

الأمير الوالد كان لديه طموح بأن يصبح رجلا مؤثرا في سياسة قطر وخدمتها
قرار إلغاء وزارة الإعلام كان الأكثر جرأة بالمنطقة وخضع لنقاش استمر عاما
لم تؤثر عليه السلطة ولا الحكم وكان في قمة التواضع مع الجميع
استعاد سعادة السيد عبدالله بن خليفة العطية، رئيس مجلس أمناء دار الوثائق القطرية، ذكرياته الممتدة مع المغفور له بإذن الله صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مؤكدا أن علاقته به امتدت لنحو 65 عاما، بدأت منذ الطفولة، مرورا بالدراسة والعمل، وحتى توليه مسؤوليات الدولة، واصفا إياه بأنه «مدرسة في القيادة والأخلاق والإنجاز».
وقال العطية، في مقابلة مع تلفزيون قطر، إن معرفته بالأمير الوالد بدأت في سن مبكرة، حيث كانا زميلين في الدراسة ورفيقين منذ المرحلة الإعدادية، قبل أن يتشرف لاحقا بالعمل مديرا لمكتب سموه ثم رئيسا لديوانه، مؤكدا أن هذه الرحلة الطويلة مكنته من الوقوف على جوانب شخصية الأمير الوالد عن قرب.
وأشار إلى أن الأمير الوالد ولد في روضة المجهولة غرب قطر، مبينا أن والدته انتقلت إلى المستشفى القديم في الدوحة بعد ولادته مباشرة، قبل أن تتوفى بعد أقل من يوم، ليتولى تربيته ورعايته خاله، الوالد علي بن حمد العطية حتى شبابه.
أكد العطية أن ملامح شخصية الأمير الوالد القيادية ظهرت منذ سنوات الدراسة، قائلا «كل ما يعرفه الناس من صفات حميدة فيه، كنا نلمسها منذ صغره»، مضيفا «كان قائدا في الصف، والقيادة هذه في دمه، وليست شيئا اكتسبه فيما بعد».
واستذكر مشاركته في مظاهرة طلابية في عام 1963 ضد سياسات البريطانيين، موضحا أن الأمير الوالد كان في مقدمة زملائه، ويتحلى بالشجاعة والثبات على المواقف، وهي صفات لازمته حتى توليه قيادة البلاد.
وعن صفات الأمير الوالد، قال «عندما كان يقتنع بموقف، يثبت عليه مهما واجه من تحديات، وكانت المبادئ بالنسبة له أمورا مقدسة»، كاشفا أن الأمير الوالد كان يحمل منذ شبابه طموحا واضحا لخدمة وطنه، قائلا«منذ المرحلة الإعدادية كان عنده طموح، وكان يتوقع أنه سيصبح يوماً رجلاً مؤثراً في سياسة قطر، حتى يستطيع خدمة قطر وأهلها».
وأضاف أن هذا الهاجس ظل ملازما له طوال حياته، مؤكدا أن «كل همه كان قطر وأهل قطر، حتى على حساب صحته ووقته».
الغاز مفتاح النهضة
وروى العطية موقفا يكشف رؤية الأمير الوالد المبكرة لمستقبل الدولة، إذ وجده ذات يوم يكتب بقلم رصاص أربع كلمات، هي: «الغاز، والتعليم، والصحة، والرياضة». وقال «سألته عن معناها، فقال: أعرف أن أولوياتنا التعليم ثم الصحة ثم الرياضة، لكن كل هذه متوقفة على الغاز»، موضحا أن الأمير الوالد كان يدرك منذ وقت مبكر أن استثمار الغاز سيكون الأساس الذي تنطلق منه مشاريع التنمية.
وقال إن استثمار الغاز لم يكن أمراً سهلاً في تلك المرحلة، مضيفا أن معركة واجهها الأمير الوالد حتى تمكن من تحويلها إلى مصدر قوة مكّن الدولة من الاستثمار في الإنسان والتعليم والصحة والرياضة والثقافة والإعلام.
قرار تاريخي
واعتبر العطية أن قرار الأمير الوالد بإلغاء وزارة الإعلام كان من أكثر القرارات جرأة في المنطقة، موضحا أن الفكرة خضعت لنقاش استمر نحو عام قبل تنفيذها.
وقال: «إلغاء وزارة الإعلام في تلك الفترة لم يكن أمراً بسيطاً، بل كان تحدياً للمنطقة العربية كلها»، مضيفا أن هذه الخطوة مثلت تحولاً كبيراً في مسار الإعلام القطري.
وأكد العطية أن تواضع الأمير الوالد كان من أبرز صفاته الإنسانية، قائلا «لم تؤثر عليه السلطة ولا الحكم، وكان في قمة التواضع مع الجميع».
واستشهد بمواقف عديدة، منها حرصه على زيارة معلمه في مصر وسفره للإمارات لتعزية أبناء صديقه في الدراسة، مضيفا: «حتى الإنسان البسيط الذي يلتقيه في الشارع كان يشعر أنه قريب منه، ولذلك أحبه الناس حباً كبيراً».
وروى العطية جانبا من تعامل الأمير الوالد مع العاملين معه، قائلا: «إذا جاء المقهوي يصب القهوة، كان يقول له: اجلس حتى ننتهي، ثم تعال خذ الفنجال، فلا يتركه واقفاً ينتظر»، مضيفا: «كانت لديه رحمة بالناس، ومعاملة حسنة لا يمكن أن تنساها».
مدرسة للأجيال
وأشار العطية إلى أن الأمير الوالد كان يتمتع بذاكرة استثنائية، قائلا: «كان يتذكر أسماء زملائه في الدراسة وتفاصيل تلك المرحلة بعد عشرات السنين».
وأضاف أنه كان يحرص على السؤال عن أصدقائه القدامى وأبنائهم، مستشهدا بقوله عندما علم بوفاة أحد رفاقه: «لا.. هذا رفيقنا، اسألوا عن عياله»، مؤكدا أن الأمير الوالد «لم يكن ينسى رفاقه أبدا».
ودعا العطية إلى توثيق سيرة الأمير الوالد ودراستها للأجيال القادمة، مؤكداً أن شخصيته تمثل نموذجاً استثنائياً.
وقال: «الشيخ حمد بن خليفة ليس إنساناً عادياً، وإنجازاته ليست إنجازات عادية»، مضيفا: «هو مدرسة في الأخلاق، ومدرسة في التواضع، ومدرسة في الحضور السياسي، ومدرسة في الإنجازات، والأهم أنه مدرسة في حب قطر، لأن حب قطر عنده كان عشقاً أبدياً».
وعن وصية الأمير الوالد بالثبات على الحق والاستقامة، قال العطية إنها لم تكن مجرد كلمات، بل كانت انعكاساً لشخصيته طوال حياته، مؤكداً «هو أوصى بما كان مؤمناً به منذ بداياته، وهذه الوصية تعبر عن شخصيته الحقيقي».