باب الريان
23 يوليو 2012 , 12:00ص
محمد عبدالعزيز
ينبغي على المسلم ألا يستهين بالألفاظ الكفرية والكلمات الشركية، فيقول قائل هذه كلمة أو عبارة لم يقصد بها شركاً ولا كفراً.
نقول: إن أردت أن تعقب أو تسأل فاسأل أبا القاسم صلوات ربي وسلامه عليه، والذي كان ينفي الشرك عن المجتمع سواء كان لفظاً أو معنى، كيف لا وهو معلم التوحيد والإخلاص الذي نهى الرجل بمجرد أن قال له: «ما شاء الله وشئت» نهاه عن هذا القول، وقال له: «قل ما شاء الله فقط».
والإسلام قد نهى عن أن يجعل الرجل زوجته -دعك عن عشيقته- نِدّاً لله، فتضيع عليه الأعمال الصالحة والعبادات الواجبة والمفروضة.
فلو فعل ذلك وهي زوجته وسكنه وراحته وحلاله، كان حراماً عليه إذا ضيعت عليه صلاة أو منعته صوماً أو برّاً لوالديه أو أمسكت عليه يديه في الإنفاق في سبيل الله، وهو محب لها يريد إرضاءها، فهو عند الله تعِس، وإن رضيت عنه فلن يرضى عنه الله.
فكيف بك يا ولدي، وكيف بك يا بنيتي، إن كان عشقاً حراماً؟ كيف بك حين تصدر عنك مثل تلك البليات، وتردد مثل هذه الكلمات، فأنتَ عبدالله وحده فلا تشرك معه أحداً لا والداً ولا ولداً ولا مالا ولا محبوباً. عافانا الله وإياكم من كل ضر وسوء.
قال العلامة ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان»: إن العشق يوجب اشتعال اللقب بالمعشوق وتأليهه وتعظيمه.
هكذا قال واللهِ (وتأليهه)، رحمه الله تعالى، وذلك بالخضوع له وتقديم طاعته وما أمر به على طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فيحب ما يحبه ويكره ما يكرهه، فإن المحبوبات لغير الله قد أثبت الشارع الحكيم فيها اسم التعبد، كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «تعس عبدالدرهم، تعس عبدالقطيفة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتتكس وإذا شيك فلا انتقش، إن أعطي رضي وإن منع سخط».
وقد حكى الله سبحانه عشق الصور في القرآن الكريم عن المشركين، فحكاه عن امرأة العزيز وكانت مشركة على دين زوجها، وحكاه عن اللوطية وكانوا مشركين، يقول رحمه الله تعالى: «والزنا بالفرج، وإن كان أعظم من الإلمام بالصغيرة كالنظرة والقبلة واللمس، فأشد منهم جميعاً حب المعشوق الذي يصل به إلى الشرك، فلو خُيِّر بين رضاه ورضا الله لاختار رضا معشوقه على رضا ربه، ولقاء معشوقه أحب إليه من لقاء ربه، ولا ريب أن هؤلاء من الذين اتخذوا من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله. وأصل ذلك كله من خلو القلب من محبة الله تعالى والإخلاص له، وفي الأثر: «ما تحت أديم السماء إله أعظم عند الله من هوى يتبع»، وقال تعالى: ?أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ? [الجاثية: 23].
واسمع إلى أحد المستهوسين يقول:
إن هواك الذي بقلبي صيرني سامعاً مطيعاً
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «شارب الخمر كعابد الوثن»، ومعلوم أن شارب الخمر لا يدوم سكره بل لا بُدَّ له أن يفيق، أما سكرة العشق فَقَلَّ أن يستفيق صاحبها.
قال الشاعر:
قالت جننت على رأسي فقلت لها
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
فصاحبه أحق بأن يشبَّه بعابد الوثن!!
كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى:
وكم وقع وهو بين الناس بسبب عشق الصور من العداوة والبغضاء، وزوال الألفة، وانقلابها عداوة، فقلت العاشق ليس فيه موضع لغير معشوقه كما قيل:
ما للفؤاد لغير حبك موضع كلا ولا أحد سواك يحله
ولكم في برصيص عبرة، وكان عابداً فيما كان قبلنا، أستأمنه إخوة ثلاثة على أختهم في حال سفرهم، فجاءه الشيطان وقرب إليه الهوى، ووسوس إليه بالغي والضلال، إلى أن سقط في بئر الخيانة، بل وإلى ما هو أشد من ذلك حتى مات على الكفر، وهذا شأن الجهلة والمغفلين في كل زمان ومكان، يستهويه الشيطان بفعل الطيب الصالح، حتى إذا دخل عليه من هذا الباب لم ينل منه إلا دخوله جهنَّم وبئس المصير، كأن يوسوس لطالب الجامعة ولطالبة الثانوي: ماذا لو كلمتها.. ماذا لو مشيت معها فهي صداقة بريئة.. إنما نحن إخوة... إلى آخره، ونهاية القصة معروفة.