الإثنين 28 رمضان / 10 مايو 2021
 / 
07:23 ص بتوقيت الدوحة

د. كاملة الكواري الباحثة الشرعية في «الأوقاف» لـ «العرب»: لا فرق بين الرجل والمرأة في الفتوى

هبة فتحي

الجمعة 23 أبريل 2021

أتممتُ حفظ القرآن وعمري 17 عاماً.. وعدم قَبول فتاوى المرأة سببه عادات المجتمع
ألّفتُ 17 كتاباً في علوم عدة.. وأحبّ وصف لي «طالبة علم»
تلقيتُ رسائل شكر من الصين إلى أميركا.. وكُتًُبي دُرِّست في الجامعات 
مجتمعنا يحتاج لترسيخ قيمة القصد والاعتدال والتوسط في القول والعمل 
 

قالت الدكتورة كاملة بنت محمد بن جاسم آل جهام الكواري الباحثة الشرعية في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إنها وُفّقت في تأليف ١٧ كتاباً في علوم التفسير، والعقيدة، والفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والسيرة، واللغة، والمنطق، مشيرة إلى أن نقل العلم له وسائل كثيرة، والذي يناسبها هو التأليف الذي ينتفع منه المجتمع على حد قولها.
ورأت الكواري، في حوار مع «العرب»، أن أخطر آفة في المجتمعات حالياً هي خوضُ الإنسان فيما لا يعلم ولا يعنيه، مؤكدة أهمية الاشتغال بما ينفَعُ كل شخص وتركُ ما لا يعْنِيهِ، مشددة على أنه لا فَرق بين الرجل والمرأة في الفتوى، وأن عدم قبول المستفتي لفتاوى النساء قد يكون سببه عادات المجتمع.
وإلى نص الحوار:
 كم كان عمرك عندما أتممتِ حفظ القرآن الكريم؟ ودور الأهل فيما عليه الآن؟
يُقال: لا يعرف الفضلَ من الناس إلا المنصفون، ومَن تَرَبَّى على شكر المعروف يعترف بفضل الآخرين عليه، وأعظم الناس معروفاً على الإنسان والداه، فهما أصحاب الفضل بعد الله تعالى على أبنائهما، ومن فضل والدِي -رحمه الله- عليّ أنه تابعني وأرشدني حتى أتممت حفظ القرآن، وأنا في السابعة عشرة من عمري تقريباً، وذلك في الدورات الصيفية التابعة لوزارة التربية والتعليم على يد مدرسات التحفيظ آنذاك، جزاهن الله خيراً، ووجدت يد العون قد مُدَّتْ إليّ من أهلي، فأحببت طريق العلم وحضرت الدروس العلمية القائمة وقتها، وأردت أن أُسهم في نشر العلم؛ ليكون لي ذخيرة وزاداً.
مسيرة علمية 

 ما مسيرتك العلمية (ماذا درستِ)؟ والمهنية (طبيعة عملك الحالية المؤسسي والمجتمعي)؟
دراستي هي:
1- بكالوريوس قانون وشريعة، جامعة قطر.
2- ماجستير من المعهد العالي للدراسات الإسلامية والعربية في مصر بعنوان: «الطلاق والخلع في الشريعة الإسلامية مقارنة بالقانون القطري».
3- دكتوراه من كلية الحقوق جامعة الزقازيق في مصر بعنوان: «موقف المجتهدين المسلمين من دلالة قضايا الأعيان في الأحوال الشخصية والحدود والشهادات في الفقه».
وقد عملت باحثة شرعية بصندوق الزكاة من عام 2002م إلى عام 2016م.
 ما المسميات الوظيفية الأقرب لك (باحثة - عالمة - داعية... طالبة علم)؟ ولماذا؟
هناك فرق بين حكمي على نفسي ووصف الآخرين لي، فالوصف المتعين لي: طالبة علم؛ لأن العلم بحر زاخِر لن يبلغ الكادحُ فيه آخره، ولا يزال الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإن ظن أنه عَلِمَ فقد جَهِلَ، واللقب الذي أضعه في كتبي: خادمة العلم الشريف، وقد حفظت هذين الوصفين منذ الصغر من فضيلة الشيخ عبدالله بن إبراهيم الأنصاري الذي عُرِفَ بهما مع عُلوِّ كعبه، وجلالة قدره.

الترغيب والترهيب 

 لماذا اخترتِ مجال الدعوة والبحث في الشريعة؟
 في صغري كنت أقرأ على والدي -رحمه الله- كتاب «الترغيب والترهيب» للمنذري، وتأثَّرْت بالأحاديث التي أوردها المنذري في باب العلم وفضله، ثم قرأت عبارة ابن المبارك: «لا أعلم بعد النبوة درجة أفضل من بَثّ العلم» فعقدت العزم على المُضي في هذا الطريق.
 وما هي مخرجاتك من الكتب والمؤلفات... العدد والموضوعات؟
سبعة عشر كتاباً في علوم التفسير، والعقيدة، والفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والسيرة، واللغة، والمنطق.

