قصة وفاء حقيقية

alarab
محليات 22 يونيو 2021 , 02:41م
نورة بنت عبدالهادي الدوسري

في أوائل التسعينات الميلادية، في يومِ السبتِ، وبعد صلاةِ العصرِ، حانت لحظةُ رَّحِيلِي عن أهلي، وابتعادي عن وطني، فقد كان ذلك اليوم هو آخر يومٍ لي فـي أحضانِ الأمِّ الرؤوم، ورِعَايـةِ الأبِ الحانِي، في ذلك اليوم كان للدموعِ مَوعدٌ، وللعَبراتِ صَوتٌ، وللعِناقِ حُضُورٌ، وللآهاتِ صدى.
  في داخلِ أسوارِ المنزل حان وداعي لرُفقاءِ عُمرِي، وشُركاءِ ذكرياتِي... فها هو أبي وبجواره إخْوانِي قد تغيرَتْ أحوالُهُمْ، وتبدَّلتْ مواقِفُهُم، يودعونني وعَبَرَاتُهُم تفْضَحُ تمَاسُكَهُم.
أمَّا وداعِي لأُمِّي فأستميحُكُم عُذراً، فلا قُدْرَةَ لحُروفِي، ولا طاقةَ لكلماتِي أن تَصِفَ ذلكم المشهدَ العظيم، والموقفَ المَهِيب! لكنَّنِي أتذكر أنَّهَا كانت ترمُقَنِي بعَينِينِ، اختلطَ فيهمَا بَرِيقُ الدُّمُوعِ بغاشيةِ الحُزنِ.
ولمَّا تحرَّكتْ السيارةُ، كانت اللَّحظَة الأَصْعَب - لحظة فِراقِ الأهلِ والأحبَّة - فالتفتُّ أُلقي النظرةَ الأخيرةَ على أفراد مُجتمَعِي الصغيرِ الطَّاهرِ النَّقِي، ولسانُ حالِي يُردِّد:

ما الموتُ إلا فِرَاقُ الأهـلِ والوطَنِ
 يا ليتنِي لم أكُنْ والبِيـنُ لم يكُنِ 
سَعداً لِمَنْ عاشَ بينَ الأهلِ في وطَنٍ 
  فراحةُ القَلبِ في الدُّنيا بِلا ثَمَنِ

وابتعدَتْ السيَّارَة... واختفى خَيالُ الأَحِبَّةِ، فدعوتُ ربِّي كما قضى بافتِراقِنا أن يقضيَ باجتماعِنا ثانية.

قـد قضَى اللهُ بالبُعادِ علينا
فعسى باقـترَابِنَا سوفَ يقْضِي

وبعـد خَتْمِ جوازاتِنَا إيذانَاً بالمغادرة، والخروجِ من أرض قطر الغالية ارتعَشَ جِسمِي، واهتزَّ كيانِي، وازدَادَ بُكائِي، وارتفعَ صَوتُ نشِيجِي! 
لا تلوموني… إنها لحظةُ فِرَاقِ وطَن، وما أقسَاها من لحظة! عندها ألتفَتُّ بِكُلِّ جَوارِحِي أُلقِيَ النظرةَ الأخيرةَ على أجملِ بلدٍ، وأغلى وطنٍ، وأسمى شَعْـبٍ، لقد شَعَـرْتُ بأنَّ كُـلَّ قطر بأهلِها وسمَائِها وبَحْرِها وشواطِئِها يُلوِّحُونَ بأيدِيهم مودِّعِينَ، فاغرورَقَتْ عيناي، ولسانُ حالِي يُـرَدِّدُ… أُفٍّ لمن باعَ وطنَهُ، ثُمَّ أُفٍ لِمنْ تنكَّرَ لبِلادِهِ ونَسِي أهلَهُ وذِكْرَيَاتِه.

