذلك تسجن في سجين، وربما تستمر فترة البرزخ ملايين السنين، فلا أحد يدري إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. وقال إننا يجب علينا أن نحسن العمل في فترة حياتنا الدنيا، وأن نستشعر أن أرواحنا لا تفني، وأن نختار لها طريقها ومستقرها الطيب، لافتا إلى أن القرآن رسم لنا طريق الجنة حيث هي موطننا الأصلي الذي أنزلنا منه، وهذه الدنيا لا نفرط فيها وإنما نسعى لها بقدر ما توصلنا إلى هدفنا الأسمى وهو الجنة، وقد قال تعالى في حق قارون: «وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ» أي اجعل هدفك الأسمى هو الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وقد قال تعالى عن الدنيا: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» فالدنيا نمشي فيها مشيا لطلب الرزق والعيش، أما الآخرة فقد أمرنا الله تعالى بالمسارعة إليها في قوله: «وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ»، وقال سبحانه وتعالى أيضا: «سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»، وقال أيضا: «خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ» فالتنافس الحقيقي يكون في أمر الآخرة، فانظروا كيف نتنافس على الدنيا ونركض فيها وإن كانت لا تحتاج إلا إلى المشي فقط. وقال إن أكثر الناس يجعلون الهدف الأسمى لهم الدنيا، لكن الناس أصناف، فمنهم من يقدم الدنيا ومنهم من يقدم الآخرة، وهذه طبيعة البشر، مشيراً إلى أن الإنسان مهما بلغ في العمر، فإنه لا يشعر بمرور الزمن عليه.