مجلس الداما بسوق واقف يحيي عادات وتقاليد «أيام زمان»

alarab
منوعات 22 أغسطس 2011 , 12:00ص
الدوحة - عمر عبداللطيف
هو في الأصل مجلس للعبة «الداما»، لكنه أيضا مجلس يتسامر فيه الأصدقاء، ويجتمعون يوميا للحديث عن همومهم الشخصية. إنه مجلس «الداما» بسوق واقف، حيث يجتمع الأصدقاء يوميا، كما يشرح رئيس المجلس محمد سعد السليطي في حديثه لـ «العرب». فالمجلس ليس «للعبة الداما فقط»، بل هو مكان يجتمع فيه «الشباب» للحديث في أمور ثقافية وحياتية، فضلا عن «سوالف رمضان والأجواء الرمضانية، مثل: أسعار اللحم والمواد الاستهلاكية وغيرها». قضايا شخصية وثقافية وحياتية.. حديث مجلس «الداما» ما يجري في بعض البلدان العربية أيضا، يشكل موضوعا للنقاش في أحاديث المجلس، كما أن الأمور الشخصية والعائلية حاضرة بقوة أيضا: «نجتمع يوميا ونرحب بأي شخص، في رمضان وغير رمضان». يجتمع الأصدقاء في رمضان بعد التراويح، أما في الأيام العادية فيجتمعون صباحا حتى أذان الظهر ثم عصرا بحدود الساعة 5 حتى الساعة 11 ليلا.. البعض يزور المجلس كي يتعرف على الداما، وآخر ليتعرف على تاريخ سوق واقف والتصاميم القديمة والأسقف الخشبية، وآخر يسأل عن المناطق الأثرية في الشمال.. وهكذا كما يوضح السليطي. هذا المجلس أبعد السليطي عن مجلسه الخاص، فهو لا يستطيع أن يغادر مجلس الداما إلا قليلا، فقد يأتيه ضيف في أي وقت: «لا أستطيع الخروج، خاصة أن الضيوف قد يأتون في أي لحظة، ومنهم ضيوف على مستوى عالٍ. يجب أن نستقبلهم ونعطيهم فكرة عن المجلس». الإعلامي علي جاسم الجاسم من بين رواد المجلس، وهو أحد مؤسسيه. ورغم أنه لا يلعب «الداما» فإنه يرتاد المجلس يوميا لرؤية الأصدقاء خاصة في فصل الصيف، حيث الجو «لا يساعد»، فهو يعشق المجلس وسوق واقف، لأنه كان يسكن هنا منذ عشرات السنين: «جدي ووالدي كان بيتهما هنا قرب السوق. هذه المنطقة عزيزة علينا كثيرا، ولما رمموا السوق أحببناها أكثر، وأنا أحب التراث بشكل عام». هذا المجلس يجمع الأصدقاء بما فيه من ألعاب شعبية، وهنا «أطالب بأن تكون جميع الألعاب الشعبية موجودة في المجلس، وليس الداما فقط، مثل: الكيرم والدومنا والقرقيعان وغيرها». خاصة أن المجلس له دور كبير في إحياء التراث. ويشكر الجاسم المكتب الهندسي الخاص على تخصيص هذا المجلس الذي يجمع الأصدقاء يوميا، خاصة في رمضان والصيف، حيث توجد المسابقات والحركة تصبح أكبر، مشيراً إلى أنه يفتقد إلى أيام زمان، حيث «القرقيعان». ويوضح الجاسم أن البعض يتحدث فيما يجري في بعض البلدان العربية، بينما يتحدث آخرون في أمور التراث: «أنا شخصيا استفدت من الكثيرين حول موضوع التراث، خاصة من مهنا العسيري وكتبه عن الطيور والحشرات.. نحن في الأربعينيات وهو أكبر منا، يحكي لنا عن التراث والبحر والصيد واللؤلؤ وتاريخ سوق واقف، وشخصيات قطرية». وبرأي الجاسم فإن رمضان له طابع خاص في جميع المجالس، خاصة مع «السهر والغبقات ولعب الورق وأكل الذباح والسمك والمحمرة». «الغبقة» جزء لا يتجزأ من مجالس رمضان في رمضان تتأخر الجلسات حتى الساعة الواحدة ليلا، حيث يجتمع رواد المجلس على مائدة «الغبقة» حوالي الساعة الثانية عشرة ليلا، وهي تقليد رمضاني غالبا ما يكون فيه السمك الوجبة الأساسية مع «العيش المحمر». إنها أكلة مشهورة، يعرفها الجميع في رمضان حسب السليطي، الذي يشير إلى أن البعض يفضل «الغبقة مع اللحم، وآخرون