لو انتهت حياتنا بالموت بلا بعث ولا حساب ولا جزاء لأصبحت الدنيا فوضى

alarab
باب الريان 22 أغسطس 2011 , 12:00ص
والمتأخرين ومحاسبتهم {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} قدرة الله سبحانه على حشر المتقدمين هؤلاء الذين يُحْييهم الله ويُميتهم: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ}، خطابٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ}، فهؤلاء لا تنتهي حياتهم بالموت، إنَّ الموت رحلةٌ إلى دار أخرى، كما قال عمر بن عبدالعزيز: إنكم خُلقتم للأبد، ولكن تنقلون من دار إلى دار، حتى يستقرَّ بكم القرار. وقال أبو العلاء في داليته الشهيرة: خُلق الناسُ للبقاء فَضلَّتأمَّة يحسبونهم للنفاد إنمَّا ينقلونَ من دار أعما لٍ إلى دار شقوةٍ أو رَشَاد الناسُ خُلِقوا للبقاء وللخلود، فَضَلَّت أُمَّة من الناس أو أُممٌ من الناس يحسبون أنَّهم خُلقوا لفترة محدودة ثم ينفدون ويفنون وينتهون، فضلَّت أمة يحسبونهم للنفاد، إنما يُنقلون من دار أعمال إلى دار شقاء أو رشاد، ينتقلون بالموت من دار العمل إلى دار الحساب، فيها الشقاء أو السعادة، فيها الثواب أو العقاب، فيها الجنة أو النار. {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} بعد الموت يُبْعث الموتى، وبعد البعث يكون الحشر، بعد أن يُبعث الناس من قبورهم: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر:7]، يحشرهم اللهُ في المحشر، مكان التَّجمُّع، هذا التَّجمُّع العظيم، الأُمم منذ خُلق آدم إلى أن تقوم الساعة، كم من الملايين؟ بل كم من البلايين من البشر؟ الله أعلم. كلُّ هؤلاء سيُحشرون في ساحة العرض، يُعرضون على الله عزَّ وجلَّ، يحشرون، فمنهم مَن يُحشر على وجهه: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا} [الإسراء:97]، ومنهم كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه:126-124]. «يحشر النَّاسُ يوم القيامة حُفاةً عراة غُرْلا»، كما وَلَدتهم أمَّهاتهم، غُرْلًا يعني: غير مَخْتونين، عاد الإنسان كما خُلق أول مرَّة: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:94]، يُحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرلًا. قلتُ: يا رسول الله، النساء والرجال جميعا، ينظرُ بعضهم إلى بعض؟ قال صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، الأمر أشدُّ من أن ينظر بعضهم إلى بعض {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}». انظر إلى الشاب الذي كان يجلس في الطرقات، يُغازل هذه، ويُكلِّم هذه، وينظر إلى هذه، وليس أمامه نساء عاريات، تجده يوم القيامة في حالةِ ذهول من هَوْلِ الموقف والتَّرقُّب إلى المصير المحتوم، فهي نارٌ أو جنَّةٌ، وهي جنَّة الأبد أو نار الأبد، لا يُفكِّر أحدٌ في شهوة أو في شيء، الأمر أهمُّ وأشدُّ من أن يهمَّهم ذلك: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ*وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ*لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34-37]. دلالة ختم الآية بالاسمين العظميين {حَكِيمٌ عَلِيمٌ} {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ} يومَ القيامة للحساب والجزاء والثواب والعقاب؛ لأنه إذا أحاط بهم علمًا لم تصعب عليه إعادتهم وحشرهم. {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}، ومن حكمته: أن يحشُرَهُم وأن يُجازِيَهُم، وإلا لو انتهى الأمرُ بالموت، ولم يكن هناك بعثٌ ولا حسابٌ ولا جزاءٌ، تكون المسألة فوضى، ليس فيها حكمة، يَقتل القاتل، ويَظلم الظالم، وينهب الناهب، ويفعل الطغاة ما يفعلون بالشعوب، يدوسُون كرامات الناس، ويهتكون حُرمات الخلق، ويسفكون دماء البشر بالألوف والملايين، ثمَّ يموتون وانتهى. كثيرٌ من هؤلاء لم يعاقبوا في الدنيا، لأنَّ القانون لم يطلهم، وأحيانًا هم يكونون حماة القوانين وواضعي القوانين، هم الحكَّام -حاميها حراميها- إذن كيف يُحاكم، وكيف يُعاقب؟ لن يعاقب، ثم تنتهي الدنيا. إذن هذا يكون باطلا، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ*أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:27، 28]. مستحيل هذا في حكمة الله تعالى وفي عدله، أن يساوي بين البَرِّ والفاجر، وأن يساوي بين المؤمن والكافر، وأن يساوي بين العادل والظالم، وبين المحسن والمسيء، هذا يتنافى مع العدل ومع الحكمة الإلهيَّة، ولذلك قال: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. ومن حكمته: أنه جعل دارًا للجزاء، ودارًا للحساب، يوفَّى فيها كلُّ امرئ ما عمل، وتُجْزى كلُّ نفس ما كسبت، لا يُظلم أحدٌ شيئًا: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة:8-7]، كلُّ واحد سيرى عمله: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة:6] مكشوفة أمامهم، ويُجَازَون على هذه الأعمال: {وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [النحل:111]. وهذا مبنيٌّ على حكمة الله، وعلى علم الله، إنه يعلم مَنْ أحسن ومَن أساء، يعلم الخيِّر من الشرِّير، يعلم الطيِّب من الخبيث، ويَجْزي كُلاًّ منهم بما عمل، لا يظلم أحد شيئاً: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس:44]، {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. الخلق المنظور والخلق المستور {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ * قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ * قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} [الحجر:44-26]. يريد الله سبحانه أن يعرِّفنا بقصَّة الإنسانيَّة منذ بدء هذه الخليقة البشريَّة، فقال عزَّ وجلَّ: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ}، يذكر لنا قصَّة هذين الخَلقَيْن من المُكلَّفين، الخلق المنظور والخلق المستور. الخلق المنظور: هم البشر بنو آدم. والخلق المستور: هم الجنُّ أو الجانّ. كلمة «جنَّ» تعني: استتر: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} [الأنعام:76]، أي: استتر في ظلمة الليل، فالجنُّ هم الخلق المستورون: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف:7]، خلق مُغيَّبون عنَّا، فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وخلق الجان. الإنسان المذكور في هذه القصَّة هو آدمُ عليه السلام {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}. لم يُذكَر هنا اسم آدم في هذه القصَّة، ولكنَّ القصَّة كلَّها معروفة أنها لآدم، وقد ذُكرت هذه القصة من قبل في سورة البقرة، وذُكرت من قبل في سورة الأعراف، وذُكرت باسم آدم علانيَّة وصراحة، وهنا لم يذكر اسم آدم، ومن المعلوم أنَّ الإنسان الأول هو آدم عليه السلام، هو الإنسان، وهو البشر. لا فرق بين الإنسان والبشر بعض إخواننا الذين تحدَّثوا في هذه القضايا قالوا: الإنسان شيء والبشر شيء، ولكن القرآن لم يفرِّق بين الإنسان والبشر، في الآيات التالية يقول: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، وهنا يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر:28]، فالإنسان هو البشر. الإنسان مخلوقٌ من الأرض {مِنْ صَلْصَالٍ}، طين يابس، يُسمع له صَلْصَلة إذا نُقر، {مِنْ حَمَإٍ}، طين أسود، {مَسْنُونٍ}، متغيّر، أي: تغيَّرت رائحته بعد زمن فتخمَّر، فالمادة التي خُلق منها الإنسان من الأرض، فالإنسان خُلق من الأرض، ويعودُ إلى الأرض. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، فالإنسان مخلوق من جنس الأرض، من مَعَادنها وأملاحها، لذلك يقولون: إذا تحلَّل جسم الإنسان في القبر، تحوَّل إلى حَفْنةٍ من تراب، خُلِقنا من التراب، ونعود إلى التراب. التوفيق بين الآيات التي ذكرت خلق آدم من تراب ومن طين ومن صلصال القرآن الكريم أحيانًا يقول: إنَّ آدم خلق من تراب: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران:59]. وأحيانًا يقول: من طين، كما في سورة ص: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ} [ص:71]. وهنا قال: {مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، هل هناك تعارض؟ ليس هناك تعارض، فالتراب إذا نزل عليه الماء أصبح طينًا، وإذا يبِس هذا الطين يصبح صَلْصالًا، وإذا تغيَّر وأنْتِنَ ريحه يُصبح حمأً، فآدمُ مرَّت عليه هذه الأحوال كلُّها، ولا مانع من ذلك، ولكن كلُّ الذي يهمُّنا أنه مخلوقٌ من جنس هذه الأرض. الإنسان مخلوق ضعيف {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، هذا الإنسان مخلوقٌ، وليس إلهًا كما يريد بعض الفلاسفة الماديين، يُؤلِّهون الإنسان، وبعضهم يقول: (الإنسان يقوم وحده) في غير حاجة إلى إله. ورَدَّ علَى هذا الرجل الملحد أحدُ العلماء الغربيين (كريسي موريسون) في كتاب سمَّاه (الإنسان لا يقوم وحده)، لا يستطيع الإنسان أن يقوم وَحْدَه، وتُرْجِم هذا الكتاب إلى العربية، تحت عنوان: (العلم يدعو إلى الإيمان). هذا يدلُّنا على أنَّ هذا الإنسان مخلوق، خَلَقه خالق، وأنشأه مُنْشئ، لم يخلق نفسه، والله تعالى يقول: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أم هُمُ الْخَالِقُونَ * أم خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ} [القمر:35، 36]. قانون العِلِّيَّة هل الإنسان خُلق من غير شيء؟ مستحيل هذا؛ لأنَّ هناك قانونا فطريا وعقليا، يُجْمع عليه كلُّ الفلاسفة والمفكِّرين، اسمه قانون العِلِّيَّة أو قانون السببيَّة: أنَّ كلَّ معلول لا بدَّ له من علَّة، وكلَّ مسبَّب لا بد له من سبب، وكل مُحرَّكّ لا بد له من مُحرِّك. كما عبَّر عن ذلك الأعرابي حينما سُئل عن الله، فقال ببساطة وبلغته الفصيحة: البعرة تدلُّ على البعير، وخُط السَّيْر يدُلُّ على المسير، فكيف بسماءٍ ذات أبراج، وأرضٍ ذات فجاج، وبحارٍ ذات أمواج، أفلا يدلُّ ذلك على العليِّ الكبير. هذا هو قانون العِلِّيِّة، {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} [الطور:35]؟ لا يمكن أن يُخْلقوا من غير شيءٍ، لا بدَّ من خالق: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور:35]؟ هل هم الذين خَلَقوا أنفسهم؟ لا يستطيع أحدٌ أن يقول ذلك؛ لأنَّ العدم لا يخلق الوجود، والمخلوق كان معدومًا، كيف يخلق نفسه وهو عدم؟ {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ} [الطور:36]؟ السماوات والأرض موجودة قبل أن يُخْلَق، كيف يخلقها؟ حتى الذين ادَّعوا الربوبيَّة، مثل: النمرود وفرعون، مثل هؤلاء، لم يدَّعوا أنهم خلقوا السماوات والأرض، فالإنسانُ مخلوقٌ بعد خلق السماوات والأرض، ولذلك تؤكِّد هذه الآية، هذه الحقيقة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ}، الله هو خالق الإنسان. {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، مُتغيِّر نتن الرائحة، هذا المخلوق العظيم الذي كرَّمة الله، وسخَّر له ما في السماوات والأرض، مخلوقٌ من هذه المادة الضعيفة الهيِّنة. خلق الجان قبل الإنسان من نار السموم {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} ، الجانُّ: أبو شياطين الجن، وإبليس من ذُرِّيَّته. والجنُّ: خلقٌ مستور عن أعين البشر، ومنهم المؤمنون الصَّالحون، ومنهم الشياطين الكافرون، وهم جنس مُكلَّف مثل الإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، هؤلاء خُلقوا من نار السَّموم، التي فيها نار حارَّة، وتحمل السَّموم: الهواء الحار