الهاتف العام يؤرخ للماضي ويختزن ذكريات الناس

alarab
تحقيقات 22 سبتمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
لمّا تنل منها تجاعيد الزمن، فما تزال تحتفظ بقوامها الممشوق وشكلها الجميل وألوانها الزاهية، وتقف بشموخ على جنبات الطريق. وفيما يشبه تمردا على سنن الأيام، تتوهم القدرة على إغواء السابلة بطرفيها الزرقاوين وجسمها المعدني المتلألئ. لكن كبرياءها ونضرة بشرتها وإقبالها على الحياة، لم يعد يغري أيا من الآلاف الذين عشقوها لعقود ورابطوا الساعة تلو الأخرى للظفر بحديث معها لدقائق معدودات. لقد تنكر لها العشاق بعد أن قضوا منها وطرهم وتركوها تغرق في صمت مطبق لا يبعثره إلا عواء الرياح أو عبث الأطفال. هذه حال كابينات الهواتف العمومية. فبعد أن كانت الآلية التي تنقل أتراح وأفراح الناس، بدت الآن أشباحا مهجورة داخل الأحياء وأمام بعض المحلات. وبجانب العديد من الشوارع تنتصب الكابينات العمومية كما لو أنها تؤدي التحية لجمهور تنكر لماضيها الجميل وبادلها الود بالجفاء. فمع أن شركة الاتصالات ما تزال تحرص على تعهد الهواتف العامة وصبغها من حين لآخر، فإن الجمهور المستهدف بات ينظر إليها كأجسام تؤرخ لحقبة ما قبل الجوال والإنترنت. ويعكس تشبث الهواتف الثابتة بالبقاء تناقضا صارخا مع نظرة الناس لها، حيث يعد الحديث عنها مجرد مناسبة للعودة إلى نثر كنانة الذكريات واستحضار لحظات كانت الكابينة فيها آلة سحرية تختصر المسافات وهمزة وصل بين الأحباب. غير لائق عمران خان واحد من قدامى المغرمين بالكابينة العامة، فقد بث فيها لأعوام عديدة أشواقه الدافئة وهمومه لأحبة شطت بهم الدار. يتذكر خان أنه عندما قدم للدوحة قبل 19 عاما كان حريصا على إرسال صورة لعائلته يبدو فيها مغتبطا باستخدام الهاتف العام بجانب أحد شوارع السد. لكن خان مثل الغالبية يرى أن استخدام الهاتف العام لم يعد أمرا لائقا، حيث يكفي مبلغ 150 ريالا لشراء هاتف جوال ومعه شريحة اتصال. ويتذكر خان أنه من المألوف مشاهدة بضعة أشخاص أمام الهاتف العام ينتظر كل منهم دوره للاتصال بذويه. أما محمود بكي فيلاحظ أن الهاتف العام الكائن أمام متجره بات مهجورا منذ زمن بعيد، وأن أياما كثيرة تمضي دون أن يسأل أحد عن بطاقة الاتصال الخاصة به، رغم أنها متوفرة بعشرة ريالات فقط. ذكريات ومعاكسات ويقول علي عبدالله إن آخر مرة استخدم فيها الهاتف «المصلوب» كانت قبل 15 سنة في الجامعة، ولا يعتقد أنه سيضطر لاستخدامه في المستقبل. وحسب تقدير عبدالله، فإن شركات الاتصالات تخلت عن هذه الهواتف لأنها لم تعد لها مردودية، لأن الماضي عموما لا يدر دخلا، وبعد طفرة الاتصالات الحديثة بات غريبا أن ترى أحدا يمسك سماعة على الرصيف. ويلاحظ أن كيوتل نفسها تؤمن بأن هذه الهواتف لا تنتمي لجيل اليوم، لذلك أزالت بعضها، فالكابينة التي كان العمال يزدحمون أمامها وتقف السيارات بجانبها بالقرب من المدرسة الفلبينية بالسد لم تعد هناك. ويتذكر عبدالله أن الهاتف العام كان قديما قبلة المراهقين لمعاكسة العوائل أو إجراء أي اتصال لا تمكن ملاحقة صاحبه من أي جهة.. وهناك الكثير من القصص في هذا المجال. لكنه يلاحظ أن جيل اليوم تخلى عن هذه العادة، فقد أتحفتهم التكنولوجيا بشاشات ساحرة يستمرون أمامها طوال اليوم. الرطوبة والطوابير وفي النصف الأول من التسعينيات، يتذكر عبدالله أنه كان يضطر للوقوف في الطابور في جو تمتزج فيه الرطوبة بالحر في انتظار فرصة الاتصال من الهاتف العام. ولعل الميزة التي يتذكرها الجمهور