الصفحات المتخصصة
22 يونيو 2016 , 12:01ص
حرصاً من جريدة العرب على استكمال الفائدة ومواصلة ما بدأته العام الماضي مع تفسير جزء تبارك للشيخ يوسف القرضاوي فإنها تواصل في أيام رمضان هذا العام نشر ما تبقى من تفسير الشيخ لجزء تبارك، علماَ أن الشيخ قال: صاحبت القرآن أكثر من سبعين عاماً، وكان محور دروسي ومحاضراتي وكتبي وخطبي وفتاواي التي نشرتُ بعضاً منها في أربعة مجلدات كبيرة، ولقد ألَّفْت في مختلف فنون الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي، في العقيدة والتفسير والحديث والتصوف والتاريخ والدراسات الإسلامية المعاصرة، وهي كثيرة..
وقد قاربت مؤلفاتي على مائتي كتاب بين الكبير والمتوسط والصغير، وتعددت موضوعاتها بين الفقه والفكر، وما يخاطب العقل، وما يسمو بالروح، وألفت في موضوعات القرآن مثل: (الصبر في القرآن)، و(العقل والعلم في القرآن) وفي علومه (كيف نتعامل مع القرآن)، غير أن الحنين أن أنضم إلى قافلة مفسري القرآن، وأن أؤلف في تفسير القرآن ظل يراودني الفَينة بعد الفينة، فلقد أممت الناس ما يقارب (نصف قرن) في قطر في صلاة التراويح، وألقي درساً بعد الركعات الأربع الأولى عن بعض الآيات التي قرأتها، وكنت قد أُعِرْت إلى الجزائر عاماً، وهناك كان لي درس أسبوعي فسّرت فيه سورة يوسف كاملة، لكن للأسف لم ينشط أحد لجمعِها، وبعد عودتي إلى قطر اقترح علي بعض الإخوة أن يكون لي درس أسبوعي في مسجد عمر بن الخطاب، وأن أبدأ بسورة الرعد، ونشطت بعد ذلك لتفسير إبراهيم والحجر، وهي جميعا مطبوعة.
يواصل الشيخ القرضاوي في تفسيره لسورة المدّثّر كيف تصدّى القرآن لموقف الوليد بن المغيرة الذي عجز أمام بلاغة القرآن وحسنه ورونقه، فبعد أن تأكد من أنه لا يشبه كلام المخلوقين لم يجد أمامه سوى السحر ليعلق عليه شماعة فشله.
معنى قوله: (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا)
ومن النِّعم التي أوْلاه الله إيَّاها، ولم يشكُرْها لمُنعِمها: هذا التمهيد والتوطئة، ومعنى {وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا}أي: بسطتُ له في العيش بسطاً، حتى أقام ببلدته مترفِّهاً، يُرجع إلى رأيه، والتمهيد عند العرب: التوطئة والتهيئة، ومنه: مَهْدُ الصبيِّ، ولهذا امتنَّ الله على عباده، فقال: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} [النبأ:6].
وقال ابن عباس: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا} أي: وسَّعْتُ له ما بين اليمن والشام، وقال مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا}:إنه المال بعضه فوق بعض، كما يُمَهَّد الفراش.
معنى قوله: {ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ}:
ثم إنَّ الوليد يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد، دون أن يقدِّم ما يستوجب المزيد، وهو شكر النعمة، وقد قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم:7]. وهو ممَّن كفر، وليس ممَّن شكر، فكيف يطمع في الزيادة، وهو لم يستحقَّ بقاءَ الأصل؟!
معنى {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا}: قال تعالى ردّا على الوليد في تطلُّعاته التي لا يستحقها: {كَلَّا} ردع له وقطع لرجائه وطمعه، أيْ: لا يكون ذلك مع كفره بالنِّعم، وقال الحسن وغيره: ثم يطمع أن أُدخله الجنة، فهؤلاء الطامعون لم يكتفوا بما نالوه من نِعَم الدنيا، فطمعوا أن يدخلوا الجنة أيضاً، والجنَّة حرَّمها الله على المشركين، فما لهم إلا النَّار.
