شيخ الإسلام.. سياسي محنك في عصر مضطرب
باب الريان
22 يوليو 2013 , 12:00ص
تأليف: مصطفى أمين محمد علي
البحث الفائز بجائزة مركز عبدالله عبدالغني العالمية في الفكر الإسلامي
عصر ابن تيمية
كان عصر ابن تيمية حافلاً بالكثير من الأحداث والوقائع التي ألمت بالأمة الإسلامية، وتميز ابن تيمية حيال ما شهده من تلك الأحداث والوقائع بحسن التصرف وسرعة اتخاذ القرار وتنفيذه، فكان السياسي المحنك إذا ما اقتضى الأمر، وكان المصلح الاجتماعي الأريب حال الأزمات والفتن الداخلية، وكان أيضا العلامة المربي الحريص على أفراد مجتمعه من أي أفكار دخيلة تحيد بهم عن جادة الطريق، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحظة واحدة، ولست أراني مبالغاً إن قلت: إن العالم في عصر ابن تيمية كان في حاجة ماسة إلى خروج هذا الإمام المبارك الذي أزال الله به ركام الباطل ومحي به إفك الضلال، وما أحوج أمتنا الآن إلى ابن تيمية ليجدد لها شبابها ويعلي منار التوحيد ويرفع راية الإسلام، والحق أن ابن تيمية أثر في عصره تأثيرا بالغا كما تأثر به تأثيرا بالغا في مختلف الأحوال، السياسية، والاجتماعية، والعلمية على ما يلي ذكره إن شاء الله تعالى.
أولا: الحالة السياسية
تتحدد المعالم السياسية الرئيسية لعصر ابن تيمية في غزو التتار، وهجوم الفرنجة على العالم الإسلامي، ثم الفتن والأزمات الداخلية، وخاصة تلك التي دارت بين المماليك والتتار والمسلمين، ولم يمنح ذلك أحداً من السلاطين فترة طويلة في الحكم، وإلى ذلك يشير ابن الأثير بقوله: (لقد بُلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم، منها هؤلاء التتر: فمنهم من أقبلوا من الشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها: خروج الفرنج -لعنهم الله- من الغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وامتلاكهم ثغرها -أي دمياط- وأشرفت ديار مصر وغيرها على أن يملكوها لولا لطف الله تعالى ونصره عليهم، ومنها: أن السيف بينهم مسلول، والفتنة قائمة).
كما كان غزو التتار للبلاد الإسلامية أسوأ كارثة فجعت الإسلام والمسلمين في القرن السابع الهجري، حيث سقطت بغداد، ومن بعدها الخلافة العباسية -سنة (656هـ)- فأعملوا السيوف في المسلمين، وكم كانت هذه الأحداث الأليمة قريبة من يوم ولد ابن تيمية، (ولا بد أن يكون قد شاهد آثار هذا الخراب والدمار بأم عينيه، وسمع تفاصيله المؤلمة عمن رأوا مناظره وشهدوها وشاهدوها، فمن الطبيعي أن يتأثر قلبه الغيور المرهف بنكبة المسلمين هذه وذلتهم، وتمتلئ نفسه غيظاً وكراهية لأولئك الوحوش الضواري).
أيضاً، كانت ولادة ابن تيمية رحمه الله في بداية الدور الرابع للحروب الصليبية الذي كان يمثل طور الضعف الصليبي، وتجددت قوة المسلمين باسترداد كثير من المدن الشامية الكبرى، وإكمال مسيرة طرد الفرنج من بلاد المسلمين.
ومن مآسي عصر ابن تيمية، أن المسلمين انقسموا شيعاً وذاق بعضهم بأس بعض، فتنازع المماليك السلطة وصار الملك عضوضاً، وقد كان لابن تيمية رحمه الله مشاركة في إصلاح شيء من ذلك، وكم ذكّر ابن تيمية أمراء المماليك بحقن دماء المسلمين، وحماية ذراريهم وصون حرماتهم، كما دعا للإصلاح السياسي القائم على بناء تصور قويم للحكم بالكتاب والسنة أولا، وبعث روح الجهاد في شباب الأمة ثانيا، وذلك واضح جلي لمن أمعن النظر في كتابيه: الحسبة في الإسلام، والسياسة الشرعية، ولم يكتف في حربه باللسان والقلم، بل جاهد بفكره الثاقب وعقله الحصيف، وأقنع قائد المغول الخان قازان الثاني أن لا ينهب دمشق خلال غزو المغول عام 699هـ، كما نابذهم بسيفه، وكان رحمه الله في طليعة الصفوف، يشد من أزر جند الإسلام، ونصره الله ومن معه على المغول في معركة شخب.
ثانياً: الحالة الاجتماعية
كانت الحالة الاجتماعية أشد سوءاً، حيث عانى الناس من الظلم، والضرائب، والنزاعات العقائدية والمذهبية، والفظائع والجرائم التي ارتكبها الباطنية، وكان الناس في أمس الحاجة إلى من يدفع عنهم كل تلك المُلمَّات. ولقد كان ابن تيمية بحق رائد مسيرة الإصلاح والدعوة إلى العدل الاجتماعي، فدعا الدولة إلى الاهتمام بالفقراء والمساكين، وتوفير مستلزمات معايشهم في شتى مناحي الحياة، فتلك حقوقهم التي جعل الله لهم عند الأغنياء، كما دعا إلى الاهتمام بالتربية الإسلامية من خلال التطبيق العملي للقيم القرآنية والنبوية القويمة، ولم يدخر وسعا في بيان الخطأ والنصح للأمة الإسلامية، ومقاومة الصوفية والمبتدعة، وغيرهم ممن شاهت عقائدهم، وانحرفت عما كان عليه الرعيل الأول، موقناً أنه لن يصلح حال آخر هذه الأمة إلا ما صلح به أولها.
ثالثاً: الناحية العلمية
في عصر ابن تيمية رحمه الله سادت الطرق الصوفية وانتشرت حلقات الذكر، وعم الجهل، وقل الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأقفل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد المذهبي والجمود الفكري، ودأب العلماء على جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فألفت الكتب المطولة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، حتى وصل الحال ببعض كتب الفقه أن تخلو من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج، بيد أنه لا ينكر منصف وجود قلة من العلماء النابهين النابغين آنذاك.
ومما أثر في علم ابن تيمية وفقهه اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها. فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.
محن شيخ الإسلام ابن تيمية
أرّقت مضاجع الحُسّاد منزلة ابن تيمية التي نالها بسبب انتصاراته العلمية والسياسية والعسكرية كما لعب حقد الأقران من الفقهاء والقضاة، ورغبة المتآمرين على دولة المماليك في تصفية دعاة الإصلاح، وطبيعة العلاقات بين ابن تيمية وأمراء المماليك وسلاطنتهم دورا بارزاً فيما تعرض له شيخ الإسلام من محن شديدة، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عظيمة عند الولاة وعند الرعية، وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد.
والواضح أن أفكار ابن تيمية ونشاطاته أزعجت مختلف الأطراف، وكان السجن هو الثمن الذي دفعه ابن تيمية مراراً وتكراراً، واستمر سجنه إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على العودة معهم إلى دمشق، وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام رحمه الله فخُيّر شيخ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه ألحّوا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم، وما أن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهاً إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس، وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، وأكبَّ الناس عليه ينهلون من علمه.
وفي سنة 709هـ نفي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يدم الأمر لهم طويلاً، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دروسه العامرة في القاهرة.