لا يجد الطاغون في جهنم برداً ولا غذاء أو شراباً يروي ما يشعرون به من حرق يكوي أكبادهم
باب الريان
22 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } أي يقول الواحد القهار سبحانه وتعالى لأهل النار بعد كفرهم بالحساب، وتكذيبهم بالآيات، مخاطبا لهم ومهددا ومتوعدا. أي: كلما مر العذاب عليهم ازداد شدة وقوة، كما قال تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء:97]، وقال تعالى: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء:56]، فهم في مزيد من العذاب أبدًا. قال ابن كثير: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 58].
وعن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} قال: فهم في مزيد من العذاب أبدا، اللهم أعذنا من النار.
{إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36)}.
بعد أن حدثنا الله عن الأشقياء، الذين استحقوا عقوبة النار بتكذيبهم وعدوانهم، وِفاقا لأعمالهم، يحدثنا الله بعد ذلك عن السعداء من عباده، وما أعد لهم عزّ وجلّ من الكرامة والسعادة والرضوان، والنعيم المقيم.
فحدثنا سبحانه عن (المتقين) الذين أعد لهم جنات عرضها السَّماوات والأرض، والذين نجاهم من النار، والذين جعل الله لهم من أمرهم يسرًا، وكفَّر عنهم سيئاتهم وأعظم لهم أجرهم، إلى آخر ما مدحهم به في القرآن الكريم.
هؤلاء المتقون أخبرنا الله في كتابه أن لهم (مفازًا) أي: موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار. ولذلك قيل للفلاة إذا قلَّ ماؤها: مفازة؛ تفاؤلا بالخلاص منها.
وقد بين لنا القرآن متى يحقق الإنسان الفوز، فقال تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185].
{حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا} ثم شرح القرآن الكريم حقيقة هذا المفاز ومشتملاته، فقال {حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا}. والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان المحوط عليه من النخيل والأشجار وغيرها، يقال: أحدق به، أي: أحاط. (وأعنابا) جمع عنب، أي كروم أعناب، فحذف. وهي جزء من هذه الحدائق، ولكن خصه بالذكر لأهميته، كأنه وحده ليس جزءا من هذه الحدائق.
{وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} كواعب: جمع كاعب، وهي المرأة الناهد. أي: هن نواهد ---، يعنون: أن أَثْداءهنَّ نواهد، لم يتدلين؛ لأنهن أبكار، عرب أتراب. كما قال تعالى {وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا} والأتراب: الأقران المتشابهات ممن كن في سن واحدة، قال تعالى: {إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة:35-38]، وقال الضحاك: الكواعب: العذارى، ومنه قول قيس بن عاصم:
وكم مِن حَصانٍ قد حَويْنا كريمة ومِن كاعبٍ لم تَدْرِ ما البؤسُ مُعْصر!
{وَكَأْسًا دِهَاقًا} الكأس: هو الإناء الذي يشرب فيه الخمر، وهي من شراب الجنة، الذي ليس فيه غول، كما قال القرآن {مِنْ خَمْرٍ لَذَّة لِلشَّارِبِينَ} [محمد:15].
والدهاق: المملوءة، المترعة؛ لأن الخمر عندهم كانت عزيزة فلا يكيل الحانوتي للشارب إلا بمقدار، فإذا كانت الكأس ملأى كان ذلك أسر للشارب، ولهذا تميزت كأس الجنة بأنها دهاق، أي ممتلئة. ومنه قول الشاعر:
أتانا عامرٌ يَبْغي قِرانا
فأَتْرَعنا له كأساً دِهاقا
وقيل أيضا: دهاقا أي: متتابعة يتبع بعضها بعضا، واستدلوا لذلك بما رددوا من الشعر:
لأنْتِ إلى الفؤادِ أَحَبُّ قُرْبًا
مِن الصّادي إلى كأسٍ دِهَاقِ
{لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا} مما من الله به على المتقين من أهل الجنة من نعيم: أن الله هيأ لهم فيها الحياة الطيبة، مما يؤكل ويشرب ويستظل به، وينظر إلى ينعه، وكذلك نزه أسماعهم من أن يسمعوا فيها اللغو والكذب، مما لا يحبون أن يقولوه ولا أن يسمعوه.
ولذلك وصف الله المؤمنين في الدنيا بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:3]، {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ} [القصص:55]، فلا عجب أن يكافئهم الله في دار ثوابه بمنع ما يكدر عليهم صفاءهم من الكلام الذي لا فائدة منه، أو الكلام الكاذب.
