القرآن يعتبر الطغيان شراً مستطيراً ويربي المسلم على أن يرفضه ويقاومه
باب الريان
23 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
أما قوله: {وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا} فقال صاحب الكشاف: معناه أنها تخرج من برج إلى برج من قولك: ثور ناشط إذا خرج من بلد إلى بلد. وأقول: يرجع حاصل هذا الكلام إلى أن قوله: {وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا} إشارة إلى حركتها اليومية، {وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا} إشارة إلى انتقالها من برج إلى برج، وهو حركتها المخصوصة بها في أفلاكها الخاصة، والعجب أن حركاتها اليومية قسرية، وحركتها من برج إلى برج ليست قسرية، بل ملائمة لذواتها، فلا جرم عبر عن الأول بالنزع، وعن الثاني بالنشط، فتأمل أيها المسكين في هذه الأسرار.
وأما قوله: {وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا} فقال الحسن وأبو عبيدة رحمهما الله: هي النجوم تسبح في الفلك، لأن مرورها في الجو كالسبح، ولهذا قال: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33].
وأما قوله: {فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا} فقال الحسن وأبو عبيدة: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير، بسبب كون بعضها أسرع حركة من البعض، أو بسبب رجوعها أو استقامتها. وأما قوله تعالى: {فَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا} ففيه وجهان:
أحدهما: أن بسبب سيرها وحركتها يتميز بعض الأوقات عن بعض، فتظهر أوقات العبادات على ما قال تعالى: {فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ} [الروم:17-18] وقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة:189] وقال: {لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ} [يونس: 5]، ولأن بسبب حركة الشمس تختلف الفصول الأربعة، ويختلف بسبب اختلافها أحوال الناس في المعاش، فلا جرم أضيفت إليها هذه التدبيرات.
والثاني: أنه لما ثبت بالدليل، أن كل جسم محدث ثبت أن الكواكب محدثة مفتقرة إلى موجد يوجدها، وإلى صانع يخلقها، ثم بعد هذا لو قدرنا أن صانعها أودع فيها قوى مؤثرة في أحوال هذا العالم، فهذا يطعن في الدين البتة، وإن لم نقل بثبوت هذه القوى أيضا، لكنا نقول: إن الله سبحانه وتعالى أجرى عادته بأن جعل كل واحد من أحوالها المخصوصة سببا لحدوث حادث مخصوص في هذا العالم، كما جعل الأكل سببا للشبع، والشرب سببا للري، ومماسة النار سببا للاحتراق، فالقول بهذا المذهب لا يضر الإسلام البتة بوجه من الوجوه، والله أعلم بحقيقة الحال.
الكلمات الخمس صفات لأشياء مختلفة:
والاحتمال الثاني الذي ذكره الإمام الرازي وغيره من المفسرين: أن الكلمات الخمس -التي أقسم الله بها– ليست لشيء واحد -كما ذهب التأويل الأول- بل هي لأشياء مختلفة.
منهم من قال: النازعات غرقا، هي: القسيّ -جمع قوس-، والناشطات نشطا هي: الأوهاق. والسابحات سبحا هي: السفن. والسابقات: الخيل. والمدبرات: الملائكة.
وعن مجاهد: النازعات والناشطات والسابحات هي: الموت. وأضاف النزع وما بعده إليه على أنه مجاز، بمعني أنها حصلت عند حصوله. وأما السابقات والمدبرات فهي الملائكة.
وقال قتادة: الجميع هي النجوم، إلا المدبرات، فإنها هي الملائكة.
والذي نرجحه أن الكلمات الخمس المقسم بها صفات لشيء واحد، بدليل وجود العطف بالفاء بينها، {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}، فهذا العطف يعرض أنها سلسلة يتبع بعضها بعضا، ويؤثر بعضها في بعض، وليست أشياء متباينة متغايرة.
وما أبلغ ما قاله الإمام الرازي رحمه الله:
واعلم أن الوجوه المنقولة عن المفسرين غير منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لا يمكن الزيادة عليها. بل إنما ذكروها لكون اللفظ محتملا لها.
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9)}
أين جواب القسم؟
الكلمات الخمس السابقة التي أقسم الله بها، أين جواب القسم فيها؟ هل هو محذوف أو مذكور؟
بعضهم قال: إنه محذوف، والتقدير: لتبعثن أو لتحاسبن، أو لتجزونّ، والدليل عليه أنه تعالى حكى عنهم قولهم: {أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} أي: أَنُبْعَث وننشر إذا كنا عظاما نخرة؟!
وهناك من قال: إن الجواب المضمر هو: أن العبارة واضحة، وذلك لأنه سبحانه وتعالى قال -في مثل هذا القسم-: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الذاريات:1-5]. وقال تعالى: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} [المرسلات:1-7].
فكذلك هنا فإن القرآن كالسورة الواحدة.
والقول الثاني: أن جواب القسم مذكور، وهو قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ * أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}. والتقدير: والنازعات غرقا، وما بعدها من المقسم عليها: إن يوم ترجف الراجفة، تحصل منها قلوب واجفة، وأبصارها خاشعة، كأنه تعالى قال: لترجفن قلوب يوم كذا. ولما دلت القلوب على أصحابها، ذكر بعد ذلك أبصارها وخشوعها وذلها، وما يظهر فيها من الهم بالحال.
وقال ابن عباس في قوله: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}، هما النفختان الأولى والثانية، ومعه غير واحد من مفسري السلف. أما الأولى –وهي قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}- فهي كقوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} [المزمل:14]. والثانية -وهي الرادفة- فهي كقوله تعالى: {وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة:14].
ما المراد بالراجفة: الواقعة التي ترجف عندها الأجرام الساكنة. أي: تتحرك حركة شديدة، وتزلزل زلزلة عظيمة. كالأرض والجبال. وقيل: الراجفة الأرض والجبال نفسها.
والرجف هو: الحركة. كما قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ} وكذلك الرجف هو: الهدة المنكرة، والصوت الهائل. من قولهم: رجف الرعد، يرجف رجفا ورجيفا، وذلك تردد أصواته المنكرة وهدهدته في السحاب، ومنه قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف:91]. فعلى هذا الوجه: الراجفة: صيحة عظيمة فيها هول وشدة كالرعد.
وأما الرادفة، فكل شيء جاء بعد شيء آخر يقال: ردفه، أي: جاء بعده. وأما القلوب الواجفة فهي المضطربة الخائفة، يقال: وجف قلبه، يجف وجافا، إذا اضطرب، ومنه إيجاف الدابة وحملها على السير الشديد. وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الواجفة، ومعناها واحد. قالوا: خائفة وجلة، زائلة عن أماكنها، قلقة مستوفزة مرتكضة شديدة الاضطراب غير ساكنة.
وأما وصف الأبصار بالخشوع فهو كقوله تعالى: {خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشُّورَى:45].
{يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ}
حكاية لما يقوله المنكرون للبعث المكذبون بالآيات الناطقة به، إثرَ بيان وقوعِه بطريق التوكيد القَسَمي، وذكر مقدماته الهائلة، وما يعرض عند وقوعها للقلوب والأبصار.
أي: أن يقول هؤلاء المكذبون المنكرون للبعث إذا قيل لهم: إنكم مبعوثون، قالوا -منكرين متعجبين-: أنرد بعد موتنا إلى أول الأمر، فنعود أحياء كما كنا قبل الموت؟ وهو كقولهم: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49].
يقال: رجع فلان في حافرته، وعلى حافرته، أي: رجع من حيث جاء، وأنشد ابن الأعرابي:
أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشَيْبِ
مَعاذَ اللهِ مِنْ سَفَهٍ وطَيْشِ
يقول: أأرجع إلى ما كنت عليه في شبابي من الغزل والصبا، بعد أن شبت وصلعت!
ويقال: رجع على حافرته، أي: الطريق الذي جاء منه.
{أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً}
أي: بالية ومفتتة، وهو تأكيد لإنكار الرد ونفيه، بنسبته إلى حالة منافية له، أي: أئذا كنا عظاما بالية، نرد ونبعث، مع كونها أبعد شيء عن الحياة؟
وفسر ابن عباس نخر العظام: إذا بلي ودخلت الريح فيه. وقرئ: نخرة، وناخرة، وكلاهما يؤدي المعنى.
{قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}
أي: رجعة خائبة، كاذبة باطلة، أي: ليست كائنة، أن نرجع أحياء بعد الموت، والكرَّة: الرجوع. وقيل: خاسرة، أي: ذات خسران، أو: خاسرة أصحابها. والكلام هنا حكاية لكفر آخر لهم، متفرع على كفرهم السابق. ولعل توسيط (قالوا) بينهما، للإيذان بأن صدور هذا الكفر عنهم ليس بطريق الاطراد والاستمرار. مثل كفرهم السابق المستمر صدوره عنهم في كل أوقاتهم. حسبما ينبني عنه حكايته بصيغة (المضارع). أي: قالوا بطريق الاستهزاء، مُشيرين إلى ما أنكروه من الرد في الحافرة، مشعرين بغاية بُعدها من الوقوع: {تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}.
{فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ}
ذكر الله تعالى سهولة البعث عليه، فأخبرهم أنها صيحة واحدة، أو نفخة في الصور، ينفخها الملك المكلف، فإذا الناس قد بعثوا من الأجداث، إلى ربهم ينسلون. فإذا هم –أي الخلائق جميعا من كل الأجناس والألوان والأديان- صاروا على الأرض ووجهها الأعلى المسمى بـ(الساهرة). أي: صاروا على وجهها بعد أن كانوا في بطنها. قال الفراء: سميت بهذا الاسم؛ لأنّ فيها نوم الحيوان وسهرهم. والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، بمعنى: ذات سهر؛ لأنها يسهر في فلاتها خوفا منها، فوصفها بصفة فيها.
وهي أرض غير الأرض السابقة، لم تعمل عليها خطيئة، ولم يهرق عليها دم، كما قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم:48]، وقال تعالى: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا} [الكهف:47]، وقال سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} [طه:105-107].
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى}
انتقل القرآن إلى موضوع جديد له صلة بتقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم، لما يلقاه من إنكار قومه وتكذيبهم، ليلقي إليه نبأ بعض المرسلين الكبار من قبله، ليجد في سيرتهم، وما لقوه، ما ينزل في قلبه السكينة والثقة بنصر الله تعالى وتأييده.
وقد جاء بهذه الصيغة التي تكررت في القرآن، بمثل: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1]. وهنا يقول الله تعالى لرسوله محمد خاتم رسله: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى} تشويقا له ليستمع إلى هذا الحديث، ويأخذ منه العظة والعبرة، كما قال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120].
ولعل هذه الآيات هي أول ما أنزله الله على محمد في قصة موسى، فلم يكن أتاه قبلها من نبئها ما يعرف حقيقتها. وإن اعتبر أنه أتاه هذا الحديث قبل ذلك، اقتضى ذلك حمله عليه السلام على أن يقر بأمر يعرفه قبل ذلك، كأنه قيل: أليس قد أتاك حديثه؟ أي: قد جاءك وبلغك حديثه. وهذا تسلية للرسول الكريم. أي: إن فرعون كان أقوى من كفار بلدك وعصرك، ثم أخذناه أخذا أليما شديدا، وكذلك هؤلاء.
{إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}
بدأ القرآن يقص على النبي صلى الله عليه وسلم طرفا يسيرا من قصة موسى، {إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}، حين كلمه ربه سبحانه بلا واسطة بين موسى وبينه، ولذا قال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:164].
والوادي: ما كان بين جبلين. والمقدَّس: المطهر. وطوى: اسم لهذا الوادي على الصحيح، كما يقول ابن كثير. فهو تعالى يخبر عبده ورسوله محمدا، عن عبده ورسوله موسى، الذي بعثه إلى فرعون، وأيده الله بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وكذلك عاقبة من خالفك، وكذلك يفعل الله به، ولهذا قال تعالى في آخر القصة: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى}.
{اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}
كان من النداء الذي ناداه ربه: أمره بالذهاب رسولا منه إلى فرعون. وفرعون هو لقب لملوك مصر في ذلك الزمن، كان كل حاكم فيها يسمى (فرعون). كما كان كل حاكم لفارس أو إيران يسمى (كسْرى)، وكل حاكم للرومان يسمى (قيصرًا)، وكل حاكم للحبشة يسمى (النجاشي)، وكل حاكم لليمن يسمى (تُبَّعا).
