المريخي: احترام الناس وتوقيرهم من صفات المؤمن

alarab
محليات 23 مايو 2015 , 01:34ص
محمود مختار
قال الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي: إن احترام الناس وتوقيرهم يكون بإلانة الكلام والتواضع لهم والاهتمام بهم وقبول اعتذارهم وتقدير ظروفهم والتجاوز عن أخطائهم. وأشار المريخي ــ في خطبة الجمعة أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب التي تحدث فيها عن فضيلة «احترام الناس» ــ إلى إن المرء بأخلاقه ودينه يسع الناس ولا يسعهم بماله وأملاكه، لافتاً أن احترام الناس وتوقيرهم أدب رفيع يتحلى به الموفقون من عباد الله المسددون من الناس، موضحاً أن ذلك لا يتصف به إلا كبار الهمم، الذين ارتفعوا بطاعة ربهم حتى زينهم بها. واستهل فضيلته خطبة الجمعة بالقول: «إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مكرما محترما كما قال سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) وقال: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
وأفاد بأن الإنسان بطبيعته وفطرته مخلوق محترم فهو يحب الاحترام ويحب أن يحترم ولا يرضى أن يهان بأي نوع من الإهانة، مشيراً إلى أن الإسلام دين يحترم الإنسان ويدعو إلى احترامه وتكريمه حتى في دعوته إلى الله تعالى فإنه لا يكره أحداً في الدخول فيه. وأوضح بأن الله تعالى أكثر في القرآن في بيان ذلك الاحترام والحث عليه والترغيب فيه والأمر به والتحلي بحلية والتزين بزينته، فجاء الاحترام في الإسلام في المخاطبة كقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وفيما بين المؤمنين أنفسهم كقوله: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أو في دعوة الناس إلى الإسلام حتى وهم كفار ملحدون أو مارقون، يقول تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقال عز وجل: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وفي الخصومة: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). وبيَّن المريخي بأن ذلك ما هو إلا لما للاحترام من النتائج الإيجابية والثمرات الطيبة، ولما للإهانة من النتائج السلبية المؤسفة، وإنه إذا أراد الله تعالى بعبد خيراً زينه بخلق الاحترام واحترام الناس فتحلى به حتى اشتهر به ولبس ثوبه الجميل وتدثر بدثاره الأنيق. وقال الخطيب: إن الصالحين باحترامهم للناس أدخلوا الناس في دين الله وأنقذوهم من النار بتوقير عباد الله وقّرهم الله وأعلى مكانتهم بين عباده فكانوا مصابيح للعباد وسرجاً للناس يبصرون بهم بعد الله تعالى طريق الهدى ودرب الرشاد، يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) ويقول له: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

النبي القدوة
وأشار د.المريخي إلى أن سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام تزين باحترام الناس فكان مضرب الأمثال في احترامه للناس حتى أعجب به أعداؤه قبل أصحابه يتبول إعرابي في المسجد فيهم الصحابة بضربه والاعتداء عليه فيمنعهم عليه الصلاة والسلام ويأمرهم بتركه حتى يتم بوله ثم يناديه ويعلمه مكانة المسجد ومقامه بأنه لا يصلح إلا للصلاة والذكر وقراءة القرآن ولا يصلح لمثل هذه القاذورات فيعجب الأعرابي من خلق هذا النبي الكريم ويتوجه إلى الله داعياً أن يرحمه ومحمداً ولا يرحم معهما أحدا. ويضرب أبومسعود البدري غلاماً عبداً له فيناديه رسول الله من بعيد مذكراً إياه بقدرة الله عليه وأخذته له على ما يفعل بالعبد، يقول له: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) يقول ابن مسعود فسقط السوط من يدي من هيبته صلى الله عليه وسلم متأثرا بما ذكره به ويقول: (هو حر يا رسول الله) فيقول رسول الله له: (أما لو لم تفعل للفحتك النار) رواه مسلم. واستطرد الخطيب قائلاً: «وتموت امرأة سوداء كانت تقم المسجد وتنظفه فيدفنها الصحابة بعد الصلاة عليها ولم يعلموه فلم يروا أشعار رسول الله بموتها أو كما رأوا رضي الله عنهم فيعلم رسول الله بعد ذلك بموتها فيقول لهم: (أفلا كنتم آذنتموني) فكأنهم صغّروا أمرها فقال: (دلوني على قبرها، فدلوه فصلى عليها ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم) رواه البخاري. وتابع: ويقول أنس رضي الله عنه: (خدمت رسول الله عشر سنين والله ما قال لي قط أف، ولا قال لشيء فعلته لم فعلت ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا) رواه البخاري ومسلم.. ويقول رضي الله عنه: (ما شممت عنبراً قط ولا مسكاً ولا شيئاً أطيب من ريح رسول الله ولا مسست قط ديباجاً ولا حريراً ألين مساً من رسول الله).