وكان الوليد يقول: إن كان محمد صادقاً، فليست الجنة إلا لي؛ فقال الله تعالى ردّا عليه وتكذيباً له: {كَلَّا} أي: لستُ أزيده، فلم يزل يرى النقصان في ماله وولده حتى هلك، إلا من آمن منهم؛ خالدٌ وأَخَوَاه.
قال القرطبي: (و{ثُمَّ} في قوله تعالى: {ثُمَّ يَطْمَعُ} ليست بـ(ثم) التي للنَّسَق أي: العطف، ولكنها تعجيب؛ وهي كقوله تعالى: {وَجَعَلَ الظلمات والنور ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]. وذلك كما تقول: أعطيتُك ثم أنتَ تجفوني!! كالمُتَعَجِّب من ذلك، وقيل: يطمع أن أترك ذلك في عقبه، وذلك أنه كان يقول: إنَّ محمَّداً مبتورٌ؛ أي: أبتر، وينقطع ذكره بموته.
وكان يظنُّ أن ما رزق لا ينقطع بموته، وقيل: أي: ثم يطمع أن أنصره على كفره!!
معنى {كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا}:
و{كَلَّا} ردعٌ وقطعٌ للرجاء عمَّا كان يطمع فيه من الزيادة؛ فيكون متَّصِلاً بالكلام الأوَّل.
{إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا} تعليل للرَّدع، أيْ: معانِداً مخالِفاً، كالبعير الذي يعند ويجور عن الطريق، ويعدل عن القصد والسواء، وقد جاء عن المفسِّرين أقوالٌ في تفسير {عَنِيْدًا}:
قال أبو صالح: معناه: مباعِداً، قال الراجز:
إذا رَكِبتُ فاجعلاني وَسَطاً
إنِّي كَبيرٌ لا أطيقُ الْعُنَّدَا
وقال آخر:
أرَاني على حالٍ تُفَرِّقُ بيننا
نوَى غَرْبَةٍ إنّ الفِرَاقَ عَنُودُ
وقال بعضهم: جاحداً، وبعضهم: جحوداً، وبعضهم معرِضاً، وغيرهم: المجاهِر بعداوته، وقال بعضٌ: عنيداً، أيْ: مخالِفاً للحقِّ، معانِداً له، مُعرِضاً عنه.
والمعنى كله متقارب، والعرب تقول: عَنَد الرجل إذا عَتا وجاوز قدرَه، والعَنُود من الإبل: الذي لا يخالط الإبل، إنما هو في ناحيةٍ أبدا، ورجل عَنُود: إذا كان يحُلُّ وحده، لا يخالط الناس.
وفي سورة إبراهيم: {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم:15].
معنى (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا): وهذه الآية تضمَّنت وعيداً للوليد بن المغيرة ولمَنْ كان مثله في عِناده لآيات الله، بعذابٍ ذي صفة خاصَّة في جهنَّم، وهو تحميله ما لا يُطيق صاعدًا على عقبةٍ كؤود.
ومعنى (سأرهقه) أي: سأكلِّفُه، أو سألجئه؛ والإرهاق في كلام العرب: أن يُحَمل الإنسان على الشيء الذي ليس بخفيف عليه، يقول سيدنا موسى لصاحبه: {وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} [الكهف:73].
والصَّعُود: قالوا: إنه صخرة ملساء عالية يُكلَّف صعودها، فإذا صار في أعلاها حَدِر في أسفلها، ويُكَلَّف أن يصعدها ثانية.
قال ابن عباس: المعنى سأكلفه مشقَّةً من العذاب لا راحة له فيه. ونحوه عن الحسن وقتادة.
قال الأستاذ الأديب الشهيد سيد قطب رحمه الله عند هذه الآية: (وهو تعبير مصور لحركة المشقَّة. فالتصعيد في الطريق هو أشق السير وأشده إرهاقاً فإذا كان دفعاً من غير إرادة من المُصَعِّد كان أكثر مشقة وأعظم إرهاقًا. وهو في الوقت ذاته تعبير عن حقيقة، فالذي ينحرف عن طريق الإيمان السهل الميسر الودود، يندبُّ في طريق وعر شاقٍّ مبتوت، ويقطع الحياة في قلق وشدة وكربة وضيق، كأنما يصَّعَّد في السماء، أو يصَّعَّد في وعر صلْد لا ريّ فيه ولا زاد، ولا راحة ولا أمل في نهاية الطريق.
