«نقوط» بالريال والدولار في أعراسنا.. ومختصون: مرفوضة
تحقيقات
22 أكتوبر 2015 , 01:32ص
حامد سليمان
حدث مؤخراً في أحد الأفراح: سيل من النقود على مدار أكثر من خمس ساعات فوق الفرقة الموسيقية، هذا هو أبسط تعريف لـ «النقوط»، ثم في النهاية لا يعطى للعروس أو المعرس ولكن لمن يغنون ويعزفون طوال الليل.
ربما أمر إن تفكر فيه الكثير من الشباب والفتيات المقبلين على الزواج لرفضوه رفضاً باتاً، كونه أمراً بعيداً عن التحضير، فضلاً عن أنه بلا فائدة تعود عليهم من هذا الأمر، ورغم أن الكثيرين يرون أنه بلا فائدة، إلا أنه ما زال مستمراً.
وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن النقود الملقاة من فئة الريالات أو الخمس ريالات في أغلب الأحيان، إلا أنها تتصاعد من باب التفاخر في أوقات أخرى، لتكون المحصلة النهائية للنقوط ما بين العشرين ألفا والمئة ألف ريال قطري.
أما رأي الدعاة في هذا الأمر، فإنه محض إسراف وتبذير، وأن «النقوط» تفشت واتسعت دائرتها من باب التفاخر والتباهي بين القبائل والأسر، فحتى وإن وجه المال إلى جمعيات خيرية فهو غير مقبول، فالأصل في المال أنه ما اكتسب من حلال ووجه إلى حلال، والمسلم يُسأل عنه يوم القيامة مرتين، من أين اكتسبه وفيما أنفقه.
محض تبذير
في البداية قال الشيخ سلطان الدغيلبي، مدير مركز أرشدني: «النقوط» في السابق كانت عبارة عن مبلغ من المال يهديه أحد الأقارب أو الجيران لأهل المعرس ليعينهم على تكاليف الزفاف، وهذا أمر محمود، وفيه الكثير من روح التعاون والتكاتف التي نحتاجها في الزواج الذي أصبح مكلفا في الكثير من جوانبه.
وأضاف: رمي «النقوط» على العازفين والفرق الموسيقية أو الراقصات أو غيرها من المظاهر التي بدأت في التفشي بمجتمعاتنا فهي غير جائزة شرعاً، فهو وجه من أوجه التبذير، فلا منفعة منه للمعرس أو العروس أو المجتمع، خاصة أن هذه الأموال تحصل عليها الفرق الموسيقية أو المطربين.
وتابع الدغيلبي: هذه العادة السيئة انتشرت خلال السنوات الأخيرة، ولكنها ولله الحمد بدأت في التراجع، مع اقتناع الكثيرين بأنه لا فائدة من هذا السلوك، وإن كان البعض ما زال متمسكاً بها.
وأوضح أن المزايدات والمباهاة التي اكتنفت الكثير من أمور الزواج لم تدع أمر «النقوط» على ما هو عليه، فبدأت المزايدة في الأمر، وبدلاً من رمي «الخردة» أي الريالات والخمس ريالات، بدأ الأمر في الزيادة، فيرمي البعض أوراق من فئة الخمسين ريال والمئة ريال، وصولاً إلى إلقاء بعض الحضور لأوراق من فئات الدولار المختلفة على الراقصات والمطربين، وهو أمر محزن، حسب قوله، فهو تبذير واضح وإنفاق للأموال في الباطل.
وأشار الشيخ سلطان الدغيلبي إلى أن نزعة التفاخر بـ «النقوط» وصلت حد إلقاء الأموال على أسم الأسرة أو القبيلة، فيلقي الشخص الأموال باسم قبيلته، وهذا فتح الأبواب واسعة على التباهي، فتجد غيره يلقي بسخاء ليتفوق عليه، والأمر في تصاعد مستمر، وفي منافسة قوية فيما هو باطل، لذا نأمل أن يتعاون المجتمع في تركها، كما تركنا الكثير من العادات الأخرى.
ونوه إلى أن البعض سعى إلى تحليل «النقوط» عن طريق ربطها بالجمعيات الخيرية، فتجد من يقول لك بأن كل ما سيجمع في هذا الزفاف سيتم توجيهه لإخواننا المحتاجين في بلد ما، وهو محاولة غير صحيحة لتشريع إلقاء الأموال على المطربين والراقصات، فالتبرع غير جائز، فلا يقبل للتصدق إلا الطيب، ومن أراد أن يتصدق فطريق الجمعيات الخيرية معلوم، وأبواب الخير مفتوحة على مصرعيها لمن أراد أن يساهم، و «النقوط» بالصورة المنتشرة لا يجوز التصدق به، ويظل عادة سيئة لا بد أن تندثر، فالأصل في المال هو الحل إلا ما اكتسب بصورة محرمة وهذه من الصور المحرمة التي نريد ألا تنتشر.