يفضلونها مع المحمر والصافي، وبشكل عام معظم الناس يفضلون السمك مع الأرز والسكر والدبس». هذه «الغبقة» عادة ما يجتمع عليها الأصدقاء ليلة الجمعة، البعض يحضر معه الطعام كمجهود شخصي، وأحيانا كل شخص يحضر معه بعض الطعام، كما يشرح السليطي. مجالس رمضان ما بين أيام زمان واليوم عادات وتقاليد رمضان أيام زمان لم تتغير كثيرا عن اليوم، فالعادات ما زالت موجودة ولم تندثر كما يؤكد السليطي: «بعض الأشخاص تغيروا، لكن الأغلبية ما زالت محافظة على العادات القديمة».. فمأكولات رمضان ما زالت كما هي مثل: «الهريس، الثريد، الساقو، الخبيص، اللقيمات»، وهي أكلات شعبية تحضر في البيت، كما يؤكد يقول السليطي الذي نوه إلى أن مأكولات جديدة معظمها من سوريا ولبنان والأردن دخلت على حياة القطريين، مثل: «القطايف والكنافة، ورق العنب وغيرها، لم نكن نعرف هذه الأكلات من قبل». ماذا عن المسحر؟ يقول السليطي إنها عادة اندثرت ولم تعد موجودة. فسابقا كان السليطي يخرج برفقة أطفال الحي مع المسحر، ويدورون معه في الحي، وهو يحمل الطبل ويغني: «لم تكن الكهرباء موجودة، كان الفانوس يوضع في سيارة يركب فيها المسحر من الخلف وهو يدق على طبله ويغني لإيقاظ الناس على السحور»، أما اليوم فقد تغيرت الأمور.. الناس تسهر حتى السحور وكذلك الأطفال: «قبل ذلك كانوا ينامون باكرا، اليوم الكل سهران». بينما يرى الجاسم أن المجالس كانت بسيطة وليست بالصورة الحديثة والرفاهية الحالية. كانت ميزة المجالس أن كل حي فيه مجلس كبير، أو كبير الحي لديه مجلس يجتمع فيه الكل: «نحن لحقنا على السبعينيات ونهاية الستينيات، وكنا نسهر كثيرا. لحقت رمضان في الصيف، كنا نسهر للصباح، ونستفيد من كبار السن، فضلا عن قراءة القرآن». أما المأكولات الشعبية المشهورة، فقد كانت متوفرة بشكل كبير حسب الجاسم، وما زالت موجودة، مثل: «الهريس ولقمة القاضي.. بعض الأكلات اندثرت وبعضها ما زال موجودا». مشيراً إلى أن الأحياء كانت تجمع الأكلات الشعبية في صينية كبيرة، ويوزع الأهالي الطعام على بعضهم بعضا.. كل حي يوزع على الحي الآخر. ليس الخدم من يوزعون بل أهل البيت: «طعم الأكل اختلف كثيرا عن السابق. كان الطعم مختلفا». الاهتمامات تختلف من جيل إلى جيل ويرى ناجي راشد النعيمي أن مجالس أيام زمان تختلف عن المجالس الحالية، حتى رواد المجالس يختلفون، فالاهتمامات اختلفت من جيل إلى جيل: «سواف أول كانت عن المعيشة والصيد والرزق، وتربية الأولاد، فالمجلس سابقا كان مثل المدرسة.. كل شخص يتحدث عن همومه». ويوضح النعيمي أن الأطفال كانوا سابقا لا يتجرؤون على الكلام بحضور الكبير: «دورنا هو أن نخدم المجلس». أما حاليا فالناس تتحدث عن السياسية، بسبب وجود الفضائيات والتلفزيون، الذي لم يكن موجودا سابقا. حتى الهموم اختلفت، فاليوم الناس تتحدث عن مستقبل تطورات العمل والعائلة والوضع المادي، فضلا عن مناقشة أحداث الوطن العربي. مجالس اليوم في رمضان لها طقوس معينة مختلقة عما هي عليه في الأيام العادية كما يشرح النعيمي، فالاجتماع في رمضان يكون بعد الفطور والتراويح، ليستمر حتى ساعة متأخرة من الليل حيث «الغبقة»، وكل شخص يحضر ما يستطيع من الطعام، أو تكون «الغبقة» كل يوم على شخص مختلف من رواد المجلس، موضحا أن هذا المجلس له خصوصية معينة، كونه مخصصا «للعبة الداما»، لذلك فطقوسه وعاداته تختلف قليلا عن المجالس الأخرى.