علم الله سبحانه وتعالى بالسر والجهر

alarab
باب الريان 23 يونيو 2015 , 06:39ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
• {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}:
الآية تساوي بين السِّرِّ والجهر، بالنسبة إلى علمه تعالى، كما قال عز وجل: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد:10]. فكل أمرهم مكشوف تمام الكشف لله تعالى، كما قال سبحانه على لسان إبراهيم: {رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم:38].
وعن ابن عباس قال: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من النبي عليه الصلاة والسلام، فيوحى إلى نبيِّه بذلك، فيخبرهم، فقال بعضهم لبعض: أسرُّوا قولكم، أي: لا تتكلموا جهرة؛ كيلا يسمعكم رب محمد! وغفلوا أن الله يعلم سرَّهم ونجواهم، فهو: {يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه:7].
وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم، ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر، والمبالغة في بيان شمول علمه المحيط لجميع المعلومات، كأنَّ علمه تعالى بما يسِرُّونه أقدْرُ منه بما يجهرون به، مع كونهما في الحقيقة على السَّوِيَّة، فإنَّ علمَه تعالى بمعلوماتِه ليس بطريق حصولِ صُوَرها، بل وجودُ كل شيءٍ في نفسِه عِلْمٌ بالنسبة إليه تعالى، أو لأن مرتبةَ السرِّ متقدِّمةٌ على مرتبةِ الجهر؛ إذ ما من شيء يُجهَر به، إلا وهو أو مبادِئُه مضمرٌ في القلب، يتعلَّق به الإسرار غالبًا، فتعلُّق علمه تعالى بحالته الأولى، متقدِّم على تعلقه بحالته الثانية، كما يقرره أبو السعود.

• {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}:
ذات الصدور: ما فيها، كما يسمَّى ولد المرأة، وهو جنين: ذا بطنِها.
والجملة تعليلٌ لما قبلها، وتقريرٌ له، وفي صيغة (الفعيل)، وتحلية الصدور بلام الاستغراق، ووصف الضمائر بصاحبتها، من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالِغ في الإحاطة بمُضمَرات جميع الناس، وأسرارِهم الخفيَّة المستكنَّة في صدورهم، بحيث لا تكاد تفارقها أصلًا، فكيف يخفى عليه ما تُسِرُّونه وتجهرون به؟
ويجوز أن يراد (بذات الصدور): القلوب التي في الصدور، والمعنى: أنه عليم بالقلوب وأحوالها، فلا يخفى عليه سرٌّ من أسرارها.

• {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}:
{أَلَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري المفيد للنفي، و (لا) للنفي، ونفي النفي يُقرِّرُ الإثبات. والمراد: أنه يُعلَم قطعًا.
يقول الإمام القرطبي: (يعني: ألَا يعلمُ السرَّ مَنْ خلَقَ السرَّ؟ يقول: أنا خلقتُ السرَّ في القلب، أفلا أكونُ عالمًا بما في قلوب العباد؟!
وقال أهل المعاني: إن شئتَ جعلتَ (مَنْ) اسمًا للخالق جلَّ وعزَّ، ويكون المعنى: ألا يعلم الخالقُ خلقَه.
وإن شئتَ جعلته اسمًا للمخلوق، والمعنى: ألا يعلم اللهُ مخلوقه وما انطبع عليه. ولا بد أن يكون الخالق عالمًا بما خلقه وما يخلقُه.
قال ابن المسيَّب: بينما رجل واقف بالليل في شجرٍ كثير، وقد عصفَتِ الريحُ فوقعَ في نفس الرجل: أترى اللهُ يعلم ما يسقط من هذا الورق؟ فنودي من جانب الغَيْضة بصوت عظيم: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: من أسماء صفات الذات ما هو للعلم:
منها: (العليم)، ومعناه تعميم جميع المعلومات.
ومنها: (الخبير)، ويختصّ بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون.
ومنها: (الحكيم) ويختصُّ بأن يعلم دقائقَ الأوصاف.
ومنها: (الشهيد) ويختص بأن يعلم الغائبَ والحاضر، ومعناه: أنه لا يغيب عنه شيء.
ومنها: (الحافظ) ويختصُّ بأنه لا ينسى.
ومنها: (المُحصي) ويختصُّ بأنه لا تشغله الكثرة عن العلم، مثل ضوء النور، واشتداد الريح، وتساقط الأوراق، فيعلم عند ذلك عددَ أجزاء الحركات في كل ورقة. وكيف لا يعلم وهو الذي يخلق؟! وقد قال: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}).

• {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}:
اللطيف: الفاعل للأشياء اللطيفة، التي تخفى كيفيَّة عملها على أكثر الفاعلين، ولهذا يقال: إن لطف الله بعباده عجيب، ويراد به دقائق تدبيره لعباده وفيهم.
والخبير: هو صاحب الخبرة بكل شيء، وهو يختص بأن يعلم ما يكون قبل أن يكون.
والإسلاميون عامة يجيبون العلمانيين الذين يسألونهم مُتحدِّين لهم: كيف يعلم الله الذي أنزل كتابًا منذ ألف وأربعمائة سنة ما يجري في عالم اليوم، بما لا يخطر على بال أحد في ذلك الزمان؟ يجيبونهم في ثقة المؤمن، وإيمان الواثق، بأن من يؤمن بالله جل جلاله، وبأنه خالقُ هذا الكون، وما فيه من إنسان، وبارئُه ومصوره، يؤمن أيضًا بأنه سبحانه يعلم كل ما يحتاج إليه الكون، وما يفتقر إليه الإنسان؛ لأن الخالق دائمًا يعلم كل ما يحتاج إليه المخلوق، ويوفره له: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.