ولـي وطَــنٌ آليـتُ ألا أَبـيعَــهُ
وألاَّ أرى غيري لهُ الدَّهرَ مالِكا
عهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ ونِعمة
 كنِعْمَةِ قومٍ أصبَحُوا في ظِلالكـا
 وبعد دقائق اختفَتْ معالِمُ بِلادي قطر، فأخذت أُردِّدُ بصوتٍ خافتٍ: ما أجمَلَكِ يا قطر، أُحِبُّكِ كثيراً، فأنتِ العُشُّ الكبيرُ الذي وُلِدتُ فيه، وعلى تُربَتِهِ دَرَجْتُ  شَمَمْتُ هواءَكِ العليل، واستَعذَبْتُ نَسِيمَكِ الجميل... 
وهاأنذا أخرجُ بجسدِي، وبِجُزْءٍ من رُوحِي، أمَّا الجُزْءُ الآخرُ فبقِيَ هناك  يستوطنُ كلَّ مكانٍ سكنْتُهُ، وكُلَّ أرْضٍ وطِئتُهَا، وكُلَّ خَطْوةٍ مشَيتُها.

أودَعتُهُ نِصْفَ رُوحِي يومَ ودَّعَنِي
والنِّصْفُ باقٍ مَعِي للهَمِّ والحُزْنِ

ولمَّا أخذتُ جوازَ سفري لوضعِهِ في حقيبَتِي، نظرتُ إليه فإذا هو المخلوقُ الوحيدُ القطري الذي رافقني في سفري، فخاطبتُهُ أُعاهِدُهُ بأنَّنِي سأظَلُّ وفيَّةً لهُ ولن أتنازلَ أو أتخلى عنه مهما كانت الظروفُ والمُغرَيات ( فإنَّ حُسْنَ العهدِ من الإيمان )، والحُرُّ من راعى وِدَادَ لحظة.
وتمُرُّ عِدةُ أشْهُرٍ على رحِيلِي عن غاليتي قطر، وعشقي الريان، وما أطولَه من زمَنٍ، ثمَّ تَحِينُ لحظةُ الإيابِ لزيارةِ الأهلِ والأحباب، واسمحوا لي أنْ أذْكُرَ طَرَفاً من زِيارَتِي الأولى لقطر، ولمدينتي الريان... ولا أُبالِغُ إن قلتُ لكم بأنَّنِي عِشْتُ فرحةَ رجوعِي لوطني، وتفاصيلَ لِقَائِي بأهلِي قبلَ أنْ 

أصِلَ إليهم… 
 في ذلك اليومِ الجميل - الذي لا يُنسى - دخلتُ بلادي قطر، وأنا في غايةِ الفَرَحِ، وفي لهفَةٍ وشَوقٍ عظيمٍ؛ لاسترجاعِ ماضٍ جميـلٍ، وها نحن نصل إلى أولِ معالِم مدينتِي، فتتسَارَعُ أنفَاسِي، وتزدادُ نبَضَاتُ قلبِي، وتدمعُ عينِي...
 يا الله... إنَّها الرَّيَّان، وما أدراك ما الريان؟ مدينَتِي الجميلةُ، مسقطُ رأسِي  ومستودعُ ذكرياتِ طفولَتِي وصِبَاي!! إنَّهَا المدينةُ التي ضَمَّتنِي بين جَوانِحِها  والخيمَةُ الدافِئةُ التي مشَيتُ في أزِقَّتِها، ودرستُ في مَدَارِسِها، وشممتُ هوَاءَها، وتضَلَعْتُ من مائِها.

رأيتُ بلادِي فاستَهلَّت مَدَامِعِي  
بشوقِي إلى عَهْدِ الصِّبَا المُتقَادِم
ودخلنا الريان …ومهما تقولون عن الرَّيَان، ومهمَا تصِفُونَها، فهي في نظري أجملُ من أوروبا والأمريكتين، أشُمُّ عبَقَ التاريخِ في جَمَالِ رُوحِ أهلِهَا، وسُمُوِّ أخْلاقِهِم، ونُبْلِ صِفَاتِهمْ، تقولون عنها عتيقة، فأقـولُ لكم..

(أجمل العُودِ أعتقُهُ)  تقولون ليس فيها من الحُسْنِ شيءٌ، فأقول لكم..( كُّل الجمالِ فيها لكنَّكُم لا تُبصِرون )، ويكفي أنَّهْا وطَنِي، وفيها يعيشُ أهلِي وأحبَتِي.

