

قيمة المهر قديماً للطبقة المتوسطة بين 10 و20 روبية.. ويرتفع إلى 50 عند المقتدرين
أمثال خالدة: «اسأل عن أمها لي بغيت تضمها».. و«تعلقي يا مرة لو تحت شجرة».. و«حلاة الثوب رقعته منه وفيه»
المظاهر الاجتماعية في قطر قديماً اتسمت باليسر والبساطة والعفوية
رؤية قطر 2030 وجهود وزارة الثقافة وراء الاهتمام بكل عناصر التراث القطري
المجتمع القطري متمسك بأصالته وهويته الإسلامية رغم التطور والحداثة
تختلف أعراف وتقاليد الزفاف من بلد لآخر، ونجد لكل شعب من الشعوب عادات تميزه وتتناسب مع طبيعة حياته وبيئته، الأمر الذي نجده واقعا في الحياة الاجتماعية القطريّة، ولعل من أبرز هذه العادات، عادات وتقاليد الزفاف وما قبله من خطبة وأجواء الزواج والاستعدادات في بيتي العروس والمعرس. العرب حاورت السيدة آمنة راشد الحميدي الباحثة في التراث القطري لتعود بنا في هذا اللقاء إلى التاريخ والتراث القطري المتعلق بالجانب الاجتماعي فيما يخص الزواج والزفاف وكيف كانت العادات والتقاليد وماذا تبقى في هذا الشأن.. وإلى نص الحوار:
◆ بداية نود أن نقف على أهمية الأعراس في المجتمع القطري والاهتمام بها؟
■ تعتبر الأعراس أحد أهم الأحداث بالنسبة للجميع في المجتمع القطري قديما وحديثا والدليل على ذلك احتواء التراث القطري الشفهيّ على الكثير من الأمثال الشعبية التي تتعلق بالزواج؛ فهناك أمثال تتعلق بالدعوة لحسن اختيار الزوجة مثل (اسأل عن أمها لي بغيت تضمها) وأمثال للحث على التمسك بالحياة الزوجية مثل (تعلقي يا مرة لو تحت شجرة) وفي التكافؤ والتوافق الاجتماعي هناك مثلا: (حلاة الثوب رقعته منه وفيه).. وغيرها الكثير من الأمثال والأقوال التي تدور حول الزواج كحدث له قيمة كبيرة في المجتمع.
مناسبات واحتفالات
◆ وماذا عن التقاليد الاجتماعية التي ارتبطت بالأفراح قديماً؟
■ قديماً كانت المظاهر الاجتماعية في قطر من مناسبات واحتفالات مرآة عاكسة لحياتهم التي اتسمت باليسر والبساطة والعفوية.. ورغم هذا البساطة إلا أن تقاليد الزواج القطري كانت في الوقت ذاته متنوعة ومتعددة تعكس ثراء الموروث القطري. فهناك سلسلة تبدأ من (الخطبة) لاختيار العروس مروراً بـ (الملكة) وهي عقد القران بعد الاتفاق على المهر بين عائلتي الزوج والعروس التي تكون غالبا من الأهل، ثم (الدزة) وهي احتياجات العروس من ذهب وملابس.. ويخصص يوم معين تدعو فيه أم العروس الأهل والجارات لاستعراض و(فل) هذه (الدزة) أمامهن في بيت العروس.
وتمتد هذه الاستعدادات لتشمل إعداد (الخلة) وهي غرفة العروس في بيت أهلها حيث جرى العرف أن تبقى العروس سبعة أيام بلياليها في بيت أبيها.. تزين الخلة القطرية بالمرايا الطولية وأشهرها بوطاووس وتغطي قطع القماش الملونة جدران الغرفة. مرورا بليلة العرس المرتقبة التي تحييها الفرق الشعبية، ثم ختاماً بيوم الهدية، وهو انتقال العروس من بيت أهلها إلى بيت أهل الزوج ترافقها مجموعة من القريبات والجارات. وفي بيت المعرس وهو غالبا بيت أبيه يتم استقبالهن والترحيب بهن.
«أم العروس خالي ومتروس»
◆ وكيف كانت استعدادات أم العروس في مثل هذه الأيام؟
■ في الثقافة القطرية دور الأب ينتهي بعد (الملجة) أو عقد القران.. بينما تلقى المسؤولية بكاملها على أم العروس. وهناك تعبير قطري يقول: (مثل أم العروس خالي ومتروس) ويستخدم للتعبير عن انشغال أم العروس الشديد بزواج ابنتها.. فهي من يجهز متطلبات العرس والخلة والدزة وليلة العرس حيث تستقبل المدعوات والإشراف على توزيع الطعام في ليلة العرس وأيضا في صباح اليوم الأول للزواج. طبعا هنا يبرز التعاون والتكافل والتآزر الاجتماعي حيث تساعد الجارات والقريبات أم العروس في هذه التجهيزات العديدة..
وقد سمعت من نساء كبيرات السن أن أم العروس لا ترقص في ليلة عرس ابنتها، فقط ترحب وتستقبل المعازيم ولكن لا تشاركهن الرقص بتاتا لأن ذلك يعتبر خروجاً عن العادات والتقاليد.
◆ إذا أردنا أن نتحدث عن ليلة العرس وطبيعتها في منزل الزوج والزوجة قديماً.. ماذا تقولين؟
■ بيت العروس هو مكان الحفل الرئيسي حيث تتزين العروس بالزينة وتلبس كل الحلي، وتتوافد النساء للمشاركة في هذه المناسبة الجميلة بالرقص حيث تغني (الفرقة الشعبية) النسائية مجموعة من الأغاني الشعبية الجميلة، ثم يتم دعوتهن لوليمة العرس..
أما العريس فيستضيف في منزله أهله وجيرانه، وقبل صلاة العشاء تزفّه الفرقة الرجاليّة مع مدعويه إلى عروسه في بيت أبيها حيث تستقبله الفرقة النسائيّة بدفوفها وطبولها لينتظر في الغرفة التي أعدت «للخلة» ثم تأتي إليهم عروسه محمولة على سجادة.
وأحب أن أوكد أن حفلات الزواج كانت وما زالت منفصلة للنساء والرجال، فالمجتمع القطري من المجتمعات الإسلامية التي ما زالت تحتفظ بأصالتها العربية، وتعتز بدينها الإسلامي، ولذا فإن كثيراً من تقاليده وأعرافه ترتبط بشعائر الإسلام.
المهور
◆ وماذا عن المهور؟
■ قديماً كان يتم تحديد مهر العروس من قِبل أهلها، وكانت قيمة المهر في الماضي محدودة نظراً لصعوبة الحياة، ففي المستويات الطبقية الوسطى كان المهر نقدياً يتراوح ما بين (10 و20) روبية، في حين يصل المهر أحياناً عند المقتدرين فوق الخمسين روبية (حسب ما أشارت إليه إحدى الدراسات البحثية) وهنا تبرز لنا صورة مشرقة تعكس جانبا من مظاهر التكافل، حيث يقوم الجميع من الأهل والأقارب بمد يد العون للعريس حيث يتعاونون بدفع ما تجود به أنفسهم كل حسب مقدرته لمؤازرته في تخفيف أعباء الزواج.
◆ وماذا تبقى من هذا التراث اليوم؟
■ الحياة في قطر مزيجٌ من الحداثة والتقاليد المستمدّة من ثقافتنا العريقة؛ رغم الطابع العصري الذي يتجلّى في المرافق والبنية التحتية المتطورة جدا، ما زال تراثنا وتقاليدنا وثقافتنا متجسّدين في كل ما نقوم به، وفي جميع تفاصيل حياتنا المحيطة بنا بشكل أو آخر.. وذلك يعود لسببين رئيسيين أولهما أن ترسيخ قيم وتقاليد المجتمع القطري والمحافظة على تراثه جزء مهم من رؤية قطر الوطنية 2030 حيث تشكّل هذه الرؤية منارة توجّه تطور البلاد الاقتصادي والاجتماعي والبشري والبيئي في العقود المقبلة.
ثانيا الجهود الواضحة لوزارة الثقافة بقيادة سعادة الشيخ عبد الرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة لإحياء التراث بكافة أنواعه في قطر وصونه والمحافظة عليه.
أمة بلا ماضٍ لا حاضر لها
◆ وهل تطور الحياة يعني أننا تخلينا عن هذا التراث؟
■ لا.. لم ولن نتخلى عن تراثنا فأمة بلا ماضٍ لا حاضر لها. ثمة ترابط وثيق بين التراث والهوية، فلا هوية بدون تراث تستند إليه الأمة، ولا تراث إذا لم يؤسس للهوية، فالتراث والهوية عنصران متلازمان يُشكلان في مجموعهما الذات والشخصية الفردية والجماعية.
نعم، إن احتكاك المجتمع القطري بكثير من الثقافات المتنوعة، بالإضافة إلى تغيّر الظروف المعيشية وارتفاع دخل المواطن القطري أدى إلى تغيرات كثيرة طرأت على «العرس القطري». وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع إنساني فالتغيير سنة الحياة، ولكن علينا أن نتقبل التغير ونرحب به بشرط ألا يمس الثوابت الدينية والمجتمعية.
جدير بالذكر أن الباحثة آمنة راشد الحميدي، هي باحثة في التراث وشاعرة عملت بتدريس اللغة الإنجليزية، ونشرت قصائدها بطريقة مصورة، ثم توالت الأعمال الشعرية المصورة والتي غالبا تحتفي بالتراث وتبرزه. حيث حرصت على الاحتفاء بالكلمة المحلية الجميلة والفكرة التراثية بقالب جديد مصور بعيدا عن قالب القصائد المكتوبة.