لهذا قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا} أي: باطلا، وهو ما يلقى من الكلام ويطرح، ومنه الحديث «إذا قلت لصاحبك أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت»، وذلك أن أهل الجنة إذا شربوا من الكأس الدهاق لم تتغير عقولهم، ولم ينطقوا بلغو ولا باطل، بخلاف أهل الدنيا.
(ولا كذابا) أي: لا يُكذِّب بعضهم بعضا، ولا يسمعون كذبا.
{جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا} أي: هذا الذي ذكرنا من نعيم الجنة، جزاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومنه وإحسانه ورحمته، لا يخاف أحد عنده ظلما ولا هضما، وقد جعل هذا الجزاء هنا {مِنْ رَبِّكَ} الذي يملك أمرك، ويربيك ويرعاك، ويرفعك في مدارج الكمال، ويغمرك بإحسانه، وفضله على الدوام. {عَطَاءً حِسَابًا} أي: أعطاهم الله تعالى من عنده عطاء من المعطي الذي لا يبخل، والغني الذي لا يفتقر، والكريم الذي لا يستقل، ولا يستكثر ما يمنح، ومعني {حِسَابًا} أي: كافيا وافرا شاملا كثيرا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني أي: جعلني أقول: حسبي. ومنه حسبي الله، أي: الله كافيَّ.
{رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا }
قرئ بخفض كلمة (رب) كما هي قراءتنا الشهيرة لحفص عن عاصم، على أنها نعت لقوله تعالى: {مِنْ رَبِّكَ}. وقرأ الآخرون {رَبُّ السَّمَوَاتِ} على أنه خبر، أي: هو رب السماوات.
فهو سبحانه الذي خلق هذه السماوات والأرض وما بينهما، وهو الذي يملكها ويحفظها ويرعاها ويدبرها، ويسيرها على أحسن نظام، بما فيها من نجوم وشموس وأقمار، كما قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان:61]، {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا} [نوح:19-20].
هذا الرب العظيم لهذه المخلوقات الكبيرة، التي قال الله فيها: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ} [الذاريات:47-48]، هو الرحمن، أي: ذو الرحمة الواسعة، التي وسعت جميع خلقه، ورزقت المؤمن والكافر، وأنعمت على البر والفاجر، وأطلقت على الجميع شمسها وقمرها، وأنزلت عليهم أمطارها، وأطعمتهم من نباتها وأشجارها، وجعلت منها متاعا لهم ولأنعامهم.
هذا الرب الرحمن لا يملكون منه خطابا، أي: لا يملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، وقال الكسائي: لا يملكون منه خطابا بالشفاعة إلا بإذنه، كما قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]، وقيل: أراد الكفار خاصة، فهم الذين لا يملكون منه خطابا، حيث لا تجوز لهم الشفاعة لأحد، وكيف يشفع من هو من أهل النار واستحقاق العذاب؟ فأما المؤمنون فيشفعون، كما قال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه:109].
وقوله تعالى: {لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا} استئناف مقرر لما أفادته الربوبية العامة، من غاية العظمة والكبرياء، واستقلاله تعالى بما ذكر من الجزاء والعطاء، من غير أن يكون لأحد قدرة عليه.
والضمير في {لَا يَمْلِكُونَ}: لأهل السماوات والأرض، أي: لا يملكون أن يخاطبوه تعالى من تلقاء أنفسهم، خطابا ما في شيء ما، والمراد نفي قدرتهم على أن يخاطبوه تعالى بشيء من نقص العذاب، أو زيادة الثواب، من غير إذنه على أبلغ وجه وآكده، وكيف وليس في أيديهم مما يخاطب الله به ويأمر به، في أمر الثواب والعقاب خطاب واحد، فيتصرفون فيه تصرف الملاك، فيزيدون فيه أو ينقصون منه؟
{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا}.
من هو الروح المذكور في الآية الكريمة؟ اختلف المفسرون فيه اختلافات شتى.
والذي يلوح لي: أن الروح هو جبريل أمين الوحي الذي نزل بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وقد سماه الله تعالى في كتابه الروح الأمين، كما قال سبحانه {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين} [الشعراء:193-195]. وهو المذكور في سورة القدر، حيث قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]. وهو المذكور في هذه الآية.
فمن أوصاف يوم القيامة ويوم الفصل، ويوم الحساب للخلائق جميعا: أن يقوم فيه جبريل ملك الوحي، وحامل القرآن، أعظم كتب الله، إلى أعظم رسل الله محمد، والذي وصفه الله في كتابه، في سورة التكوير، بقوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير:19-21].
