الجن.. مخلوقات عاقلة خُلقت من نار وفيها تعذب
باب الريان
23 يوليو 2012 , 12:00ص
إعداد: أبوالفتوح صبري
إن وجود الجن حقيقة لا شك فيها، فهم مخلوقات عاقلة لهم إرادة واختيار ومكلفون، يعني سيحاسبون يوم القيامة، وأخبر الأنبياء جميعا بأن الجن مخلوقون، وذكر القرآن الكريم والسنة النبوية الكثير من أخبار الجن.
ونسأل: مما خلق الجن؟ نقول لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة خلقوا من نور، وأن الجن خلقوا من مارج من نار، والجن والملائكة مختلفان في مادتي خلقهما، وفي هذا رد على الذين لا يفرقون بين الجن والملائكة، كما أن الله (سبحانه وتعالى) قد الملائكة أولا، ثم خلق الجن، ثم خلق الإنس، ودليل خلق الملائكة قبل خلق الجن أن الله تعالى لما خلق آدم خاطب الملائكة ولم يخاطب الجن، كما قال الله (عز وجل) في سورة البقرة «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ». كما أن الله (سبحانه وتعالى) أمر الملائكة بالصلاة على النبي قال عز وجل: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ” ولم يأمر الجن بالصلاة على النبي، لأنهم لم يكونوا قد خلقوا بعد، وإنما أمرهم بعد ذلك بالصلاة والسلام على النبي في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” أي يا أيها الذين آمنوا من الجن والإنس صلوا على النبي وسلموا تسليما.
قال الله تعالى في سورة الرحمن: «خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ»، فالخلق الأول آدم كان من صلصال، ومن بعده ذريته خلقها الله تعالى من صلبه من تراب الأرض، ومن الشفرة الوراثية التي خلقها في خلايا جسد آدم، (من مارج من نار) أي من نار مختلطة بعضها بعضا.. وقال ابن عباس من مارج من نار أي من نار صافية، فإذا قيل: كيف يصح أن يكون من مارج من نار، أي من نار مختلطة مع أنه من نار صافية؟ نقول: النار إذا قويت التهبت، ودخل بعضها في بعض، وامتزجت امتزاجا شديدا، ولا يمكن التميز فيها بين الأجزاء المختلطة فتكون نارا خالصة، وإذا كان خلق جسم آدم من تراب يمكن إثباته علميا، فإن خلق الجن من مارج من نار لا يمكن إثباته علميا، لأنه أمر غيبي.
ونسأل: كيف يعذب الله تعالى إبليس وأعوانه من الجن في نار جهنم.. والنار أصل خلقهم؟ والجواب: إن النار درجات، ونار جهنم تحرق أي نار، كما نرى في حمم البراكين مثلا تخرج السهارة منها وحرارتها نحو ألفي درجة مئوية، فإذا ألقينا فيها فحما مشتعلا حرارته ألف درجة مئوية مثلا، نجد أن الفحم قد أشعلته السهارة وأحرقته على الفور، وصار رمادا مشتعلا، وكذلك ُيحرق إبليس وأعوانه في النار.
ومن خلال القرآن الكريم، الجن خلق يختلف عن خلق الملائكة.. ولقد كان الجن يعبدون الله تعالى مع الملائكة في السماء، إلا أن إبليس عصا ربه عندما أمره بالسجود لآدم استكبار وحسدا، فطرده الله تعالى من رحمته وهو ما يفهم من قول الله تعالى في سورة الكهف: «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا».
فدل هذا على أن الجن كانوا مخلوقين وموجودين قبل خلق آدم، قوله تعالى إلا إبليس، أي إن إبليس استكبر ولم يكن من الساجدين، وقوله تعالى: (كان من الجن) تعليلا على استثناء إبليس من الساجدين، وكأنه قيل: ما له لم يسجد لآدم إذ أمره ربه، فقيل كان أصله من الجن، لأن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فإبليس لم يكن من الملائكة، وإن كان يعبد الله معهم.
والجن الذين كانوا يسترقون السمع يقذفون بشهب من نار فكيف تحرقهم النار وقد خلقوا منها، كيف ذلك؟! قال الله تعالى: “وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ” أي: خلق الله تعالى الجن من نار صافية لا دخان فيها، ومع ذلك يعذب الله الكافر من الجن في النار..
إنهم خلقوا من مارج من نار وهذا هو أصل خلقهم، أما خلقهم فيختلف، نفهم ذلك من خلق الإنسان، إنه خلق من سلالة من طين، أو خلق من تراب، ولكن الله تعالى سوّاه بعد ذلك بشرا من لحم ودم وعظام، فأصل الخلق شيء، والخلق بعد تمامه يكون شيئا آخر، والأمر نفسه في الصناعة؛ فالآلات والأسلحة والإنشاءات التي هي من الحديد نشأت من صخور الأرض التي تحتوي على مركبات الحديد، فمصانع الحديد تصهر صخور الحديد وتستخلص منها فلز الحديد، ومنه تصنع الآلات العديدة، إذن فأصل الحديد من صخور، أما صناعة الآلات الحديدية فتختلف عن أصل الحديد اختلافا كبيرا.
ثانيا: حرارة النار في درجات كثيرة، فالنار على سطح الشمس حرارتها ستة آلاف درجة مئوية، والنار في لب الشمس ثلاثون مليونا من الدرجات المئوية، وحمم البراكين حرارتها أكثر من ألفي درجة مئوية، وإذا ألقينا فيها خشبا مشتعلا فإنه يحترق في تلك الحمم في لحظات، فالنار التي هي في درجة أقل تحترق في نار أشد منها حرارة، ونار جهنم أشد حرارة من أي نار، فأي نار إذا أُلقيت في نار جهنم فإنها تحترق على الفور، وكذلك الجن فإنهم يحترقون في نار جهنم. قال الله تعالى في سورة الذاريات: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” هذه الآية الكريمة تجيب عن السؤالين، لماذا خلق الله تعالى خلقه في هذا الوجود؟ وما عمل المخلوق؟ وما خلق الله العقل وبثه في الجن والإنس إلا ليعرفوا خالقهم ويعبدوه، وماذا عن الذي لا يعبد الله حق عبادته؟ إنه يكون قد فشل في تحقيق الغاية من وجوده، والسبب في خلقه، وبذلك صار مخلوقا لا قيمة له ولا وزن، تعيسًا في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب.