الثوب القطري لا يزال صامداً في وجه صراعات الموضة.. وشباب يقترضون من أجل «الكشخة»
تحقيقات
22 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - أيمن يوسف
يعبق الثوب القطري التقليدي بمضامين عديدة، أهمها تراث ورثه المواطنون كابرا عن كابر، من ثوب إلى غترة فعقال. وما زال هذا الثوب يمثل اعتزازا «وطنيا» بالموروث، لكنه ككل ثوب في العالم تدخله محسنات وتزاد إليه تفاصيل من أزرار وياقات وأقلام وساعات.
يتمايز بعض المواطنين عمن سواهم ببعض المكملات من ساعات قيمة غالية الثمن أو أقلام لماركات معروفة ونظارات، بهدف تحقيق الطلة الأبهى أو (الكشخة) التي تتحقق باستخدام ما غلا ثمنه وعرف مصدر صناعته.
كماليات تمثل هامشاً ضيقاً للتفرد
المواطن طلال الأنصاري يرى أن هذه الملابس تقليدية ولا سبيل لتغييرها، وأن الاختلاف والتمايز في الثوب والغترة نادر، فكل يذهب إلى الخياط ويختار نوع القماش الذي يعجبه، ثم يطلب من الخياط أخذ المقاسات، وربما يطلب البعض ياقة مرتفعة أو أكماما ضيقة، ولكنه شخصيا لا يعطي الخياط أي تفاصيل أو متطلبات، فيخيط له الثوب بشكله المعتاد. وغطاء الرأس أيضا (الغترة) هو إما أبيض اللون أو أبيض الأرضية بخيوط حمراء وليس سوى ذلك، وبالنسبة لبقية المكملات فإن وجود الأزرار كبيرة الحجم عادة جميلة برأيه، وهي تعكس هامشا «ضيقا» لإبراز الذوق الشخصي، وهو يحب لبس ما يشبه الماس منها. وحول وضعية غطاء الرأس يقول طلال، إنه لا مجال لتقليد أحد حتى ولو كان مشهورا، وإنه قرأ دراسة تقول بأن المواطن في الخليج يغير وضعية غطاء الرأس مرة كل 15 دقيقة، وأن «من يريد تقليد أحد ينبغي أن يلبس ثيابا عادية أو بدلات ولا مجال للتقليد عند ارتداء الثوب».
ساعات باهظة الثمن
المبالغة في أي شيء تعطي النتيجة المعكوسة -يقول طلال- فهناك اليوم مبالغة في إظهار الكماليات المرافقة للثوب، فهناك من يشتري ساعات بعشرات الآلاف. وينصح طلال بأن يكون ما يشتريه الشاب مناسبا لموقعه الاجتماعي. فلو أن شابا «اقترض واشترى ساعة غالية الثمن لحكم عليه من حوله من الأشخاص بأنها ساعة مقلدة تبعا لوضعه ومركزه الاجتماعي، ولو أن العكس حصل واشترى أحد الموسرين أو الشخصيات المجتمعية المعروفة ساعة مقلدة لما صدق أحد ذلك، وظن الجميع أنها من ماركة معروفة»!
ويفضل الأنصاري شخصيا «شراء هذه الكماليات من ساعة أو قلم أو أزرار من محلات مختصة بالبضائع أصيلة المنشأ، وإن كان سعرها منخفضا». ويلفت إلى أن بعض الأشخاص يشترون هذه الكماليات بشغف كبير، وقد يلبس البعض ماركات من الساعات وأزرار الأكمام التي تكون ذهبا، متناسين حرمته على الرجال. ويقدر طلال أن يكون الشخص محبا ومتابعا للموضة، وأنه يحب في كثير من الأحيان وضع أزرار بلون ماسي على الثوب.
البيضاء مقدمة على الحمراء
ورغم اقتصار أساسيات اللباس القطري التقليدي على الثوب والغترة والعقال إضافة إلى الحذاء، فإن علي المالكي -صديق طلال- يرى أن غطاء الرأس يختلف في دلالته، فالغترة باللون الأبيض تستخدم للمناسبات العامة والخاصة وتبرز أناقة مرتدي الثوب، ويرى أن نسبة من الشبان القطريين يفضلون استخدام الحرير في صناعة هذه الغترة، ويرجع السبب إلى أن مصنعي هذه الثياب هم أجانب في الغالب، ويجربون كثيرا من الخيوط والأقطان في صناعتها.
زيادة الأسعار
ويستغرب علي -الذي يعمل موظفا في إحدى الهيئات الحكومية- من السرعة التي زادت بها أسعار الأثواب المحلية التقليدية حتى قبل نهاية سبتمبر، ويقول إن الطلب يزداد حتى بعد فترة الأعياد التي تعد موسما «ممتازا» لصناعتها وبيعها. ويؤكد أن هناك خطأ «ارتكبه بعض المصممين بتصميم زي شتوي من الثوب وبألوان غامقة لا تناسب أبدا أجواء قطر حتى في موسم الشتاء، فضلا عن تكلفته العالية (بين أربعة وخمسة آلاف ريال).
وبالنسبة لمكملات الثوب فإن %50 برأيه هي تقليد لبضائع من ماركات شهيرة ويعرضها البائع بصفتها مقلدة.
أقلام وساعات تعار من أجل المظهر
ويضطر علي أحيانا إلى استعارة قلم غالي الثمن من أصدقائه إذا أراد لقاء شخص مهم في مكتبه، وبرأيه فهذا حل منطقي لمن لا تسمح له قدراته المادية بشراء مكملات غالية الثمن من قلم أو نظارة.. ويرى علي أن الشبان يعتبرون مقترين بالإنفاق على تلك الكماليات نسبة إلى ما تنفقه الفتيات على مستلزمات ومكملات الأناقة من «شنطة وعباية وجوتي» والتي تتجدد باستمرار وبنسبة كبيرة. ويستغرب من هذه المبالغة في لباس الفتيات، فالشبان يهتمون -من وجهة نظره- بأناقتهم لموازاة أترابهم الآخرين وأصدقائهم، بينما ترتدي الفتيات كل ما غلا ثمنه وخف وزنه بقصد الاستئثار وحب الظهور والتزين، لدرجة تجعلك تستغرب إذا كانت هذه الفتاة أتت للتسوق أو حضور زفاف، أو أنها ستخرج من مجمع تجاري وتذهب لحضور الزفاف، أو ربما كان الزفاف في المركز التجاري وأتت لحضوره.
أزرار للثوب من أحجار كريمة
البائع في أحد المحلات التجارية المختصة بالأحذية وحافظات النقود الجلدية حسن محوك، يقول إن شراء هذه الأمور لا يخضع لموسم أو عمر محدد، فهي مطروحة للجميع وفي الأوقات كافة. ويلحظ حسن زيادة في الطلب على أزرار الثوب (الكوفلين)، ما استدعى من شركته تلبية طلب زبائنها وشراء الكثير منها وعرضها، لأن سوقها يلقى إقبالا «جيدا» وبخاصة التي تنتمي لماركات معينة، فهناك فئة كبيرة من المواطنين تفضل أن تصنع هذه الأزرار من أحجار كريمة وبراقة اللون. وبالنسبة للأحذية يقول حسن إن ألوانها محدودة للغاية، فهي سوداء صيفا وبنية في الشتاء، وقد درج الزبائن على شرائها من هاتين المجموعتين اللونيتين.
الجلديات الإيطالية صاحبة الحظوة
بائع آخر هو أنور، يقول إن الأحذية والمحافظ الجلدية الإيطالية هي الأكثر تفضيلا لدى المواطنين هنا. ويفضل زبائنه أحذيتهم سوداء، بينما لا يفضلون هذا اللون بالنسبة للمحافظ لأنها تظهر من جيب الثوب الأبيض. ورغم ضيق خيارات الألوان بالنسبة للرجال فإنها واسعة للغاية بالنسبة للنساء.
شباب يتبادلون الأفكار
يقول المواطن حسن المري إن بعض الشبان يكثرون من التزين وإضافة الكماليات إلى الثوب، ودخلت تطريزات جديدة على الثوب المعروف، وكثيرا ما نرى شابين أو ثلاثة يرتدون ثوبا بتطريز غريب في دلالة على أنهم يتناقلون الأفكار فيما بينهم ويقومون بإدخال تعديلات على الثوب من ناحية لونه أو شكله، وربما يهملون لبس «الغترة». ويرى المري أن هذه سنة حياتية، فما لبسه المواطنون قبل خمسين عاما يختلف عما يلبسه أبناؤنا وأحفادنا.