يقوم جبريل والملائكة الكرام معه، وهم جنود الله في السماوات والأرض، لا يعلمهم إلا الله، وقد اصطفوا مع جبريل عليهم السلام، صامتين لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، أي: يتكلمون بشرطين:
الأول: أن يأذن لهم الرحمن بالكلام. وفي هذا اليوم لا يتكلم أحد إلا بإذنه.
والشرط الثاني: أن يقول صوابا، أي: سدادا من القول، مثل أن يشفع لمن يستحق الشفاعة، كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، ولا يرتضي الشفاعة لمن أشرك به، فقد قال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]. قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:48].
فهؤلاء المقربون من الله تعالى: الروح والملائكة، لا يقدرون أن يتكلموا إلا بإذن الله وقول الصواب، فكيف بالآخرين؟ إنه يوم عظيم {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:6].
{ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا}.
ذكر ذلك إشارة إلى يوم قيامهم على الوجه المذكور، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد المشار إليه، للإيذان بعلو درجته، وبعد منزلته في العلو والفخامة، واليوم الحق هو الكائن المتحقق الثابت، لا محالة ولا ريب فيه، من غير صارف يلويه، ولا عاطف يثنيه.
إذا كان الأمر كما ذكر من تحقق هذا اليوم، فمن أعطاه الله تعالى مشيئة ينفذ بها، فليتخذ له مرجعا وطريقا يهتدي إليه، ومنهجا يمر به عليه، إلى ثواب ربه، الذي ذكر شأنه العظيم.
فعل ذلك بالإيمان به والطاعة له والعمل الصالح، كأنه إذا عمل خيرًا رده إلى الله تعالى، وإذا عمل شرا عدَّه منه، وينظر إلى هذا المعنى قوله عليه السلام: «الخير كله بيديك، والشر ليس إليك».
{إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}.
الإنذار: التخويف بالخطر قبل وقوعه، وأعظم الخطر: ما أعده الله من عذاب لمن كفروا به، وكذبوا رسله، وجحدوا ما توعدهم به من عذاب الآخرة.
والخطاب في (أنذرناكم) -كما قال ابن عطية- لجميع العالم، وإن كانت المخاطبة لمن حضر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكفار. ووصف العذاب بالقرب لتحقق وقوعه، وأنه آت ولا بد، وكل آت قريب، والجميع داخل في النذارة منه، وقد قال تعالى: {يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات:46].
وقد قال بعضهم: إن العذاب القريب هو عقوبة الدنيا؛ لأنها أقرب العذَابيْن.
والأظهر أنه عذاب الآخرة، وهو الموت والقيامة وما وراءها من أهوال؛ لأن الله تعالى يقول: {وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل:77]، ولأن من مات فقد قامت قيامته، فإن كان من أهل الجنة رأى مقعده من الجنة، وإن كان من أهل النار لقي الخزي والهوان. ولهذا قال تعالى: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا}.
يبين الله تعالى وقت ذلك العذاب، أي: أنذرناكم عذابا قريبا في ذلك اليوم، وهو يوم ينظر المرء ما قدمت يداه، أي يرى كل ما عمله من خير أو شر.
وقيل: (المرء) هنا: المؤمن في قول الحسن. أي: يجد لنفسه عملا، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملا، فيتمنى أن يكون ترابا. ولما قال: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ} عُلم أنه أراد (المرء) المؤمن.
والأولى أن يكون ذلك عاما في كل أحد وإنسان، يرى في ذلك اليوم جزاء ما كسب. كما سنرى استعمال مثله في القرآن، كقوله تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ} [عبس:34-35]. فهو يشمل المؤمن والكافر والبر والفاجر.
{وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} يتمنى في ذلك اليوم الهائل، أن لو كان في الدنيا، فلم يخلق، أو لم يكلف! إذ قامت. أي: ظل ترابا في هذا اليوم، فلم يبعث!
*****
سورة النازعات
بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِي زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِي الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِي الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)}.
مقاصد السورة:
السورة مكية، ولها مقاصد يعرفها من قرأها بتدبر كما أمر الله.
مقدمتها القسم بالنازعات وما يتبعها والقسم محذوف أو قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}، ثم تقرير البعث، بقوله تعالى: {يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً} ثم التذكير بقصة موسى وفرعون، وبها عبرة لمن يخشى.
وبعد ذلك التساؤل عما خلق سبحانه من السماء والأرض وما فيهما وما بينهما: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} وما بعدها إلى قوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
يأتي بعدها حديث عن القيامة وما فيها {فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى} وفيها ينقسم الناس إلى أهل النار وأهل الجنة. {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِي الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِي الْمَأْوَى}.
وتنتهي السورة بخاتمة، كما بدأت بمقدمة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا} إلى آخر السورة.
ما المراد بالنازعات:
{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)}
هذه رابع سورة في القرآن الكريم من سور خمس، تفتتح بهذا القسم بمخلوقات لها أوصاف تميز من اتصف بها، وإن لم تعرفهم في الغالب تعريفا دقيقا يتفق الناس عليه.
كل ما يميز هذه السورة أنها كلها مكية، وأنها كلها مبدوءة بهذا القسم، وأنها جميعا تقسم بالمخلوقات، كما هو شأن الله تبارك وتعالى الذي من حقه وحده أن يقسم بما شاء من عباده، ليلفت عقولنا وقلوبنا إليه.
هذه السور بدأت بسورة: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} [الصافات:1-4].
والثانية سورة الذاريات: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ} [الذاريات:1-5].
والثالثة: سورة المرسلات: {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ} [المرسلات:1-7].
والرابعة: هي سورتنا، سورة النازعات: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} إلى آخره.
والخامسة: سورة العاديات: {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:1-6].
فهذه هي السور الخمس التي جاء بها القرآن الكريم، ونحن الآن أمام واحدة منها، وهي الرابعة في ترتيب سور القرآن: النازعات، فما النازعات؟
النازعات قد اختلف في تعيينها وتحديدها مفسرو السلف. فمنهم من قال: إنها الملائكة. يعنون: حين نزع أرواح البشر. فمنهم من تأخذ روحه بعنف فتغرق في نزعها. ومنهم من تأخذ روحه بسهولة، وكأنما حلته من نشاط وعقال.
قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير: اعلم أن هذه الكلمات الخمس يحتمل أن تكون صفات لشيء واحد، ويحتمل أن لا تكون كذلك. أما على الاحتمال الأول فقد ذكروا في الآية وجوهًا: أحدها: أنها بأسرها صفات الملائكة، فقوله: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} هي: الملائكة الذين ينزعون نفوس بني آدم، فإذا نزعوا نفس الكفار نزعوها بشدة، وهو مأخوذ من قولهم: نزع في القوس فأغرق، يقال: أغرق النازع في القوس، إذا بلغ غاية المدى، حتى ينتهي إلى النصل. فتقدير الآية: والنازعات إغراقًا. والغرق والإغراق في اللغة بمعنى واحد.
وقوله: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} النشط: هو الجذب، يقال: نشطت الدلو أنشُطها وأنشطتها نشطا: نزعتها برفق، والمراد هي: الملائكة التي تنشط روح المؤمن فتقبضها، وإنما خصصنا هذا بالمؤمن، والأول بالكافر؛ لما بين النزع والنشط من الفرق، فالنزع جذب بشدة، والنشط جذب برفق ولين، فالملائكة تنشط أرواح المؤمنين، كما تنشط الدلو من البئر، فالحاصل أن قوله: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} قسم بملك الموت وأعوانه، إلا أن الأول إشارة إلى كيفية قبض أرواح الكفار، والثاني إشارة إلى كيفية قبض أرواح المؤمنين.
أما قوله: والسابحات سبحا، فمنهم من خصصه أيضا بملائكة قبض الأرواح، ومنهم من حمله على سائر طوائف الملائكة.
أما الوجه الأول: فنقل عن علي وابن عباس رضي الله عنهما، وعن مسروق رحمه الله: أن الملائكة يسلون أرواح المؤمنين سلا رفيقا، فهذا هو المراد من قوله: {وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا} ثم يتركونها حتى تستريح رويدًا، ثم يستخرجونها بعد ذلك برفق ولطافة، كالذي يسبح في الماء فإنه يتحرك برفق ولطافة لئلا يغرق، فكذا هاهنا يرفقون في ذلك الاستخراج، لئلا يصل إليه ألم وشدة، فذاك هو المراد من قوله: {وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا}.
وأما الذين حملوه على سائر طوائف الملائكة، فقالوا: إن الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، فجعل نزولهم من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد: إنه السابح.
وأما قوله: {فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا} فمنهم من فسره بملائكة قبض الأرواح يسبقون بأرواح الكفار إلى النار، وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، ومنهم من فسره بسائر طوائف الملائكة، ثم ذكروا في هذا السبق وجوها:
أحدها: قال مجاهد وأبو روق: إن الملائكة سبقت ابن آدم بالإيمان والطاعة، ولا شك أن المسابقة في الخيرات درجة عظيمة، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة:10].
وثانيها: قال الفراء والزجاج: إن الملائكة تس