وأشار الدغيلبي إلى أن بعض العائلات بدأت تتفهم حرمة «النقوط»، وبدأت ترفض هذا السلوك في حفلات زفاف أبنائها وبناتها، وهو توجه جيد نأمل أن يعمم مستقبلاً.
وأكد أن المغالاة في الزواج ليست من الدين في شيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم زوج بخاتم من حديد، وزوج بشيء من القرآن، وقال لأحد الصحابة «أولم ولو بشاة»، فالوليمة كاملة كانت شاة، والمغالاة والمباهاة المنتشرة في الدول العربية بصورة عامة والخليجية خاصةً والمتمثلة في غلاء المهور والحفلات باهظة التكلفة وغيرها من المظاهر تعد سبباً رئيسياً في ارتفاع معدلات العنوسة، بل إن بعض الشباب بدؤوا في التوجه للزواج من الخارج، لأنهم غير قادرين على كل هذه المغالاة، ورغم التوعية والتثقيف إلا أن المباهاة ومجاراة المجتمع ما زالت سارية في كل أسرة وعائلة، وهو سبب رئيسي في استدانة الكثير من شبابنا.
وأشار الدغيلبي إلى أن نسبة البنات إلى الرجال ارتفعت بصورة كبيرة، فبلغت النسبة شاب مقابل أربع فتيات في دول الخليج بصورة عامة، فلا بد أن يعين أولياء الأمور على الزواج وأن ييسروه، وأن يجعلوا الزواج جماعيا أو عائليا، فالأموال التي تضيع سدى تنفع الأسرة بعد الزواج.
وقال الدغيلبي: قاعات الرفاع للاحتفلات تمثل لفتة جميلة من الدولة لمساعدة وحث الشباب على الزواج، خاصة أن قاعات الفنادق وصلت لمبالغ كبيرة تؤثر على الكثير من شبابنا، إضافة إلى مشروعات تابعة لمؤسسات خيرية كإعفاف التابع لمؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية وزواج التابعة لقطر الخيرية، فكلها بذرة أمل في القضاء على المغالاة في المجتمع القطري ومساعدة الشباب.
عادة قديمة
من جانبها قالت الاختصاصية النفسية الدكتورة أمينة الهيل: «النقوط» عادة قديمة، فكان الأقارب والجيران يعطون هذه النقود لأهل المعرس للمساهمة في حفلات الزفاف، وتغيرت من فترة لأخرى، وهو أمر غير جديد على المجتمع، وكنا نلاحظ هذا الأمر في صغرنا، وهو أمر لا علاقة له بالدين ولكنه عادة تناقلت جيل بعد جيل.
وأضافت: «النقوط» في هذه الأيام تحصل عليه الفرقة الموسيقية، وهي تتكون من عشرة إلى عشرين فردا يتم توزيع النقود فيما بينهم، وبعض الفرق تتفق على أن يكون «النقوط» من داخل الأجر، فيما ترفض بعض العائلات هذا الأمر، رفضاً لهذه العادة نفسها.
وأردفت الدكتورة الهيل: الوعي انتشر بين الناس، وهناك إقبال كبير على الالتزام بالنواحي الدينية، فحتى الأموال التي تجمع كنقوط في بعض الأعراس تقدم للجمعيات الخيرية، وقد حضرت بعض حفلات الزفاف، ورأيت مندوبات لمؤسسات خيرية يقمن بجمع هذه النقود للمساهمة في مشروعات الجمعية.
وأوضحت أن الكثير من الأفراح باتت بلا «نقوط» فتتفق أسرة المعرس مع الفرقة على أخذ مبلغ مالي، وعدم أخذ أي نقود أخرى، فيكتبوا في بطاقة العرس أن «النقوط» ممنوع، وتكون عبارة عن رسمة دولار وعليها علامة خطأ، وحتى من يشارك في هذه العادة فهو غير مجبر، والأمر متروك له، ويختلف من شخص لآخر وكلٌ يدفع على حسب قدرته المالية، والأمر في تراجع مستمر.
وأشارت إلى أن بعض الفرق تتمسك بأخذ مبلغ مالي بسيط ولو عشرة آلاف ريال فحسب، في مقابل أن يحصلوا على «النقوط»، منوهة إلى أن وجود هذا التنوع ينم عن توجه إيجابي، فالمعرس يحدد مع أي فرقة يود أن يتعامل.
وقالت الاختصاصية النفسية إن إلقاء النقود على العروس أو الفرقة الموسيقية تنم عن الفرحة، وليس لها أي بُعد نفسي آخر، وهو تقدير من وجهة نظر الشخص الذي يقوم بهذا الأمر للعروس وأهلها، فهي من وجهة نظره غالية، والبعض يلقي في أحيان أخرى ذهبا على العروس، فالأمر تعبير عن الفرحة، والأمر متعلق بنفسية الإنسان، فقد يكون تباهيا أو محبة أو تفاخرا أو مودة أو فرحة أو غيرها من أمور يمكن أن تكون في نفس الشخص الذي يقوم بهذا الأمر، فالأمر يختلف من شخص لآخر.
ونوهت إلى أن عادة «النقوط» في تراجع مستمر، والكثير من الفتيات يرفضن هذا الأمر، وبعضهن تمهر دعوتها بكلمات متميزة كـ «انثروا الورود بدلاً من النقود»، مشيرة إلى أن تراجع أي عادة سيئة في المجتمع يحتاج إلى وقت طويل، فهذه العادة بدأت تقل في المجتمع.
تصل لـ100 ألف ريال
وقالت المواطنة س.أ: «النقوط» أمر متعارف عليه في غالبية الأعراس، وتختلف من مدعو لآخر، فالبعض يلقي ريالات على الفرقة الموسيقية، وآخرون يلقون أوراقا فئة خمسة ريالات، صعوداً حتى فئة المئة ريال، ومن المبالغة في أمور الزواج أن وجدنا في الفترة الأخيرة من يلقي دولارات على الفرقة الموسيقية.
وأضافت: الأموال التي تلقى على الفرقة الموسيقية «النقوط» تأخذها الفرقة الموسيقية، فلا توجه إلى عمل خيري أو نحوه، وغالبية الفرق تحرص على هذا الأمر فتتفق على مقابل نقدي بسيط ليتضمن الاتفاق أن تحصل على «النقوط»، لأنها في الغالب تفوق ما يمكن أن تتقاضاه الفرقة بكثير.
وتابعت: يمكن أن يصل إجمالي «النقوط» في بعض الأفراح إلى 100 ألف ريال، ولكنها لا تقل بأي حال من الأحوال عن 20 ألف ريال، ولذلك تحرص الفرقة الموسيقية على الحصول عليها، كون أجرها لا يتجاوز العشرين ألفا بكثير.
وأوضحت س.أ أن «النقوط» يتلخص في إلقاء أموال على العروس أو الفرقة الموسيقية بداية من الحفل وحتى نهايته في ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي، فطوال أكثر من خمس ساعات نقود تُلقى على هؤلاء الأشخاص، وفي بعض الأحيان بشكل هيستيري ينطوي على الكثير من التفاخر بين نساء القبلتين أو الأسرتين، وفي مجاملة لا طائل منها، فعوائدها في النهاية للفرقة الموسيقية فحسب.
وأشارت إلى أن السعة المالية للكثير من المواطنين فتحت أبواب التفاخر في شتى أمور الزواج، وهو أمر انعكس سلباً على الكثير من الشباب والفتيات المقبلين على الزواج، فتسبب في ارتفاع معدلات العنوسة، منوهة إلى أن المغالاة والتباهي يرتفع سقفها بصورة مستمرة، والضوائق المالية للكثير من المتزوجين حديثاً باتت سبباً في حالات طلاق لا ذنب للشباب فيها سوى إنصاتهم للمجتمع وخوفهم مما قد يقال عليهم إن لم يخرج زفافهم أفضل من الآخرين.
توعية الشباب
ومن جانبها قالت المواطنة ت.م: «النقوط» قسمان منها ما يلقى على الفرقة الموسيقية طوال الحفل، وتكون في الغالب من فئة الريال والخمس ريالات، ولكنها تتنوع، وظهرت في الآونة الأخيرة إلقاء الدولارات في الكثير من الأحيان كنوع من التفاخر المتبادل بين أهل المعرس وأهل العروس.
وأضافت: والنوع الثاني من النقود هو ما يلقى في ختام الحفل، ويلقى على المعرس والعروس أنفسهما ويكون بكميات مضاعفة عن ما ألقى طوال الليل، وفي بعض الأحيان يستحي المدعوين من إلقاء النقود فوق المعرس والعروس، فيمررونها فوق رؤوسهم ثم تعطى للفرقة الموسيقية.
ونوهت إلى أن كل ما يجمع خلال الحفل تأخذه الفرقة الموسيقية، وهو أمر متعارف عليه في الكثير من حفلات الزفاف، مشددة على أنه عادة قديمة، لا تغيب إلا عن النذر القليل من الأعراس.
وشددت على أن «النقوط» من العادات غير المرغوب فيها من قبل الكثيرين، ويتفهم غالبية القطريين أنها ليست بعادة جيدة، ولكنهم في أعراسهم لا يستغنون عنها، فالعرف السائد يعمم خوفاً من أن يقال إن زفاف هذا الشخص أو الفتاة كانت مختلفاً.
وأوضحت أن الأمر يحتاج إلى المزيد من التوعية في تعريف الشباب والفتيات والأسر بسوء مثل هذه العادة، مشيدة بحملات التوعية التي ترعاها المؤسسات الخيرية، ولكنها تحتاج إلى التوسع لتصل إلى كافة أبناء قطر، وأن يتم عمل دورات توعية في المدارس الثانوية والجامعات، كون الزواج المبكر في قطر أمرا متعارفا عليه.
س.ص