تكاليف التراث أكثر
ويذكر حسن أن التراث القطري كان فيه ما هو مكلف أكثر من الآن، وهو (الشلحة) التي ارتداها علية وكبار القوم، للدلالة على مكانة الفرد في المجتمع. وربما صنعت من الحرير الخالص أو من أجود أنواع الأقطان في العالم، إضافة للخنجر المصنوع من الفضة، ولكنها اليوم انحسرت بشكل كبير إلا عند الوجهاء.
أناقة يحددها الوضع الاجتماعي
ويرى المواطن جاسم المالكي أن الشخص يتدرج في حالات اجتماعية تفرض عليه ما يرتديه وما يضيفه إلى لباسه. فحاله وهو طالب جامعي تختلف عنها في الوظيفة، وتختلف إذا ما كان مديرا لمجلس إدارة شركة ما، وبالنسبة للكماليات، هناك من يرتديها بحكم موقعه الاجتماعي، فيقتني قلما غالي الثمن لتوقيع
عقود هامة، أو يرتدي ثوبا بأزرار مذهبة. بينما يرتديها آخرون كنوع من التعويض النفسي ومقاربة حاله بحال الأشخاص المهمين ولو من ناحية الشكل فقط. فمفهوم الأناقة يختلف عند الشباب الصغار عنه عند الكبار. وقد انتشرت مؤخرا موضات جديدة خصوصا عند الشباب الصغار الذين تجدهم في المجمعات التجارية والأسواق والأماكن العامة.
يقترضون لشراء ساعات باهظة
من ناحيته يرى الموظف في أحد المؤسسات العقارية محمد اليوسف، أنه لا أحد يقدم لك مفهوما «متكاملا» عن الأناقة الكاملة، وأن الأمر يرجع إلى قناعات كل شخص بغض النظر عن انتشار موضة ما، لافتا إلى أن بعض المواطنين يحبون جدا نوعا معينا من الساعات حتى لو كان من الذهب الخالص، وأن هناك من يقترض لشرائها، ولكن مع مرور الزمن سوف يرى هذا الشخص مساوئ المبالغة وقد تراكمت
عليه الديون ولا مناص من تسديدها..
فنانون يروجون لماركات تجارية
يقول اليوسف، إن القنوات التلفزيونية تحفل اليوم بنجوم في الغناء والتمثيل يلبسون ثيابا من ماركات معينة، وإن هذا الأمر جديد في الخليج، وقد سبقنا إليه نجوم هوليوود، حيث دفعت لهم شركات الموضة مبالغ طائلة بقصد اقتناء منتجاتهم والظهور بها في لقاءاتهم التلفزيونية، وربما حصل النجوم لدينا على هذه الثياب كهدايا من تجار ولبسوها
عفويا، ولكنها على كل حال تسهم في زيادة رواج هذا المنتج أو
ذاك كما النار في الهشيم،
وحسبما يحتله الممثل أو النجم التلفزيوني من موقع في قلوب متابعيه.
الأناقة تعكس شخصية منظمة
عبداللطيف الحسني يرى أن الأناقة شيء مكتسب يتطور مع الزمن سواء للرجل أو المرأة، وأن أي شخص إذا تعود من صغره على اللبس المرتب والنظيف واختلط بأشخاص يهتمون بمظهرهم وأناقتهم فسوف يكتسب هذا الشيء، والعكس صحيح، وأن الأناقة شيء مطلوب خاصة أنها تعطي الآخرين انطباعا جيدا عنك ولكن دون مبالغة. ويفاجَأ عبداللطيف من رجال يجربون حركات شبابية تكون أصغر من سنهم، ويؤكد أن الرجل الأنيق هو بالأساس منتظم الحياة والشخصية.
مظاهر لا غنى عنها
عبدالسميع المحرقي يقول إن الناس ينظرون إلى الشخص الأنيق نظرة تقدير واحترام، ولا يحترمون من لا يعتني بمظهره، ولهذا فهو يلبس لنفسه وعمله وأولاده وزوجته حتى تتقبله عائلته، وأيضا لينال قبول الآخرين. ولو أن الأمر يخصه وحده لما ارتدى سوى «البيجامة»! ويقول المحرقي إن أناقة الرجل تعكس شخصيته وتكملها وتعطي انطباعا أوليا عن الشخص من أول نظرة، عبر نوع القماش أو لونه أو «حطة الغترة» أو الساعة أو القلم أو حتى من رائحة العطر. ولا يرى عبدالسميع ضرورة لمبالغة بعض الشباب في أناقتهم، فليس ضروريا ارتداء أغلى الماركات، فأهم شيء الترتيب والبساطة.