شجرة وشجر

alarab
الصفحات المتخصصة 22 يوليو 2016 , 05:32ص
احمد يوسف علي
ورد ذكر الشجرة والشجر في القرآن مرات عديدة وفي سياقات متباينة، فقد ورد ذكر الشجرة في سياق الغواية والابتلاء في شخص آدم وزوجه عليهما السلام، كما وردت في سياق ملكوت الله الذي يسجد له كل ما في الأرض والسماء، ووردت في سياق الوصف والتشبيه: الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة والكلمة الخبيثة والشجرة الخبيثة، وفي سياق مطلق كلمات الله التي لا تنفد ولا تنتهي حتى لو كان ما في الأرض من شجر أقلاما وكان البحر يمده من بعده سبعة أبحر حبرا.
وورد ذكر الشجرة مرتبطا بقداسة المكان «شجرة البيعة» و{شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ} و{سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى} ووردت الشجرة مصدرا للستر والعون والرعاية بأسباب الحياة «شجرة اليقطين»، وحلت الشجرة شاهدة على لحظة المخاض وباعثة ببواعث الأمل والمؤانسة {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}، والنار في حقيقتها شجرة هكذا أخبرنا القرآن الكريم: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ*أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ*نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ}، والشجرة هي النار التي صارت حجابا عندما قال موسى لأهله: {إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى}.
وتعدد سياقات ورود الشجرة في القرآن تعدد واجب الالتفات إليه والانشغال العلمي به من منطلق حضاري معاصر يراعي النظر إلى السياق اللغوي والسياق المقامي. ونقف هنا عند سياقين هما «شجرة الزقوم» و»شجرة النار»، أما شجرة الزقوم فهي الشجرة التي جاءنا عنها الخبر أنها تنبت في أصل الجحيم، وهذا الإنبات في حد ذاته مفارقه لما هو سائد ومستقر في الوعي الإنساني من المقابلة بين النار وما عداها وخاصة الشجر الأخضر وما يحتويه من الماء، فكيف تكون شجرة وتنبت في تربة غير تربة النبات ثم يكون لها طلع متعدد الألوان مثل رؤوس الشياطين. وعلة عدم التصديق هو الاستسلام لعادات الإدراك والإحساس التي تقول لنا إن النبات غير النار، والموت غير الحياة، والحب غير الكراهية، واللقاء غير الفراق، مع أن قانون الحياة يقول لنا إنها كل متكامل على مستوى الوعي النظري الرشيد. فمن الموت تولد الحياة، وتحمل اللذة في أحشائها أسباب الألم، ومع ذلك نطلب اللذة ولا نفكر فيما يعقبها من الألم إلا حين يداهمنا. وقد تجسد هذا الوعي فيما قاله أبو تمام عن الجمل: «رعته الفيافي» بعد أن استقر أن الجمل هو الذي يرعى الفيافي، والحقيقة أنها تفنيه كما أنه يفنيها. لذلك جعل الله سبحانه هذه الشجرة {فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ} هؤلاء الذين استسلموا لعادات الحس والإدراك فكذبوا على أنفسهم وأضلوا غيرهم الذين اتبعوهم.
وليس صحيحا أن نفهم السياق في دائرته الضيقة بعيدا عن الشبيه والنظير. فقد سمى الله النار شجرة وهي شجرة بالفعل لما نعلمه عن الشجرة من الإحاطة والشمول والثمر والنمو والجفاف. وهذه الشجرة بهذا المعنى هي سر الحياة. ولولا اكتشاف النار لما حدث هذا التطور المذهل الذي نعيشه، لذا صارت تذكرة على منشئها وعلى ضرورة تصحيح عادات الإدراك والإحساس، كما صارت متعة للناس باديهم وحاضرهم، وغنيهم وفقيرهم في حلهم وترحالهم. شجرة النار هذه هي التي نبتت في تربتها شجرة الزقوم التي هي طعام الأثيم. فانظر كيف تحولت الوظيفة من نفع لكل الناس إلى عقاب لفريق منهم يملؤون منها البطون ويشربون عليها شرب الهيم!

أ. د. أحمد يوسف علي يوسف
أستاذ النقد الأدبي والبلاغة
قسم اللغة العربية، كلية الآداب والعلوم- جامعة قطر
ahmed@qu.edu.qa