القاضي يدعو لتقوى الله والصيام إيماناً واحتساباً

alarab
باب الريان 22 يوليو 2012 , 12:00ص
الدوحة - ياسين بن لمنور
ألقى الداعية الشيخ أحمد القاضي درس التراويح في ليلة أمس الأول بجامع الإمام محمد عبدالوهاب وخصصها للتقوى، وأشار إلى أن الله عزّ وجلّ خلق العباد ليعبدوه ويوحدوه ولم يخلقهم لفقر حتى يغنى بهم أو لوحشة حتى يؤنسوه أو لضعف حتى يقوى بهم، لافتا إلى أن الحكمة من وجود البشر هي لعبادة المولى مستشهدا بقوله تعالى في الآية 56 من سورة الذاريات: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ». وأوضح الداعية القاضي أن الله فرض علينا صيام شهر رمضان المبارك لعبادته، مشيراً لقوله عزّ وجل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، وأشار إلى أن فرض الصيام ليس الهدف منه الجوع والعطش أو التعب بل لتحقيق تقوى الخالق في الحياة، مؤكداً على أن هذه هي الحكمة من فرض الصيام ليستشهد بآية أخرى من سورة النساء: «وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا» كما ذكر قوله تعالى في سورة البقرة: «وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» وقال إنها آخر آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم، لذا عرف الصحابة المعنى الحقيقي لتقوى الله. وروى الداعية القاضي قصة أحد الرجال العابدين يدعى همام جاء للخليفة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسأله عن التقوى وأن يصف له المتقين قائلا: «يا أمير المؤمنين، صف لي المتقين كأني أنظر إليهم» فرد عليه كرّم الله وجهه: «يا همّامُ، اتقِ اللهَ وأحْسِنْ فإن اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ»، فلم يقنع همام بِذَلِكَ القول حتّى عزم عليه، ثم أضاف له سيدنا علي رضي الله عنه: «أما بعد، فإن الله سبحان وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا من معصيتهم، لأنه لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فقسم بينهم معايشهم، ووضعهم من الدنيا مواضعهم، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، وقصروا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها متنعمون، وهم والنار كمن قد رآها، فهم فيها معذبون. قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، ومعونتهم في الإسلام عظيمة. وصبروا أياما قصيرة فأعقبتهم راحة طويلة وتجارة مربحة يسرها لهم رب كريم. أرادتهم الدنيا ولم يريدوها، وطلبتهم فأعجزوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلا. يحزنون به أنفسهم ويستبشرون به دواء دائهم. فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا وتطلعت نفوسهم إليها شوقا وظنوا أنها نصب أعينهم. وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم، يمجدون جبارا عظيما، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم. وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء. قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض. ويقول: قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم. لا يرضون من أعمالهم القليل ولا يستكثرون الكثير. فهم لأنفسهم متهمون. ومن أعمالهم مشفقون إذا زكي أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بنفسي مني. «اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون إنك أنت علام الغيوب وستار العيوب، فمن علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين وحزما في لين وإيمانا في يقين وحرصا في علم وعلما في حلم وقصدا في غنى وخشوعا في عبادة وتجملا في فاقة وصبرا في شدة وطلبا في حلال ونشاطا في هدى وتحرجا عن طمع. يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل. يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر. يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا لما حذر من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة. وإن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب. قرة عينه فيما لا يزول. وزهادته فيما لا يبقى. يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل. تراه قريبا أمله، قليلا زللـه، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منذورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه، قليلا شره، كثيرا ذكره، صادقا قوله. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون. وإن كان في الغافلين كتب في الذاكرين. وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين. يعفو عمن ظلمه. ويعطي من حرمه. ويصل من قطعه. وبعيدا فحشه. لينا قوله. غائبا منكره. حاضرا معروفه. مقبلا خيره. مدبرا شره. في الزلازل وقور. وفي المكاره صبور. وفي الرخاء شكور. لا يحيف على من يبغض. ولا يأثم فيمن يحب. ولا يدعي ما ليس له ولا يجحد حقا هو عليه. يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه. ولا يضيع ما استحفظ. ولا ينسى ما ذكر. ولا يتنابذ بالألقاب. ولا يضار بالجار. ولا يشمت بالمصائب. سريعا إلى الصلوات مؤديا للأمانات. بطيئا عن المنكرات. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. لا يدخل في الباطل ولا تخرج من الحق. إن صمت لم يغمه صمته. وإن نطق لم يقل حظه. وإن ضحك لم يعلُ صوته قانع بالذي هو له. لا يجمح به الغيظ ولا يغلبه الهوى ولا يقهره الشح. يخالط الناس ليعلم. ويصمت ليسلم. ويسأل ليفهم. ويتجر ليغنم. ولا يعمل الخير ليفخر به. ولا يتكلم به ليتجبر به على من سواه. وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له. نفسه منه في غناء. والناس منه في راحة أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه. بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة. ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة. ليس تباعده تكبرا وعظمة، ولا دنوه لمكر ولا خديعة»، وأشار الداعية القاضي إلى أن الرجل همام صعقته صعقة حتى أغمي عليه ولما فطن كانت نفسه فيها، وقال: «يا أمير المؤمنين أما والله لقد كنت أخافها عليه»، ثم قال: «هكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها». وختم الداعية القاضي درسه بالدعوة إلى تقوى الله في هذا الشهر الفضيل ودعا الصائمين إلى قبول الوصية والقيام بالصلوات الخمس والابتعاد عن الفتنة وشر البلية.