يرفع من شأن الإنسان
وأكد خطيب جامع الإمام أن احترام الإنسان للناس وتوقيره لهم يرفع مقامه ويعلي شأنه عند الله تعالى وعند عباده فالله يحب من يتواضع لعباده الذي يسعى في تيسير أمورهم وتسهيل حوائجهم، يقول صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري ومسلم. كما يساعد في أن يرتفع المرء عالياً في عيون الناس ويحبونه ويوقرونه لاحترامه لهم ويدعون الله له بالتوفيق والقبول. وقال المريخي إن المرء باحترامه للناس قد اشترى قلوبهم كما اشترى مودتهم وحبهم ومودة الله تعالى قبل ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (أتي الله تعالى بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثا. قال: يا رب آتيتني مالك فكنت أبايع الناس وكان من خلقي الجواز – التجاوز عن العباد – فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر. فقال تعالى: أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي) رواه مسلم.
وأكد بأن احترام الناس وتوقيرهم يكون بإلانة الكلام والتواضع لهم والاهتمام بهم وقبول اعتذارهم وتقدير ظروفهم والتجاوز عن أخطائهم، لافتاً بأن الناس في أزمنة متأخرة من عمر الدنيا أزمنة ضعفت فيها العزائم وخارت الهمم وتلاشت أكثر الأخلاق واغتر الناس بالدنيا مما أضعف التحلي بمثل هذه الأخلاق الكريمة. وشدد بأن المجتمعات في حاجة لمثل هذا الخلق الكريم.. وقد ظهر في دنيا المسلمين ما يهدد مثل هذا الخلق وغيره، ولكن ليس بعزيز على الله تعالى أن يكرم عبيده وديار المسلمين ومجتمعاتهم بأخلاق الإسلام الخالدة إذا أحسنوا واتقوا وآمنوا.
وقال فضيلته: فما أحوجنا لهذا الخلق الكريم فكم جلب الاحترام من المودات والمحبة والتوادد والثمرات اليانعات، وكم وجد المرء من الرتب والمقامات الحسية والمعنوية بسبب احترامه وتوقيره للآخرين. وأضاف أن الناس يحبون من يحسن إليهم ولو بكلمة طيبة أو ابتسامة صادقة، ولا يحبون من يهينهم ويسيء إليهم ولو كان صاحب حق ومعروفا.
ونصح فضيلته المصلين في الختام قائلاً: إننا مدعوون معشر المسلمين لاحترام بعضنا بعضاً واحترام الآخرين حتى ولو كانوا غير مسلمين، فكثيراً ما يدخل هؤلاء في دين الله الإسلام بسبب احترامهم وأخذهم بالتي هي أحسن، فأحسنوا رحمكم الله إلى عباد الله باحترامهم وتوقيرهم وتحلوا بهذا الخلق النبيل وغيره من أخلاق الإسلام فإن صلاتنا وسائر عباداتنا لربنا عز وجل تدعونا إلى مثل هذه الأخلاق ولنا في رسولنا أسوة حسنة وفي أصحابة الكرام الذين ضربوا لنا أروع الأمثلة في الأخلاق، وإن المرء ليصغر في عيون الناس وتهبط درجته إذا فقد هذا الخلق بالذات، فإنك ترى الرجل يحمل من المعاني الكثير ولكنه لا يعرف توقير الناس واحترامهم والعطف عليهم فتهبط سمعته وتذهب معانيه الكثيرة كأنه لا يساوي شيئاً.