تذليل الأرض وتسخيرها للإنسان:

• {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}:
ما سبق في سورة (الملك) كان يتحدث عن السماوات وما فيها، وما يضيئها، وما تتعرض له من الشياطين المردة، وما ترجم به أولئك الشياطين، وما أُعدَّ لهم وللكافرين المكذِّبين من عذاب أليم، وذكر القرآن في مقابل هؤلاء: الذين يخشون ربهم بالغيب، وما وعدهم به من المغفرة الواسعة، وأعدَّه لهم من الأجر العظيم.. إلخ.
ولم يتحدَّث عما يقابل السماء -وهي السقف المحفوظ- وهو الأرض التي خلقها الله للأنام، وجعلها مهادًا وبساطًا وفَرْشًا، وهيَّأها للمخاليق المكلَّفين، ليعمُروها ويعبدوا الله فيها، ويقيموا خلافته عليها، وهو ما جاء في هذه الآية الكريمة بقوله سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} يعدَّد الله نعمه على عباده، ليعرفوها ويذكروها، ويشكروا نعمة الله عليها، فقد ذكَّرهم بنعمه عليهم، في تسخيره لهم الأرض، وتذليله إيَّاها لهم، بأن جعلها قارَّة ساكنة، لا تميد ولا تضْطرب، بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السُّبل، وما يَسَّرَ فيها من المنافع، ومواضع الزروع والثمار.
وأول نعَمِه عليهم: أنه جعلها لهم ذلولًا، أي: سهلةً منقادة يسيرون عليها، فرغْم ضخامة الأرض بالنسبة لحجم الإنسان وقدراته، فهي مطْواعة منقادة له، كما سَخَّر الله الأنعامَ من الجمل والثور وفحل الجاموس، على كِبَر حجمها، يُسَخِّرها الشيخ الكبير، ويُسيِّرها الطفل الصغير، فتتهيّأ له، وتنقاد بسهولة، كما ذكر الله ذلك بقوله: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ*وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ*وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس:71-73].
ومعنى (الذلول): المنقاد الذي يذِلُّ لك. والمصدر: الذِّلُّ (بالكسر)، وهو اللِّين والانقياد، و (الذَّلول): (فعول) بمعنى (مفعول)، أي مذلول، فهي كركوب وحلوب بمعنى مركوب ومحلوب. يقال: ذلول، بيِّن الذِّل بكسر الذال، ويقال: بيِّن الذُّل بضم الذال.
أي: لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالحزونة والغلظة.
وقيل: يثبتها بالجبالِ؛ لئلا تزول بأهلها، ولو كانت تتكفَّأ متمايلةً، لما كانت منقادةً لنا.
وقيل: أشار إلى التمكُّن من الزرع والغرس، وشق العيون والأنهار، وحفر الآبار.
ولا شك أن هذه كلها من آثار رحمة الله ببني الإنسان، الذي هيَّأ لهم هذه الأرض، وجعلها لهم ذلولًا.

الأمر بالمشي في الأرض والأكل
من رزق الله:

• {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}:
قال الإمام الرازي: الأمر هنا أمر إباحة، وكذا القول في قوله: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}.
وأنا أخالف إمامنا الرازي هنا، وأرى أن الأمر هنا على أصله في القرآن، وهو إفادة الوجوب، ولكنه حسب تعبير الإمام الشاطبي في موافقاته: واجب بالكل، مباح بالجزء. فالأمر للأمَّة كلها التي جعل الله لها الأرض ذلولًا، يوجب عليها وجوبًا كليًّا أن نمشي في مناكب الأرض، ولا يجوز أن يهملَ هذا الأمر الإلهيّ القرآنيّ، باعتباره أمر إباحة، فلا يخْطُوَ فيها أحد ليمشي في منكب الأرض، ويأكلَ من رزق الله.
كذلك لا يجوز لعامَّة الناس أن يتركوا الأكل ممَّا رزقهم الله في الأرض، بناء على أن الأمر للإباحة؛ لأن الجميع مأمورون أمر وجوب عام بالأكل من رزق الله، ولا يجوز ترك الأكل تعبُّدًا أو تزهُّدًا أو تقشفًا، حتى يصاب بالمرض والقعود، بل الأمر أمر وجوب للكل، وإن كانت الإباحة للبعض في جزئيات معينة، فيها تفصيلات واحتمالات.
و (المناكب) هنا قد اختلف فيها المفسرون، فقيل: مناكبها: أطرافها، وهي الجبال. وقيل: مناكبها: جوانبها وهي النواحي، وقيل: طرُقها وفِجاجها.
وأرى أن هذه كلَّها تدخل في مناكب الأرض، فكما أن للرجل منكبين عن جانبيه، فللأرض مناكب، ينبغي للناس أن يمشوا فيها، وهذا المشي في الأصل واجب كلِّيٌّ، فمن مشى في مناكب الأرض، التي يَسَّرها الله له، استحقَّ أن يشارك في ثمارها، حيث يقول الله تعالى: {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}. رتَّب الأكل من الرزق على المشي في الأرض، فمن تقاعس وتماوت، ولم يمشِ في الأرض لم يستحقَّ أن يأكل من رزق الله، ومن مشى وسعى في المناكب أكل من رزقه سبحانه.
والسَّعيُ في السبب لا ينافي التوكُّلَ، كما ذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطيرَ، تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا).
فأثبت لها رَواحا وغدوًّا لطلب الرزق، مع توكلها على الله تعالى، وهو المُسخِّر المُسبِّب.