حول العالم
22 مايو 2014 , 12:00ص
جاكي خوري - هآرتس
«عاصمة الثورة السورية». كان هذا لقب مدينة حمص حتى وقت أخير مضى. ولكن منذ تحقق في بداية الشهر الاتفاق بين النظام السوري وقوات الثوار، وأدى إلى انسحاب المئات منهم من المدينة، حظي نظام الأسد بتفوق مزدوج: استراتيجي ومعنوي أيضا.
المعركة في سوريا التي دخلت السنة الرابعة بعيدة عن النهاية، وأصبحت بمثابة حرب استنزاف، كل طرف يحاول الحصول على مزيد من الأراضي كي يحظى بانتصارات موضعية تمنحه فضائل في الساحة السياسية أو في كل مفاوضات مستقبلية.
يحاول النظام ضمان سيطرته في المدن الكبرى من دمشق العاصمة في الجنوب وحتى حلب في الشمال وكذلك في اتجاه الغرب، بهدف الاحتفاظ بأرض تتضمن قاطع الشاطئ ومدينة اللاذقية التي تعتبر معقل الرئيس بشار الأسد.
وحسب التقديرات المختلفة، يريد الأسد أن يضمن السيطرة على التجمعات السكانية الكبرى قبيل إجراء انتخابات الرئاسة التي يتنافس فيها، كي يتمكن من الادعاء بأن أغلبية الشعب السوري شاركت في الانتخابات.
إلى جانب القتال بين الثوار وجيش الأسد، والذي يجري هذه الأيام أساسا في مناطق سيطرة الثوار، يدير معارضو النظام معارك شديدة بينهم وبين أنفسهم. فاللاعبون المركزيون في المعارك هم رجال منظمة الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» الذين يقاتلون قوات الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية.
وفضلا عن الرغبة في السيطرة على مناطق استراتيجية، هناك المواجهة الأيديولوجية في داعش الذين أعلنوا أنهم يقاتلون من أجل إقامة دولة إسلامية وفقا لمبادئ متطرفة لا تنسجم والموقف الذي تقدمه المعارضة السورية عن إقامة دولة حرة وعلمانية.
خريطة نشرتها مؤخرا منظمة ACAPS التي تعنى بتقدير الاحتياجات الإنسانية في حالات الطوارئ والأزمات المعقدة، وكذلك خرائط أخرى نشرها باحثون واستراتيجيون في العالم العربي، تعرض صورة سيطرة المنظمات المختلفة في سوريا وإن كان في مناطق عديدة في شمالي الدولة، في شرقها وفي وحدودها الجنوبية، من الصعب الإعلان عن سيطرة كاملة لهذا الطرف أو ذاك.
ومع خروج الثوار من حمص، يمكن الافتراض حاليا بأن المدينة، التي تقع في وسط الدولة، خرجت من دائرة المعارك. والتفسير بذلك يوجد في بث التلفزيون السوري وفي القنوات الفضائية الأخرى التي عرضت على مدى بضعة أيام صور مواطنين من سكان حمص يدخلون إلى مركز المدينة وإلى البلدة القديمة التي كانت محاصرة لنحو سنتين. وفي النظام يبرزون حقيقة أن المحور بين دمشق في الجنوب وبين حمص مفتوح ويسيطر عليه بكامله الجيش السوري.
وحسب تقديرات محافل في الدولة، تستند إلى تقارير ميدانية، فإن المعركة الحاسمة التالية ستقع في ضواحي دمشق الشرقية الغوطة الشرقية. في سوريا يبلغون بأنه منذ بداية أبريل تدور في المنطقة معارك شديدة تتضمن قصفا من الجو.
ويحاول جيش الأسد، دون نجاح كبير، هزيمة ميليشيات الجيش السوري الحر ومقاتلي الجبهة الإسلامية. وتشرح محافل في المعارضة بأن النظام يجد صعوبة في هزيمة الثوار كون هؤلاء يستغلون شبكة الأنفاق لضرب خطوط تموين النظام، ويهاجمون وحدات الجيش بوسائل حرب العصابات. وتعتبر مدينة دوما عاصمة الضاحية وكانت بين المدن الأولى التي ثارت ضد النظام ويتمركز فيها آلاف المقاتلين إلى جانب السكان المدنيين، الأمر الذي يجعل من الصعب على النظام تحقيق سيطرة في المنطقة.
معارك شديدة تدور منذ أسابيع في منطقة مدينة الشاطئ قصب التي تقع على الحدود مع تركيا. وفي مارس الماضي نجح الثوار لأول مرة في الوصول إلى شاطئ البحر المتوسط والسيطرة على معبر الحدود. وفي هذه الأيام يحاول النظام صد الثوار شمالا وشرقا ومنع تقدمهم وسيطرتهم على الطريق المؤدي إلى مدينة ميناء اللاذقية. وتدعي المعارضة بأن المعارك في قصب أحرجت الأسد وحلفاءه كون هذه المنطقة كانت توجد تحت سيطرة النظام الكاملة.
وبلغ الجيش السوري بوقف تقدم الثوار بل وفي تراجعهم، ولكن تقريرا لصحيفة «الأخبار» اللبنانية أفاد هذا الأسبوع بأن المعارك في قصب بعيدة عن النهاية، وأنه رغم سيطرة الجيش السوري في عدة تلال نقاط استراتيجية، فإن الثوار أيضاً يتمترسون في المناطق الجبلية التي تمنع تقدم جيش النظام.
وخلافا لحمص ودمشق تبدو صورة الوضع معقدة ومركبة أكثر بكثير في مدينة حلب، التي تعتبر العاصمة الاقتصادية في شمالي الدولة. وتتوزع السيطرة في المدينة بين قوات النظام، التي تسيطر على الأحياء الجنوبية وبين الجبهة الإسلامية التي تسيطر في البلدة القديمة، في الأحياء الشمالية وفي الضاحية الشمالية. وتسيطر داعش في الضاحية الشرقية، أما في الضاحية الغربية فتسيطر قوات الجيش السوري الحر.
وتسيطر قوات الأكراد التي تتماثل مع نظام الأسد في ثلاث مدن مركزية في شمالي الدولة، بينما قوات داعش تسيطر في المدن والقرى التي توجد شرقي حلب وفي عدة محاور تؤدي إلى مدينة أركا. وتعتبر هذه معقل المنظمة التي تحاول في الأشهر الأخيرة توسيع سيطرتها باتجاه مدينة الحسكة في شمال شرق سوريا وباتجاه دير الزور جنوب شرق أركا، على مسافة غير بعيدة من الحدود العراقية. وتدور أهم المعارك قرب الحدود بين داعش وقوات الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية وليس ضد النظام.
في محافظة درعا في جنوب الدولة يسيطر الجيش السوري أساسا في الأجزاء الشمالية وفي الطريق الدولي إلى دمشق. أما قوات المعارضة، بما فيها الجيش السوري الحر والجبهة الإسلامية فتسيطر في الأجزاء الجنوبية قبيل الحدود مع الأردن. في هذه المنطقة أيضا تستمر بلا انقطاع صراعات القوى. ويتهم النظام الحكومة الأردنية بمساعدة الثوار، بل وجرى الحديث في الماضي كثيرا عن محاولة الثوار إقامة منطقة فاصلة عن جدار الحدود مع الأردن حتى خط وقف النار في هضبة الجولان.
وتروي محافل في الجيش السوري أنه «في هذه الجبهة تدور كل يوم حرب ضروس لمنع سيطرة الثوار». ويريد رجال النظام أن يخلقوا هنا تواصلهم الجغرافي. معظم الميليشيات المسلحة في هذا القاطع هي من الجبهة الإسلامية والجيش السوري الحر.
رغم التفوق النسبي للأسد، وسيطرته في المدن الكبرى والمجالات الكبرى في الدولة، فإن أحدا في سوريا لا يرى نهاية الحرب في الأفق. يحتمل أنه بعد شهر سينتخب الأسد مرة أخرى ويعلن عن نفسه كمنتصر كبير، ولكنه هو أيضاً يعرف أن هذا ليس هو النصر الذي تطلع عليه، ومشكوك أن يتمكن هو في جيله أو أحد آخر أن يعلن عن إعادة بناء سوريا.
في المعارضة سيواصلون خوض حرب استنزاف بأمل أن توفر الولايات المتحدة وغيرها من الدول الدعم الذي يحطم التعادل الدموي القائم. ولكن في الغرف المغلقة، يعترف رجال المعارضة بأنهم عديمو الحيلة، وبعد مؤتمر جنيف 2 ليس لهم حقا من يعتمدون عليه، باستثناء «الشعب السوري» على حد تعبيرهم.