والقرآن يعامل اسم فرعون، كما يعامل العلم المفرد، كأنه اسم لشخص، فنادى الله موسى وقال له: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} أرسل الله موسى إلى فرعون، لماذا؟ القرآن ذكر سبباً واحداً استحق به أن يرسل إليه موسى، هو: الطغيان. {إِنَّهُ طَغَى}، والطغيان هو مجاوزة الحد. وفرعون قد تجاوز كل حد في عبوديته لله وحده، وفي اعتدائه على خلق الله، فاستكبر عن عبادة الله، وادعى أنه إله الناس، وقال لهم: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات:24]، واستكبر على خلق الله، وعلا في الأرض، واستضعف طائفة من أهل مصر، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين. ولهذا تضمنت المسألة أمرين أساسيين:
الأول: تحرير بني إسرائيل من قبضة فرعون الحديدية، وإعادتهم كما خلقهم الله، وكما ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
والأمر الثاني: الخضوع لله والاعتراف بربوبيته، وإلهيته، وسلطانه على خلقه، وطرح الاستكبار على الله، كما قال في سورة الدخان {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [الدخان:17-19].
القرآن يعتبر الطغيان شرا مستطيرا، ويربي المسلم على أن يرفضه في نفسه، ويقاومه في غيره، ويعد انتشاره فسادا عظيما يوجب سخط الله تعالى ونقمته في الدنيا والآخرة.
يقول تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [الليل:6-7]، وقال سبحانه: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود:112]، وقال: {أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن:8-9]، دعوة إلى الوسطية بين الطغيان في الميزان، والإخسار في الميزان.
وذم الله كثيرًا من الكفار والمشركين بأنه تعالى {يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون} [البقرة:15].
ويجعل القرآن الطغيان وراء كل الشرور والمصائب، {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات:53]، ويصف شرار الأمم السابقة، التي نزل بها عذاب الله من عاد وثمود وفرعون بقوله: {الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} [الفجر:11-12].
ويُذَكِّر الله تعالى الناس بيوم القيامة، ومواقفهم فيه، {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37-41].
ومن الطغيان اشتق اسم الطاغوت، وهو اسم للأصنام، وكل ما يعظم ويطاع طاعة مطلقة، من دون الله، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36].
فلا عجب أن يقول الله لواحد من أولي العزم من الرسل – موسى- {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى}.
{فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى}
أمر الله تبارك وتعالى عبده ورسوله موسى، أن يكون رفيقا ورقيقا في دعوته إلى فرعون، فيأخذه بالرفق لا بالعنف، وباللين لا بالشدة، كما جاء في سورة (طه) حين خاطب الله موسى وأخاه هارون معه، فقال: {فَقُولَا لَهُ} أي: لفرعون {قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44].
ومن هذا القول اللين المأمور به، جاء هذا القول: هل لك إلى أن تزكَّى؟ أمره الله أن يخاطبه بأسلوب الاستفهام، الذي معناه العرض، ليستدعيه بالتلطف في القول، ويستنزله بالمداراة من عتوه. والمعنى: هل لك رغبة وتوجه إلى أن تزكي نفسك؟
والتزكي: كلمة صغيرة في اللفظ كبيرة في المعنى، فهي في العربية تعني عنصرين: الأول: الطهارة. والثاني: النماء. تعني التخلية والتحلية. يتخلى عن الرذائل، ويتحلى بالفضائل.
ومما ربطه الله بها الفلاح، وهو السلامة من الشر والمكروه، والحصول على الخير والمحبوب. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7-10]. وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى:14]. وقال سحرة فرعون في أهل الجنة: {وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى} [طه:76].
وأحيانا يراد بكلمة زكى وأزكى ونحوها: النماء فقط، كما في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} [البقرة:232]، وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]، ولا ريب أن أول التزكي هو: التوحيد، والتطهر من دنس الكفر والشرك بالله.
{وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى}
بعد أن عرض عليه أن يتطهر ويتنمى، فيكون شخصيته المؤمنة، أي: وأرشدك إلى معرفته سبحانه، فتخشى، فيدخل قلبه خشيته والخوف من عذابه عز وجل. إذ الخشية لا تكون إلا بعد معرفته تعالى، كما قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28]، فدلت الآية الكريمة على أن معرفة الله مقدمة على طاعته؛ لأنه ذكر الهداية، وجعل الخشية مؤخرة عنها ومفرعة عليها. ونظيره قوله تعالى في أول سورة النحل: {أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ} [النحل:2]، وفي طه: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} [طه:14].
فالخشية ملاك الخيرات؛ لأن من خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر، وفي الحديث: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل».
يتبع غداً إن شاء الله...