ونَستعْذِبُ الأرضَ التي لا هوا بها
ولا ماؤُهَا عَـذْبٌ ولكنَّهـا وطنُ

وفي الطريق مررت بمدرستِي النجاح الابتدائية، فخفقَ قلبي، وانهمَرَتْ دُمُوعِي.. فكم لي في هذا المحضنِ التربوي من مواقفَ وذكريات: ففي داخل أسوارِها عشتُ طُفولتِي مع زمِيلاتِ دِراسَتِي وصدِيقَاتِ عُمرِي، وفي ساحَاتِها ركَضْتُ وركَضْتُ، وفي فُصُولِها كَبُرْتُ وتعَلَّمْت... ولو أنَّ أسوارَها لا تزالُ قائمةً على وجْهِ الأرضِ لمررتُ بها، ولكتبتُ شهادَتَها، ولكنْ أسفاً، فقد غابَتْ، فلا وجودَ لها الآن، ولا صَوتٌ بها لأحبَابِي.

وقفتُ فيها أصِيلاً كي أُسُائِلَها  
عيَّتْ جَوَابَاً وما بالرَّبْعِ مِن أَحدِ
  وتَصِـلُ السَّيـارةُ لمنزلي، وتبدأُ مرَاسِمُ استقبالي، ويا الله ما أروَعَهُ من استِقبَالٍ، وما أبْهَاها من وجُوهٍ، وما أجملها من لحظاتٍ، وما أروَعَها من مَشَاعِر، وما أسمَاها من كَلِمَاتٍ، كُنْتُ أستمِعُ إليها من الجميع، صدِّقُونِي كُنْتُ وقتَهَا كالمَلِكَةِ لكِنْ بلا عرش، وكالأمِيرةِ لكِنْ بلا تاج.
 وانقضتْ أيامُ زيارتِي لقطر، ومرَّتْ الأيامُ، وتعاقبت السُّنُونُ، وأنا أعيش مَعَ أُسْرَتِي الجديدة بعيدةً عن وطني، في سعَادةٍ وراحةٍ غامرة، لكِنَّ قطر ظلَّتْ حاضِرةً معي طِيلةَ غيابِي عنها، استرجع ذِكْرَياتِ الطفولة، وأخبَارَ الصِّبَا...
لقد كنتُ أُدافعُ عن بلادي قطر، وأتحدثُ عنها كثيراً، أنتقِي أجملَ العباراتِ  وأختارُ أبلغَ الكلماتِ لوصفِها، وكُلُّ ذلك نزرٌ يسيرٌ في حقِّها، فما أُكِنُّهُ من حُبٍّ، وما أحْمِلُهُ من وفاءٍ لها أكبَرُ وأسمَى، فــ قطر بلادي، وقطر ديرتي، أُمِّي وأبوي وكل من فيها هلي.
لقـد عِشتُ في الريَّان صَغِيـرةً مدلَّلة هانئة، ثم خرجتُ منها مودَّعَةً باكِيةً لقد أمضيتُ أكثر من عقدين من الزمن خارج قطر، لكنني طِوال تلك الفترة لم أنسَ قِبلةَ المضيوم، وكنتُ أُحدِّث نفسي دائماً وأردد:( هل من رجوعٍ لحضنِ  قطر؟  وهل من عودةٍ للرَيَّان؟ ).
وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمان توالت عليَّ عباراتُ النُّصْحِ وكلماتُ العِتابِ بضَرُورةِ تسليمِ جوازي؛ والتنازُلِ عن جِنسِيتي؛ للحصولِ على الوظِيفةِ والراتب، والعلاج المجاني، والتنعم بالميزات العديدة، لكنْ هيهات لقلبي أن يرضى، وهيهات لعقلي أن يقبل، لقد آثَرْتُ بلادِي على الدنيا كُلِّها، وصرختُ بأعلى صوتي:  )خُذُوا مِنِّي كُلَّ شيءٍ إلا جنسيتي القطرية وجوازيَ العِنَّابِي ).
اعذروني... فما سبق ما هو إلا إلماحة مختصرة لمشاعر مواطنةٍ قطرية أحبَّتْ وطنها، وعشِقت أرضَهَا، وضحت بالمال والوظيفة في سبيل بقائها على جنسيتها القطرية، واحتفاظها بجوازها العنابي لمدة 28 سنة، على أمل كبير بالعودة لسكنى قطر، والارتماء في حضنها مع أولادها.

كم منزِلٍ في الأرضِ يَأْلفُهُ الفتَى   
 وحنِينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنْزِلِ