رمضان شهر القرآن.. وعجباً لرجل يختم المصحف كل يوم

alarab
باب الريان 22 يوليو 2012 , 12:00ص
د.سعيد بن محمد البديوي
يقول الله تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}، ويقول تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}. هكذا نزل القرآن أول ما نزل في رمضان، وفي أعظم ليلة منه، ولذلك سمي شهر رمضان «شهر القرآن». كلما هل هلال شهر رمضان رأيت التالين للقرآن في جوانب المساجد كل يترنم بتلاوة المثاني والقرآن العظيم، ورأيتهم يتسابقون أيهم يختم القرآن أولا، ثم يبدأ في ختمة أخرى وهكذا، وكنت أنا واحدا منهم بحمد الله وفضله. فأجد بعضهم يختم القرآن في رمضان مرات عديدة، وأجد بعضهم الآخر يختمه عدة مرات، وأجد المقل منهم من يختمه مرة واحدة، وكنت أحاول أن أسبقهم وأكون أكثرهم ختمة، بيد أنني عرفت رجلا أعجزني ما يصنع. عرفت رجلا كنت أختلف إليه أراجع عنده القرآن، فألفيته يختم القرآن في رمضان كل يوم، يبدأ بعد صلاة الظهر فما يؤذن مؤذن الإفطار إلا وقد قرأ سورة «قل أعوذ برب الناس». كان هذا الصنيع منه بمثابة الأعجوبة عندي، فهو بقدر ما هو محبط لي لأنني لا أستطيع مجاراته فيه، بيد أنه كان في الوقت نفسه حافزا لي لأحاول أن أكون مثله. تعجبت في بداية الأمر وأبديت له استغرابي كيف استطاع أن يختم القرآن في هذا الوقت الوجيز، فقال كنت في بداية الأمر ألاقي شدة، فلا أستطيع أن أختمه إلا في وقت أطول من ذلك، ولكني أظن أن الله سبحانه وتعالى قد بارك لي في الوقت حين داومت على ختم كتابه، حيث صرت أختم القرآن بكل يسر وسهولة، وفي وقت وجيز لا يتجاوز خمس ساعات. عند ذلك أدركت صحة ما يذكر عن جماعة من أهل العلم من الصحابة والتابعين الذين يختمون القرآن في ركعة واحدة، وبعضهم يختمه في كل يوم من رمضان عدة مرات. يا سبحان الله كم في ذلك من الخير، حسنات وحسنات، وتزكيات وأخلاقيات، لو علم الذي يختم القرآن في رمضان كم يحصل له من الخير لطار قلبه فرحا بما رزقه الله من الأجور العظيمة، ولركل الدنيا برجله، وعلم أنها لا تعدل جناح بعوضة. كنت أحيانا أرغب نفسي في تلاوة القرآن وختمه بحساب الحسنات التي يتحصل عليها من يختم القرآن، فأقول إن من يختم القرآن في غير رمضان يحصل من الحسنات على ما يفوق ثلاثة آلاف ألف حسنة أي ما يزيد على ثلاثة ملايين حسنة. وذلك لأن حروف القرآن تزيد على ثلاثمئة ألف حرف بإجماع أهل العلم، وكل حرف بعشر حسنات في غير رمضان، فمجموع الحسنات أكثر من ثلاثة آلاف ألف حسنة، وهي ما يزيد على ثلاثة ملايين حسنة. والزيادة على الثلاث مائة ألف حرف تختلف بحسب اختلاف القراء المشهورين، فبعضهم عنده زيادة حروف في بعض الكلمات ككلمة {جملت} في قوله تعالى: {كأنه جملت صفر} فهي في قراءة بعض القراء خمسة حروف هكذا {جمالت} وفي قراءة آخرين ستة حروف هكذا {جمالات} بزيادة ألف إلا أن الجميع مجمعون على كون حروف القرآن تزيد على ثلاثمئة ألف حرف. هذا في غير رمضان، وأما في رمضان فالمعروف كون الفريضة بسبعين فريضة، فإذا قسنا على ذلك الحروف وجعلنا الحرف بحسنة والحسنة في رمضان بسبعين حسنة، كان عدد الحسنات يفوق إحدى وعشرين ألف ألف حسنة، أي ما يزيد على إحدى وعشرين مليون حسنة. هذا بالنسبة لمن يقرأ القرآن ويختمه وهو لا يحفظه، وأما من يحفظه فهيهات هيهات، أولئك أهل الله وخاصته، وقلوبهم أعمر القلوب وأطهرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، وهذا يعني أنه بقدر ما في قلب العبد من القرآن بقدر ما يكون قلبه أعمر من قلب غيره. وقد زكى الله حفاظ القرآن بكونهم ممن أوتوا العلم بقوله تبارك وتعالى: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ}. وأما ما يحصل عليه القارئ من التزكيات والأخلاقيات فهي الأهم، إذ بها تتضاعف الأعمال وتتوالى الطاعات، ولذلك نجد الناس يتغيرون في رمضان، فتحسن أخلاقهم، وتصفو نفوسهم، وتزكو أعمالهم، ولا شك أن من أسباب ذلك -بل من أعظم الأسباب- التعلق بكتاب الله عز وجل، ولو دام هذا التعلق بالكتاب العزيز في غير رمضان لكان وضع الأمة مختلفا. فما من أحد يقرأ القرآن إلا ويجد فيه من الوعظ ما يهز قلبه ويدمع عينه، فتزكو نفسه، ويقوى إيمانه، وذلك أن العبد إذا قرأ القرآن رأى أن الرب سبحانه وتعالى يعنيه بذلك الكلام شخصيا، وأنه هو المقصود بالخطاب، فيأتيه شعور من الخضوع والانكسار ممزوجا بالمحبة والافتقار. ويا لله العجب، ما أعظم هذا الشعور! رب العالمين، ديان يوم الدين، يكلمني أنا بالذات! رب العالمين يرسل إلي أنا شخصيا كتابا من عنده أقرأه! يا سبحان الله، ثكلتني أمي إن لم أنفذ ما فيه، أي عذر عندي غدا إن لم أمتثل ما يمليه عليه كتاب ربي؟! قال خباب بن الأرت لرجل: تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه. والله لو أن ملكا من الملوك أرسل كتابا إلى أحد من رعيته لطار قلب ذلك الإنسان فرحا بكتاب مليكه، ولعله يعلقه في بيته، ويطلع كل أحد عليه، ويتفحص كل كلمة فيه، بل لعله يعد كلماته وحروفه، فرحا بما خصه به دون غيره من الناس. القران فخر الأمة الذي تكفل الله بحفظه، فلا يعرف لأمة من الأمم كتاب لم تلحقه يد التحريف سوى القرآن، يتناقله الأجيال، جيل عن جيل، وطبقة عن طبقة، فما من شيخ إلا وأداه إلى آلاف من الطلبة، وذلك في كل طبقة من طبقات الإسناد، ولذلك حفظه أمم لا يحصون، واستظهره الصغار قبل الكبار، وألف العلماء في رسمه وضبطه ووقوفه وغير ذلك من علومه المؤلفات الكثيرة، وأحصى القراء آياته وكلماته وحروفه، فلا يمكن لأحد أن يزيد فيه حرفا ولا أن يغير شكلا {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. وهو المعجزة الخالدة، فيه نبأ ما قبلنا وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم.