الصفحات المتخصصة
22 يوليو 2011 , 12:00ص
? د. نعيم محمد عبد الغني
من طبائع الاستبداد أن ينسى الحاكم أنه مسؤول، ويتصرف في الرعية تصرفا حرا مطلقا، جاعلا نفسه في مرتبة الإله، لا يسأل عما يفعل من كبير العمل فضلا عن صغيره، والرعية مسؤولة عن الفتيل والنقير والقطمير.
لقد حفل التاريخ بهذا النموذج المستبد من الحكام الذين ساموا الناس سوء العذاب، وقتلوا مواطن الإبداع في جسد البشرية فأصيبت بمرض الانحطاط، وسوء الفهم وكثرة الوهم، فالظلم والاستبداد يجران التخلف والرجعية وراءهما.
والتاريخ لم يخل من مثل أولئك الحاكمين، ولن يخلو، ولكن يسجل عثراتهم، وانتقام الجبار منهم، فيصبحون عبرة بعد أن كان من المفترض أن يكونوا قدوة.
إن الحكم في الإسلام من مقوماته الرئيسة أن يحاسب الحاكم ويسأل عن أفعاله، وقد قام الرسول –صلى الله عليه وسلم- يسأل صحابته هل ظلم أحدا منهم ليقتص منه عليه الصلاة والسلام.
وبهذا المنهج عامل عمر عماله، وبين لهم مهمته في قومهم فقال: (ألا وإني لا أرسل إليكم عمالي ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، ولكني إنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسننكم، فمن فُعِل به سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لأقتصه منه. قال: فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك لو أن رجلا من المسلمين كان على رعية فأدب بعض رعيته، أئنك لتقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده، وكيف لا أقتص منه وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقتص من نفسه، ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفروهم، ولا تُجَمِّرُوهم فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم».
وعن عطاء قال: «كان عمر بن الخطاب يأمر عماله يتوافونه الموسم، فيقول: يا أيها الناس، إني لم أستعمل عمالكم- أو قال: عمالي- ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا من أموالكم ولا من أعراضكم، ولكن إنما أستعملهم عليكم ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيئكم، فمن كانت له مظلمة عند واحد منهم فليقم. قال: فما قام منهم يومئذ غير رجل واحد فقال: يا أمير المؤمنين، عاملك ضربني مائة سوط، قال: قم فاستقد منه. فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إنك إن تفتح هذا على عمالك تكن سنة يستن بها بعدك، فقال: أنا لا أقيد منه، وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقيد من نفسه! قال عمرو: دعنا فلنرضه. قال: فأرضوه. قال: فافتدوا منه بمائتي دينار، كل سوط بدينارين».
لكن التأديب له فنون وأساليب مختلفة وقد استخدم سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أساليب مختلفة منها، مثل أن تعزير الحاكم وإيقافه عن العمل ثم تعريفه بخطئه، وإرجاعه منصبه إن رأى أنه سيكون أحسن حالا في رعيته، ولهذا نموذج ورد في نهج البلاغة المنسوب إلى الإمام علي -رضي الله عنه- حيث جاء فيه أن عمر كان جالسا في المسجد فمر به رجل، فقال: ويل لك يا عمر من النار! فقال: قربوه إلي، فدنا منه، فقال: لم قلت لي ما قلت؟ قال: تستعمل عمالك وتشترط عليهم ثم لا تنظر هل وفوا لك بشروط أم لا؟ قال: وما ذاك؟ قال: عاملك على مصر اشترطت عليه فترك ما أمرته به، وارتكب ما نهيته عنه، ثم شرح له كثيراً من أمره.
فأرسل عمر رجلين من الأنصار، فقال لهما: انتهيا إليه، فاسألا عنه، فإن كان كذب عليه فأعلماني، وإن رأيتما ما يسوءكما فلا تملكاه من أمره شيئاً حتى تأتيا به، فذهبا فسألا عنه فوجداه قد صدق عليه، فجاءا إلى بابه فاستأذنا عليه، فقال حاجبه: إنه ليس عليه اليوم إذن، قالا: ليخرجن إلينا أو لنحرقن عليه بابه، وجاء أحدهما بشعلة من نار فدخل الإذن فأخبره، فخرج إليهما، قالا: إنا رسولا عمر إليك لتأتيه، قال: إن لنا حاجة، تمهلانني لأتزود قالا: إنه عزم علينا ألا نمهلك، فاحتملاه فأتيا به عمر، فلما أتاه سلم عليه فلم يعرفه، وقال: من أنت؟ وكان رجلا أسمر اللون، فلما أصاب من ريف مصر أبيض وسمن فقال: أنا عاملك على مصر، أنا فلان، قال: ويحك! ركبت ما نهيت عنه، وتركت ما أمرت به! والله لأعاقبنك عقوبة أبلغ إليك فيها، آتوني بكساء من صوف وعصا، وثلاثمائة شاة من غنم الصدقة، فقال: البس هذه الدراعة، فقد رأيت أباك وهذه خير من دراعته، وخذ هذه العصا فهي خير من عصا أبيك، واذهب بهذه الشياه فارعها في مكان كذا -وذلك في يوم صائف- ولا تمنع السابلة من ألبانها شيئاً إلا آل عمر، فإني لا أعلم أحداً من آل عمر أصاب من ألبان غنم الصدقة ولحومها شيئاً، فلما ذهب رده، وقال: أفهمت ما قلت؟! فضرب بنفسه الأرض، وقال يا أمير المؤمنين، لا أستطيع هذا، فإن شئت فاضرب عنقي، قال: فإن رددتك فأي رجل تكون؟ قال: والله لا يبلغك بعدها إلا ما تحب.
فرده، فكان نعم الرجل.
وهذه الحادثة تحتاج للوقوف عندها وقفات ستكون موضوع مقال الأسبوع المقبل إن شاء الله.