 لماذا حتى الآن عدد الباحثات في علوم الشريعة من السيدات قليل مقارنة بالرجال؟
إن الله تعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وجعل كل إنسان ميسراً لما خلق له في الدنيا والآخرة، وكُلّ يعمل حسب طاقته وقدرته، وقد يفتح الله لإنسان باباً من الخير لا يفتحه لغيره، وكل يَبْذُل ويعطي ويُقَدِّم ويَخْدم دينه من هذا الباب الذي فُتِحَ له، وما أحسن ما قاله شاعر النيل حافظ إبراهيم في ذلك:
فالناس هذا حظُّهُ مَال وذا ** عِلْم وذاكَ مكَارِمُ الأخلاق
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المؤمن القوي والمؤمن الضعيف أيضاً: «وفي كُلٍّ خَيْرٌ»؛ لأن كلّاً منهما يعمل لدينه قدر الطاقة، المُهِمُّ ألا يعيش المسلم حياتَهُ ويموت يوم يموت وكأنه لم يُخْلَقْ على الأرض.
  حدثينا عن مدى تفاعلكِ ونقل علمِكِ للسيدات في المجتمع القطري، خاصة في ظلّ حاجة عدد كبير لطلب العلم والفتوى من امْرأة؟
نقل العلم له وسائل كثيرة، والذي يناسبني هو التأليف الذي ينتفع منه مجتمعنا وغيره، فقد صدر لي أول مؤلَّف قبل عشرين عاماً، وانتشرت مؤلفاتي على نطاق واسع، حتى تلقيت رسائل شكر من الصين إلى أميركا، ودُرِّسَتْ كُتُبِي في الجامعات النظامية والحلقات العلمية، وتلقاها أكابر أهل العلم بالتأييد والقبول، ويظهر هذا جليّاً في تقاريظهم، فالحمد لله على توفيقه، ونسأله المزيد مِن فضله.

 ما تقييمك لشق التربية الدينية في المجتمع للأطفال والشباب، على مستوى المناهج الدراسية والتربية داخل البيوت، خاصة في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء المفتوح وما به؟
المناهج الدراسية التي تلقيناها في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية كانت مفيدة جدّاً وقوية، وحَقَّقت أهدافها المرْجُوَّة، ولم أطَّلِع على المناهج القائمة الآن، لكن أعلم يقيناً أن العصر اختلف كثيراً، ومتطلباته مختلفة عن أيامنا. والقائمون على المناهج في الوزارة حريصون على ترسيخ الثوابت، ومراعاة العادات، والنظر في المتغيرات، ويجب على الأهل تتميم ما تقوم به الوزارة وإكمال النقص إن وُجِدَ؛ فإن التربية مسؤولية جميع المؤثرين.
 وما الآفات المجتمعية الحالية التي تحاولين جاهدة نشر الوعي بها؟
أرى أن أخطر آفة هي خوضُ الإنسان فيما لا يعلم ولا يعنيه، سواء كان في مجال الشرع أو مجال الطِّبّ، أو أي مجال آخر، وهذه الظاهرة منتَشِرَة في المجتمعات، حتى أصبح الناس يتكلمون في المسائل الكبار التي تخصّ ولي الأمر، والتاريخ شاهد على أن التَّجَرُّؤَ على ذلك خطر عظيمٌ، ضرَرُه أكبر مِن نفعه، والإنكار له قنواته الرسمية لا ساحات التواصل، وعلى الإنسان الاشتغال بما ينفَعه وترك ما لا يعْنِيه.
= ماذا يمثل لك شهر رمضان؟ وهل الناس أصبحت مدركة قيمة الشهر المبارك أو الاحتفاء به أخذ منحى التباهي بالهدايا والمأكل والمشرب؟
شهر رمضان موسم الخيرات وميقات التجارة مع الله، ومن حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ، والمجتمعات وإن تبدَّلَتْ عوائدُها -باعتبار أن لكل مرحلة ما يلائمها- إلا أن الغالبية في المجتمع قد حافظَتْ على مواسم العبادة وشعائرها الدينية، والمآكل ليست محلّاً للمباهاة، والهدايا إن وُجِدَتْ فإنها أمر مرغوب فيه من أسباب المحبَّة وتقوية العلاقة بين المسلمين.
تجديد الخطاب الديني
 ما رأيك فيما يُعرف بتجديد الخطاب الديني؟
هذه العبارة مجملة، فقد يُقْصَد بها ظاهرها، فتنصّب على تجديد الخطاب والعبارات بمعزل عن الفكر والمعتقد، وهذا لا مانع منه؛ لأنه أمر شكليّ، وقد يقصد به تجديد التفكير وهو ما عَبَّرَ به محمد إقبال في كتابه «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، وهذا المعنى أيضاً لا بأس به إن قُصِدَ الحفاظ على الثوابت ومراعاة الخلاف الفقهي، والنظر في المتغيِّرات المؤثرة على الأحكام من حيث التنزيل لا الحكم، وقد يُعَبَّر عنه بتجديد الدين كما في كتاب المودودي «تاريخ تجديد الدين وإحيائه»، فلا مانع منه بالمعنى السابق، أما التستر بتجديد الخطاب لتغيير قواطع الشرع فهذا تغْيِير للدين لا تجديد له، والأشرف لهؤلاء أن يُصَرِّحُوا بذلك، لا أن يتستروا تحت شعار التجديد والتنوير والنهضة والمقاصد، وغير ذلك من العناوين التي لا تدل على المضامين، وأنا هنا لا أتكلم عن الصنف المصرح المعادي للشريعة، وإنما أقصد الصنف العالم الذي يظهر خلاف ما يبطن، فهو يجبن عن التصريح الذي قام به الصنف الأول الذي حكم عليه بالخروج عن الثوابت، واقتصر على الكلام المجمل؛ حتى لا يكون عليه مَمْسك، ويصدق على هؤلاء المثل الشعبي «مدهّن»، فكلما واجهته بأنه خالف الثوابت، قال: لا أقصد، ثم يبثّ سمومه لجيل قد يقوم بالتصريح، كما فعل التنويريون في الكنيسة.