معنى (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ):
قال تعالى في تعليله للوعيد:{إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ} يعني الوليد؛ فكَّر في شأن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والقرآن، و{قَدَّرَ} أي: هيَّأ الكلام في نفسِه، والعرب تقول: قدَّرتُ الشيءَ: إذا هيَّأته. وذلك أنه لما نزل: {حم* تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} إلى قوله: {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} [غافر:1-3] على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعه الوليد يقرؤها، فقال: والله لقد سمعتُ منه كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجنِّ، وإنَّ له لحَلاوةً، وإنَّ عليه لطَلاوة، وإنَّ أعلاه لمُثْمِر، وإنَّ أسفله لمُغدِق، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه، وما يقول هذا بشر.
فقالت قريش: صَبَأ الوليدُ، لتَصْبَأَنَّ قريش كلُّها، وكان يقال للوليد: ريحانةُ قريش، فقال أبو جهل: أنا أكفيكُموه، فانطلق إليه حزيناً؟ فقال له: ما لي أراك حزيناً؟ فقال له: وما لي لا أحزن، وهذه قريش يجمعون لك نفقةً يُعينُونك بها على كِبَر سِنِّكَ، ويزعمون أنك زيَّنْتَ كلامَ محمد، وتدخل على ابن أبي كَبْشَة، وابنِ أبي قُحافة، لتنالَ من فَضْلِ طعامِهما؟ فغضب الوليد وتكبَّر، وقال: أنا أحتاج إلى كِسَر محمَّدٍ وصاحبه، فأنتم تعرفون قدْرَ مالي، واللَّات والعُزَّى ما بي حاجة إلى ذلك، وإنما أنتم تزعمون أنَّ محمداً مجنون، فهل رأيتموه قطُّ يُخْنُق؟ قالوا: لا واللَّهِ.
قال: فتزعمون أنه كذَّاب، فهل جرَّبتُم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا والله، قال: فتزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه تكهَّنَ قط؟ ولقد رأينا للكَهَنَة أسجاعاً وتَخَالُجاً، فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا واللَّهِ.
قال: فتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه نطقَ بشِعْرٍ قطُّ؟ قالوا: لا.
قال: فتزعمون أنه كذَّاب، فهل جرَّبتم عليه كذبًا قط؟ قالوا: لا.
وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى الصادق الأمين من كثرة صدقه، فقالت قريشٌ للوليد: فما هو؟ ففكَّر في نفسه، ثم نظر، ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يُفِرِّق بين الرجل وأهله، وولده ومواليه؟!، فذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ} أي: في أمر محمد والقرآن.{وَقَدَّرَ} في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما.
{فَقُتِلَ} أي: لُعِن، وكان بعض أهل التأويل يقول: معناها فقُهر وغُلِب، وكل مُذَلَّل مُقتَّل؛ قال الشاعر:
ومَا ذَرَفَتْ عيناكِ إلَّا لِتَقْدَحِي
بسَهْمَيْكِ في أَعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
وقال الزهريّ: عُذِّب؛ وهو من باب الدعاء، (كَيْفَ قَدَّرَ} قال ناسٌ: (كَيْفَ) تعجيب؛ كما يقال للرجل تَتَعَجَّب من صنيعه: كيف فعلتَ هذا؟ وذلك كقوله: {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} [الإسراء:48]. (ثُمَّ قُتِلَ) أي: لُعن لعناً بعدَ لَعن، وقيل: فقُتِل بضَرْب من العقوبة، ثم قتل بضرب آخر من العقوبة. (كَيْفَ قَدَّرَ) أيْ: على أيِّ حال قَدَّر؟ و{ثُمَّ} الداخلة في تكرير الدعاء؛ للدلالة على أنَّ الكرَّة الثانية أبلغ من الأولى، {ثُمَّ نَظَرَ} بأيِّ شيءٍ يردُّ الحقَّ ويدفعه، وهذه الآية (21) من سورة المدثر أقصر آية في القرآن الكريم.