جيدا هي سهولة التحايل على هذه الهاتف، حيث تفنن البعض قديما في ابتكار طرق للاتصال منه بالمجان. ويتذكر عبدالقادر أن أحد العمال الآسيويين دأب على إدخال البطاقة بوضعية تتيح له الاتصال دون أن تخصم الكابينة ريالا واحدا من رصيده، وظل يتصل بوطنه لساعات طويلة كل يوم إلى أن هدده بعض معارفه بتبليغ الشرطة عنه. ويبدو من خلال ملاحظات كثيرين أن شركات الاتصالات وشركات تصنيع الهواتف تواصت بعزل الهواتف العامة نظرا لرخص أجهزة الجوالات وتدني كلفة الاتصال من خلالها. وفي حين تطرح شركات مثل سامسونج ونوكيا هواتف بثمانين ريالا فقط، تقيم شركات الاتصالات عروضا على شرائح الاتصالات لبيعها بـ25 ريالا وتمنحها بالمجان في بعض الأحيان. وأمام هذا الوضع، يقول سالم العبادي إنه لم يعد مستساغا أن يقف الناس في الرطوبة للاتصال من الهواتف المنتصبة على الشارع. ويعود العبادي بذاكرته 17 سنة إلى الوراء، حيث كان يركن سيارته إلى جانب الشارع ليتصل من الهاتف العام بالبيت أو مكان العمل. فسحة في الماضي لكن الذكريات الجميلة لا تشفع للهواتف الثابتة عند العبادي، حيث يطالب كيوتل بأن تزيل هذه الكابينات لأنها لم تعد تقدم خدمة رغم أنها «تختزن ذكريات لا تنسى». فباستثناء المطار والمنافذ البرية، يرى أنه لم يعد هناك من داع لتواجد هذه الهواتف، لأن أحدا لم يعد يستخدمها، حسب تعبيره. أما محمود سعد، فيرى أن الحديث عن الكابينات العمومية عبارة عن فسحة في متحف الماضي، فحتى الهواتف المنزلية أصيبت بالخرس منذ أعوام. ويرى سعد أنه يكفي وجود عدد محدود من الكابينات عند الدورات الشهيرة للشهادة على حقبة معينة من تاريخ الاتصالات في قطر. وحتى في المطارات، لا يرى أن هناك داعيا لوجودها، لأن الراكب القادم من موزمبيق أو من ميانمار يصطحب معه جوالا بإمكانه استخدامه في كل مكان، فما بالك إذا كان قادما من دول الغرب. غير أن البعض لا يرى حرجا في أن تظل الهواتف شاخصة على الرصيف، لأنها ما تزال موجودة في العديد من البلدان التي سبقت قطر في التطور التكنولوجي وثورة الهاتف الجوال. ومن خلال أسفاره، يلاحظ فهد حمد أن العديد من مواطني الدول الغربية والمغرب العربي ما زالوا يستخدمون هذه الهواتف بشكل يومي، وهي تقدم في النهاية خدمة للجمهور. لكن البعض يلاحظ أن شركات الاتصالات هي الأخرى باتت تدرك حتمية زوال هذه الهواتف، لأنها لا تشملها بالعروض التي تعلن عنها من حين لآخر. تقارير وإحصاءات ولا تكاد ترى أثرا للكابينات العمومية في موقع شركة اتصالات قطر كيوتل، فكل العروض والإحصاءات والأخبار تتناول الهاتف الجوال والإنترنت، والهاتف المنزلي على استحياء. كذلك تعمق التقارير والإحصاءات جراح «الهاتف القائم»، حيث تحتل قطر رقما متقدما بين مستخدمي الجوال على مستوى العالم. وحسب تقرير المجلس الأعلى للاتصالات لعام 2011، وصلت نسبة استخدام الجوال في قطر إلى %135، ما يعكس أن الهواتف العامة تحث الخطى للاختفاء من حياة الناس، وإن ظلت مصممة على التواجد على الرصيف. ويعزو يعقوب عبدالله -وهو خبير اقتصادي- عزوف الناس عن استخدام الهواتف العمومية إلى شركات تصنيع الجوال التي جسرت الهوة بين الطبقات، حيث تطرح من حين لآخر تشكيلات رخيصة يمكن للعمال البسطاء اقتناؤها لتكون النتيجة هي أن الجميع يستخدم الهاتف الجوال. كذلك الحال بالنسبة للإنترنت، حيث يبدو العامل البسيط حريصا على الاشتراك بها، وكأنه كتب على البسطاء مسايرة الميسورين وتسديد فواتير إرهاصات تقنية العصر الحديث، كما يلاحظ عبدالله.