دراسة في بلاغة الرواية وتخييل الخطاب
ثقافة وفنون
23 مايو 2015 , 12:58ص
الدوحة - العرب
اختتمت مساء الأربعاء الأخير، الندوات الأدبية المصاحبة لمهرجان كتارا للرواية العربية، بندوة موسومة بـ «الرواية العربية.. بلاغة الرواية وتخييل الخطاب» تحدث خلالها مجموعة من الأكاديميين والنقاد العرب وأدارها الكاتب والروائي القطري جمال فايز.
وكانت بداية الندوة مع مداخلة الدكتورة امتنان الصمادي أستاذة الأدب والنقد بجامعة قطر بعنوان «الخطاب النسوي المعاصر ودوره في تشكيل الوعي»، حيث بسطت مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل يمكن أن نرصد شكلا من أشكال نقد الخطاب الذكوري؟ وهل يتحول الخطاب النسوي المعاصر إلى خطاب معلن عن تجربة الوجود بقطع النظر عن تمييز جنسي بين الذكر والأنثى؟ وهل الهدف من الكتابة النسوية الرد على الخطاب الذكوري فلجأت المرأة الكاتبة إلى الجسد لرفض القيم الذكورية. أم هو محاولة لاسترداد حقوق مستلبة؟
وأوضحت أن ألوان الخطاب النسوي تتمثل في مراحل مركزية، خطاب اللاوعي المستسلم للآخر دون الخروج من عباءة الذكورة، خطاب متمرد خارج على الرجل والتابوهات معا، مواجه لمفهوم الفحولة، وداع إلى المساواة التامة والمجاهرة بالحاجات خاصة الجسد، خطاب يمكن أن يصنف على أنه خطاب الوعي بتوظيف الاختلاف وبإمكانات المرأة غير الجسدية، تكون فيه فاعلا وموضوعا في آن.
وقالت الصمادي إن مصطلح الأدب النسوي يتخذ من تحرير المرأة وتحسين أوضاعها والسعي نحو إثبات هويتها هدفا أساسيا وأصيلا، موضحة أن إسهام الكاتبة العربية في سياق الأدب النسوي كان جيدا من حيث كسر التابوهات فقدمت إدانة واضحة وصريحة لواقع المجتمع.
وتقدم الدكتور عماد عبداللطيف، أستاذ اللغة العربية بجامعة قطر بين يدي الحضور، بورقة اتخذ لها عنوان: «تمثيلات السرديات الكبرى دراسة في بلاغة الرواية العربية المعاصرة»، أوضح خلالها أن السرديات الكبرى تُشكّل في حياة البشر موضوعا أثيرا للحكي، وفضاءً رحبًا للكتابة الروائية. ويتقاطع مفهوم السرديات الكبرى مع مفهوم الأنساق التاريخية أو الفكرية أو الدينية أو الاعتقادية التي تصوغ رؤية شاملة للعالم. لافتا إلى أن مصطلح السرديات الكبرى يشير إلى حكي الأحداث الكبرى التي يتقاطع فيها المتخيل مع التاريخي؛ مثل الحروب الأهلية والاحتلال والهزائم الوطنية والعبودية.
وبسط د.عبداللطيف خلال حديثه سؤالين هما: ما أشكال العلاقة بين السرديات الكبرى والصغرى في المتن الروائي المدروس؟ وما أثر التقنيات البلاغية والسردية في المعالجة الروائية للسرديات الكبرى، وبخاصة سرديات الحروب؟
وأشار إلى أن البحث يدرس أربعة أنواع من تمثيل السرديات الكبرى، هي تمثيلات الحرب الأهلية، تمثيلات الهزائم الوطنية، تمثيلات الاحتلال العسكري، تمثيلات التمييز مشيراً إلى أن البحث حاول دراسة تمثيلات بعض السرديات الكبرى في نماذج من الرواية العربية.
بينما تحدث الدكتور والناقد الجزائري حبيب بوهرور عن: «العتبات وخطاب المتخيل في الرواية العربية»، ليتناول مستويات تشكل خطاب المتخيل ضمن شبكة من العلاقات في المتن الروائي بالوقوف عند مجموع العتبات النصية المدعمة لنسيج النص الروائي المعاصر، معتبرا هذه العتبات والنصوص الموازية بمثابة خطابات مضمرة ومعلنة تسهم في تأسيس نوع من وسائط المثاقفة على أساس أن الخطاب الروائي المعاصر هو خطاب نخبوي يتوجه نحو البحث في كيفيات التلقي والتأويل ويسعى لتحقيق مجموعة من المخرجات الجمالية والبلاغية والأيديولوجية المدركة بفعل القراءة والتلقي عند طبقة النخبة المثقفة.
حاول الباحث طرح وتفصيل الإجابات عن جملة من التساؤلات من مثل: كيف تتمثل رواية ما بعد الحداثة أدوات كتابتها؟ وهل هناك علاقات لتلك الأدوات بمحتوى المنتج الإبداعي؟ وهل تتعدد الخطابات في المتن النصي الواحد بتعدد أدوات الكتابة وغيرها.
وأسهم الناقد المصري الدكتور محمد الشحات، الأستاذ بجامعة قطر، بورقته البحثية عن «الهويّات الضّائعة في عالم ما بعد الاستعمار: قراءة ثقافية في الرواية العربية الرّاهنة»، حاول من خلالها تتبّع تحوّلات مفهوم «الهويّة» الذي تعرّض للكثير من التغيّرات والتبدّلات والانزياحات المتتالية، خصوصًا في السنوات الأخيرة بعد تراكم مقاربات النقد الثقافي وتجذر وعي نقدي وفكري جديد أسهمت في إرسائه دراسات ما بعد الكولونيالية ونظريات تحليل الخطاب؛ وذلك من خلال فحص عدد من نصوص الرواية العربية الراهنة.
وأكد الشحات، أن إفراز الروية العربية الجديدة تمثيلات شتى للهوية يعكس وعي الروائي العربي المعاصر بأزمة الهوية التي تعاني وضعا إشكاليا متصلا بطبيعة عالم ما بعد الاستعمار، بقيمه وتحولاته ومراوغاته الخطابية وتحيزاته وممارساته، حيث تتعرض الذوات العربية للكثير من عوامل الضغط وممارسات عدة من الإقصاء والتهميش الذي يدفعها إما إلى الانغلاق على الذات أو الهجرة إلى أوطان بديلة أو الخضوع القسري لأشكال متباينة من الهيمنة والطغيان والقمع والاستبداد الذي يمارسه أبناء المجتمع الواحد على بعضهم البعض. ومع ذلك فهناك مرويات عربية تصبو إلى عالم عربي جديد يخرج من متاهة لعبة ما بعد الاستعمار، ويدرك مدى تعقيد خطط الإمبريالية المقنعة بخطابات التحرير والتنوير والاستقلال، ويعي خطورة ممارساتها المراوغة، أملا في عالم وضاء بقيمتي الحرية والعدل.