القاتل، الذي تخترق سمومه المسامَّ ينفذ إلى سموم الجلد، ومنه: السُّم الذي يخترق مسامَّ الإنسان، ويؤدِّي إلى قتله، خلق هؤلاء الجانَّ من نار السَّموم، أو من مارجٍ من نار، ويقول سبحانه عن الجانِّ، {خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ}، أي: الجان خُلقوا قبل خلق آدم، الله خلق الجنَّ، وكان لهم في الأرض ما لهم، ثم خلق بعد ما شاء من ألوف السنين، من ملايين السنين، الله أعلم. تحديد عمر الأرض هذه الأزمنة الضاربة في أغوار الزمن لا نعلم عنها شيئًا، ولذلك لا نخوض في تفاصيلها، البيولوجيون والجيولوجيون يتحدَّثون عن ملايين السنين، عن عُمر الأرض، وعن عُمر الكون بالملايين والبلايين، ونحن لا نُصدِّق ولا نُكَذِّب، وليس عندنا ما ينافي هذا في القرآن، عندهم في التوراة: أنَّ الدنيا عمرها عدة آلاف سنة. قال الطبري: (زعم اليهود أن جميع ما ثبت عندهم على ما في التوراة، مما هو فيها من لدن خلق الله آدم إلى وقت الهجرة، وذلك في التوراة التي هي في أيديهم اليوم أربعة آلاف سنة وستمائة سنة واثنتان وأربعون سنة... وأما اليونانية من النصارى فإنها تزعم أن الذي ادعته اليهود من ذلك باطل وأن الصحيح من القول في قدر مدة أيام الدنيا من لدن خلق الله آدم إلى وقت هجرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على سياق ما عندهم في التوراة التي هي في أيديهم خمسة آلاف سنة وتسعمائة سنة واثنتان وتسعون سنة وأشهر). وليس عندنا شيءٌ من هذا التَّخريف إطلاقًا، لا يستطيع أحدٌ أن يقول عمر الدنيا سبعةَ آلاف، أو سبعة ملايين، أو سبعة بلايين، ليس عندنا دليل من القرآن ولا السنة، وهذا من روائع هذا الدين، ومن إعجازه: أنَّه لا يوجد فيه شيءٌ ينافي العلم، لا يوجد فيه أمر قطعي حقيقي ينافي حقيقة علميَّة قاطعة. خلق آدم عليه السلام {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} (إذ) قال العلماء: معناها اذكر، {إِذْ قَالَ}، أي: اذكر -يا محمد- حينما قال ربُّك للملائكة: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِين} [ص:77]، وهنا في آية الحِجْر: {خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ}، إذ قال ربُّك: خطابٌ للنبيِّ صلى الله علية وسلم بهذا اللفظ، ربُّك الذي يُربِّيك ويرعاك ويُرقِّيك في صفات الكمال لا يتخلَّى عنك. الملائكةُ الكرامُ من العالم غير المنظور الملائكة: مخلوقات نورانيَّة معصومةٌ مطهَّرة، وهم أيضًا نوعٌ من الخلق المستور من العالم غير المنظور، هناك -كما قلنا- عالم منظور نشهده بأعيننا، وهناك عالمٌ مستور غير منظور لا نراه بأعيننا، كما قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة:37، 38]، ومالا نُبصره أضعاف أضعاف ما نُبصره، حتى قال علماء الكون وعلماء الطبيعة: إنَّ الكون الماديّ الذي نعيش فيه، نحن لا نُبْصر منه إلا ثلاثة في المائة، وسبعة وتسعين في المائة من هذا الكون المادي لا نعرفها. يُسمُّونها الأعماق السوداء، لا نعرف عنها شيئًا، فنحن نرى القليل، فما بالك بالكون غير الماديّ، هذا في الكون الماديِّ، إنَّما الكون غير المادي، مثل: الجن، مثل: الملائكة، الذين خُلقوا من نور، كما في الحديث الذي روته السيدة عائشة رضي الله عنها، في صحيح مسلم: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجانُّ من مارج من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم». أي: من طين، ومن صلصال من حمإ مسنون، إلى غير ذلك ممَّا جاء في القرآن الكريم. فالملائكة مخلوقات نورانية رُوحانيَّة، فَطَرها الله سبحانه وتعالى على الطاعة: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء:27]، فُطروا على الطاعة، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20]. تسوية الإنسان ونَفْخ الرُّوح فيه {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} هؤلاء الملائكة قال الله تعالى لهم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، هذا البشر المخلوق من الصَّلْصَال، من الحمأ المسنون، أو من الطين المنتن، أو الطين اليابس، من صَلْصَال كالفخار، هذا المخلوق، إذا سوَّيتُه وَنَفختُ فيه من رُوحي، تَسْويةً تهيِّئه لما يُعدُّ له، للوظيفة التي يقوم بها بعد مرحلة الخلق، ومرحلة التَّسوية، كما قال عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار:6-8]، ثم بعد الخلق التَّسوية: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [الأعلى:1- 3]، فالتسوية فرعٌ عن الخلق، تكملةٌ للخلق: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}، من تمام الخلق: التَّسوية، ومن تمام التقدير: الهداية. تمييز المخلوق بنفخ الرُّوح فيه {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، هذا هو الشيء الذي ميَّز هذا المخلوق، المخلوق الطيني، المخلوق الترابيّ، المخلوق الصَّلصاليّ، المخلوق الحَمَئي، هذا المخلوق من الأرض، هذا الذي ميَّزه، هو آية: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}. جهل الإنسان بحقيقة نَفْخ الرُّوح فيه {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، كيف تمَّ هذا النفخ من الرُّوح؟ بعض الناس يتساءل: كيف يتَّصل فان بالباقي، كيف يتَّصل المخلوق بالخالق، أو الخالق بالمخلوق، كيف يتَّصل هذا بذاك؟ في الواقع لا نعرف كُنهها، يجب أن نقف عند حدودنا، من سعادة جَدِّك وقوفك عند حدِّك. {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}، إذا كنَّا لا نعرف بعض حقائق هذه الحياة، لا نعرف ما معنى الحياة الحقيقي، إنما نعرف آثار الحياة، ومن آثارها: النمو، التنفُّس، التكاثر، ولكن ما هي الحياة نفسها؟ لا نعرفها، كما لا نعرف حقيقة الكهرباء، ولكن نعرف آثارها. إذا كنَّا لا نعرف كُنْهَ الحقائق المادِّيَّة، فكيف نَتَطاوَل إلى ما يتعلَّق بالربوبيَّة، يجب أن نُوفِّر طاقتنا العقليَّة، بدلاً من أن نفكِّر في هذه المسائل، التي تستنفذ منا جهودًا ولا نحصل على شيء، ولا نصل إلى شيء إلا التعب والمعاناة، ثم نعود بخفي حنين، أو بغير خفين، أو بلا شيء نهائيًّا، الأَوْلى أن نوفِّر هذا، نعمل في الكون، نتأمَّل في الكون، نكتشف قوانين الكون، هذا ما وجَّهنا الله تعالى إليه: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف:185]. كلُّ ما خلق الله مَجَالٌ للنظر والتفكُّر والتأمُّل، فنحن نقول: الله نفخ في هذا الإنسان من رُوحه، كما شاء، وكيف شاء. سبب أمر الملائكة بالسجود لآدم لم يأمرهم بالسجود لهذا المخلوق لمُجرَّد تكوينه الهيكليّ والماديّ، من الطين، أو الصَّلصْال، إنَّما أمرهم أن يسجدوا له حينما نفخ فيه الرُّوح، هذا هو الذي كرَّم الإنسان، هذا هو الذي ميَّز الإنسان، هذا هو الذي جَعَل هذا المخلوق جديرًا بأن تسجد له الملائكة: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ}، فخرُّوا له ساجدين، كما قال الله تعالى عن إخوة يوسف ووالديه: {وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف:100]، أي: لسِّيدنا يوسف. أمر الملائكة بالسجود لآدم {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} كيف يسجد مخلوق لمخلوق؟ نهانا ربُّنا أن نسجد لأيِّ بشر، ولكن عالَم السماوات عالَمٌ غير عالمنا، ثم إن السجود إذا كان بأمر الله انتهى الأمر، لم يَعُدْ فيه شرك ولا شائبة شرك، كما نهانا الله أن نقسم بأحد سواه، «مَن حلف بغير الله فقد أشرك». ولكنَّ الله أقسم بالفجر: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ} [الفجر:1-5]. وبالضُّحى: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى:1-3]