 وما أكثر ما تحتاجه المجتمعات العربية فيما يتعلق بأسلوب الدعوة؟ وماذا عن دورك في نقاش وعلاج قضايا الإلحاد التي اجتاحت عقول عدد كبير من الشباب في الدول العربية والإسلامية بالتحديد؟
لا بد أن نفرِّق بين الجهود العلمية والمناظرات العَلَنِيَّة، أما الجهود العلمية فيجب التَّصَدِّي لظاهرة الإلحاد التي غَزَت المجتمعات من خلال التصانيف، وهناك جهود مباركة لكثير من أهل العلم في هذا المجال، وأما المناظرات العَلَنِيَّة فلا جدوى منها؛ لأن الملحد إما عاقل أو غير عاقل؛ فإذا كان غير عاقل فلا قيمة لكلامه؛ لأنه يهْرِف بما لا يعْرِف، وينطق بما لا يُحَقِّق، وإذا كان عاقلاً فهو معاند ومستكْبِر، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} والجحود: إنكار الشيء بعد العلم والإيقان؛ عناداً وتعنُّتاً، والمعاند لا يَنْفع الحوار معه بعد ما أنكر الدلائل والبراهين، فهو كمن يُنْكر الشمس في رائعة النهار، وذكر ابن القيم أنه سمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: كيف يُطْلَب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!
وكان كثيراً ما يتمثّل بهذا البيت:

وليس يَصِحُّ في الأذهان شَيْءٌ 
 إذا احتاج النَّهَارُ إلى دليل
وقد سمعت بعض الملحدين يُجَادِل بالباطل عن قوله، وبعد سنوات رجَعَ إلى الله وندم على مقالته، وقد قام كثير من المعاصرين بِرَدِّ أكاذيبهم، ومن الخطأ تسميتها شُبْهَة وهي معلومة البطلان.
وإذا فسدت فطرته واعتراه شك يريد التخلص منه فأبواب أهل العلم مفتوحة، وهم قادرون على إزالة الأوهام من أذهان هؤلاء.
المرأة.. والفتوى

 هل الرجل يتحفّظ على طلب الفتوى الشرعية من امرأة؟ ولماذا؟
القانون العام في الشريعة: أن النساء شقائق الرجال، إلا ما قام الدليل على منع المرأة منه، كالولاية العظمى، وشهادة المرأة في القصاص، وغيرهما من المسائل، ونحن نوقن بأن لله الحكمة البالغة، ولا فَرْقَ بين الرجل والمرأة في الفتوى؛ لأن المدار على التأهل، وعدم قبول المستفتي فتواها قد يكون سببه عادات المجتمع.

 ما أكثر القضايا التي تُسألين فيها؟
العبادات وقضايا الأسرة وأحكام الألبسة والأطعمة والذبائح والأيمان والنذور.

_
_
  • الظهر

    11:30 ص
...