بنك قطر الوطني QNB: ارتفاع التضخم يلقي بظلاله على مسار السياسة النقدية الأمريكية

alarab
اقتصاد 23 مايو 2026 , 08:05ص
قنا

أكد بنك قطر الوطني QNB أن التحديات التي تواجه آفاق التضخم في الولايات المتحدة تتزايد نتيجة للزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة، والضغوط الجمركية المستمرة، وقوة الطلب المحلي. وتشير هذه العوامل مجتمعة إلى أن التضخم من المرجح أن يبقى أعلى من المستوى المستهدف لفترة أطول، مما يعرقل مسار بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو تطبيع السياسة النقدية.

وأوضح بنك قطر الوطني QNB في تقريره الأسبوعي أنه نتيجة لما تقدم تم تعديل توقعات السوق، حيث يتوقع المستثمرون الآن بقاء أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام عند حوالي 3.75 بالمئة، على عكس التوقعات السائدة قبل النزاع والتي كانت تشير إلى تخفيضين بمقدار 25 نقطة أساس.

وذكر التقرير بحالة الاستقرار التي شهدتها معدلات في النمو نسبة التضخم مطلع العام الحالي في الولايات المتحدة حيث واستمرت ضغوط الأسعار في التراجع من الذروة التي بلغتها بعد جائحة كوفيد-19، حيث انخفض تضخم أسعار المستهلك من حوالي 9 بالمئة في منتصف عام 2022، ليقترب تدريجيا من نسبة 2 بالمئة المستهدفة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي. إلا أن هذا المسار تعرض لتغير مفاجئ نتيجة لتصعيد الصراع الإسرائيلي الأمريكي مع إيران في أواخر فبراير الماضي.

عقب الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي انطلقت في 28 فبراير، أدى الارتفاع في أسعار الطاقة الناتج عن ذلك إلى انعكاس جزئي في عملية تراجع التضخم، حيث ارتفع التضخم إلى ما يقارب 4 بالمئة، أي ما يناهز ضعف النسبة المستهدفة في السياسة النقدية والتي تبلغ 2 بالمئة، مما استدعى إعادة تقييم التوقعات.

ولفت التقرير إلى أن صانعي السياسات يعيدون تقييم مدى استمرارية وعمق الموجة الجديدة من ضغوط الأسعار. وإضافة إلى ذلك، فإن التغيير في قيادة بنك الاحتياطي الفيدرالي، مع تولي كيفن وارش رئاسة البنك، يزيد المشهد تعقيدا. حيث كان وارش قد أكد سابقا أن العوامل الهيكلية، بما في ذلك الزيادة في الإنتاجية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تخفض تكاليف الإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلكون، مما يشير إلى إمكانية خفض أسعار الفائدة. لكن الوضع الحالي يفرض احتمالات أكثر تعقيدا.

وناقش التقرير العوامل الرئيسية التي تدفع التضخم إلى الارتفاع في الولايات المتحدة والمخاطر المترتبة على السياسة النقدية. ويتمثل أول هذه العوامل في الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة بعد تصاعد الصراع، معتبرا هذا الارتفاع المحرك الرئيسي للزيادة الأخيرة في التضخم. فقد ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 25 بالمئة خلال الأسابيع التي تلت اندلاع الأعمال العدائية، متجاوزة 120 دولارا أمريكيا للبرميل في ذروتها.

وقد أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى زيادة سريعة في تكاليف البنزين والكهرباء والنقل، مما تسبب في ضغوط تصاعدية على التضخم العام. وارتفعت تكلفة الطاقة ضمن سلة أسعار المستهلك بنسبة 17.9 بالمئة على أساس سنوي في أبريل. وإلى جانب هذا التأثير المباشر، امتد أثر الصدمة عبر تأثيرات ثانوية، إذ تؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى ارتفاع نفقات الإنتاج والخدمات اللوجستية والتوزيع، مما يرفع الأسعار عبر نطاق أوسع من السلع والخدمات. كما يزيد انتقال ضغوط التكاليف من مخاطر استمرار ارتفاع التضخم، وهو ما يشكل تحديا أمام السياسة النقدية.

أما العامل الثاني، فتمثل في السياسة التجارية التي برزت مصدرا مهما للضغوط التضخمية. فقد أدت الرسوم الجمركية المرتفعة التي فرضتها الولايات المتحدة منذ عام 2025 إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، مما عكس جزئيا اتجاه تراجع التضخم الذي لوحظ خلال العام الماضي. وارتفع متوسط معدلات الرسوم الجمركية الفعلية من 2.3 بالمئة في عام 2024 إلى 9.4 بالمئة حاليا، في حين تمثل الواردات ما يقرب من 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة. وتشير تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس إلى أن الرسوم الجمركية أضافت ما يقرب من نقطة مئوية واحدة إلى التضخم.

وثالثا، لا يزال الطلب المحلي قويا، مما يعزز ضغوط الأسعار الأساسية. ويستمر الاستهلاك الخاص في النمو بوتيرة مستقرة، مدعوما بنمو الدخل الحقيقي وارتفاع ثروة الأسر. كما لا يزال صافي ثروة الأسر الأمريكية قريبا من مستوياته القياسية عند نحو 180 تريليون دولار أمريكي، مدعوما بالأداء القوي لسوق الأسهم واستقرار أسعار المساكن. وعلى الرغم من أن سوق العمل يشهد تباطؤا تدريجيا، فإنه لا يزال ضيقا مقارنة بالمعايير التاريخية، إذ يظل معدل البطالة قريبا من 4.5 بالمئة.

إضافة إلى ذلك، لا تزال السياسة المالية داعمة بصورة عامة، مع استمرار العجز الكبير والإنفاق الحكومي الذي يدعم الطلب. وتسهم هذه العوامل مجتمعة في زيادة ضغوط التضخم، لا سيما في قطاع الخدمات، حيث يميل التضخم إلى أن يكون أكثر استدامة مقارنة بالقطاعات الأخرى.