نقاش حول تحولات المسرح العربي في مواجهة المستجدات
ثقافة وفنون
22 مارس 2014 , 12:00ص
الدوحة - العرب
انطلقت أمس السبت ضمن فعاليات مهرجان الدوحة المسرحي 2014 الندوات الفكرية المرافقة التي تمت برمجتها من طرف اللجنة المختصة بحضور عدد من الضيوف والمسرحيين والمهتمين.
وناقشت ندوة أمس موضوع «تحولات المسرح العربي في مواجهة مستجدات العصر» بقاعة المختصر بفندق الريتز كارلتون، والتي أدارتها الدكتورة هدى النعيمي رئيسة لجنة الندوات، وتم خلالها تقديم ثلاث أوراق، الأولى بعنوان «كتابة النص المسرحي ومستجدات الشارع العربي» للأستاذ عز الدين المدني من تونس، والثانية بعنوان «الرؤية الإخراجية الجديدة» للأستاذ أزل إدريس (ألماني من أصل عراقي)، والثالثة بعنوان «المسرح وتحديات وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة» للأستاذ كريم رشيد (سويدي من أصل عراقي).
في بداية الندوة، أشارت الدكتورة هدى النعيمي في كلمة لها إلى أن مهرجان الدوحة المسرحي يحاول أن يؤسس نظريا لمستجدات المسرح وتحولاته وتحدياته محليا وعربيا وإقليميا، مشيرة إلى أن هناك مجموعة من الأسئلة التي ترتبط بموضوع الندوة خاصة ما يرتبط بسؤال الوعي ومدى النضج الثقافي والتربوي وجهوزية المجتمع للتفاعل مع النصوص والعروض المسرحية، محيلة على المسرح الإغريقي الذي قالت: إنه نجح منذ البداية في أن يجد جمهوره منذ خطواته الأولى لأنه أجاد التعبير عن هموم ناسه وانشغالاتهم ومخاوفهم وواصل تطوره، رغم أن هناك من قد يقول إن وعي المجتمعات الإغريقية والرومانية لم يكن بذاك التطور حين نجح المسرح عندهم في استقطاب مشاهديه، مما أصبح يتطلب العمل من أجل البحث عن إجابات أقرب إلى المعقول في مدى صدق النص في التعبير عن زمنه وهواجسه عصره وعن استعداد الجمهور للتفاعل مع القفزات النوعية في عصور التحولات الكبرى.
كتابة النص المسرحي ومستجدات الشارع العربي
الكاتب المسرحي التونسي عز الدين المدني، وفي مداخلته التي حملت عنوان «كتابة النص المسرحي ومستجدات الشارع العربي» توقف بداية عند مسرحيته «ثورة صاحب الحمار» التي تناولها المخرج محمد الفاضل الجزيري، والتي سبق أن تم تقديمها في سبعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أنها تحمل الكثير من أصداء الثورة التونسية التي اندلعت يوم 14 يناير 2011، حيث قام الجزيري بتوظيف ما لا يقل عن 120 ممثلا من أجل إبراز الجانب الشعبي المعادي والمواجه للطغيان الفردي والديكتاتورية السياسية، حيث نجحت المسرحية فنيا وجماهيريا، مضيفا أنها لم تكن المسرحية الوحيدة التي تناول فيها هذه المستجدات، بل هناك أخرى مثل «ديوان ثورة الزنج» و»رحلة الحلاج» و»مولاي السلطان الحسن الحفصي» و»قرطاج» وغيرها.
وقال المدني بخصوص توصيف «الشارع العربي»: إنه لا يحبذ تناول هذا المصطلح المتداول لدى رجال الإعلام بحكم أن المسرح والكتابة المسرحية لا علاقة لها بالصحافة ولا بالربورتاج الصحافي، ولكنها تتأسس على ما لا يقال وما لا يروى وما لا يسمع، كما أنها تفتح كل ما هو مغلق ومحفوظ في الخزائن مثلما تفتح الوعي والضمير المغلق. وتوقف المتحدث عند ما سماه المسرح الوثائقي الذي قال: إنه موجود كالأفلام الوثائقية والروايات الوثائقية، حيث ينقلب الكاتب إلى مسجل للأحداث الخارجة عن إبداعه الشخصي، مشيراً إلى أن هذا الاتجاه المسرحي تمت ممارسته في مسارح أميركا اللاتينية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ليمر بعد ذلك إلى القول بأنه يمكن ترتيب النصوص المسرحية من حيث الزمن بين ما كتب في الحاضر المعيش الذي يتناول الأحداث الراهنة مقتبسا الهالة المعنوية التي يتوج بها، وبين المسرحيات التي تكتب بعد الأحداث الشعبية الجسام مثل الثورة والمقاومة المسلحة، حيث يبذل الكاتب قصارى جهده في سبيل أن تكون ذات معنى يظل حيا رغم مضي الزمن، وهو ما فعله شكسبير في مسرحيته الشهيرة «كوريولان» وكذا الكاتب المسرحي جان جيرودو في مسرحيته «حرب طروادة لن تقع».
المسرح وتحديات وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة
وتحت عنوان «المسرح وتحديات وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة» جاءت ورقة المخرج والمدرب في المسرح البلدي السويدي كريم رشيد العتابي، مؤكداً أن وسائل التواصل الاجتماعي اجتذبت الأجيال الجديدة نحوها بقوة، وفرضت تغيرات نوعية شاملة في الفن المسرحي تتعلق بآليات إنتاجه وجمالياته، وهو الأمر الذي استدعى تغييرا كبيرا في نمط إعداد الكوادر المسرحية التي صارت تقترب شيئا فشيئا إلى صناعة التقنيات وإدارتها وبرمجتها.
أما على صعيد الجمهور المسرحي فإن تقنيات الديجتال تسعى لتغيير آليات التلقي فتفرض ما يناسبها وتستبعد ما لا يتوافق مع عالمها الافتراضي، مؤكداً أن هذا التحدي الجديد يدعونا إلى تفعيل مختبراتنا البحثية والأكاديمية والعملية وورشنا التطبيقية وتصعيد الجهد الإبداعي في كل مساراته لكي لا تباغتنا التحولات التقنية باشتراطاتها الجديدة التي لا ندرك أبجدياتها بعد. وأوضح أن المسارح التجريبية ومسارح الشباب في أميركا واليابان وشرق آسيا وبالتحديد في تايوان وسنغافورة، سعيا لتطوير الصلة بين عروض الفنون المسرحية الراقصة وتقنيات الديجتال البصرية للتعبير عن قلق الإنسان في مواجهة متغيرات الحياة المتواصلة والسريعة معتمدين بشكل أساسي على لغة الجسد في فضاء المسرح، حيث تم إنشاء مسارح حديثة ونظمت مهرجانات لفنون الميديا في اليابان ونيويورك، وشرق آسيا، للتعريف بهذا النمط من العروض المسرحية التي أحدثت تغييرا هائلا في آليات العمل المسرحي.
وقدم العتابي نموذجا من عروض مسرح الديجتال عرض بعنوان الحاسة السابعة قدم في تايوان واختارته الهيئة العربية للمسرح لافتتاح مهرجان المسرح العربي السادس في الشارقة هذا العام، معتبرا أنه كان إشارة نحو التفكير الجدي والبحث في إجراءات تطبيقية تحفز المسرحيين العرب لتأمل تلك التحولات الجديدة. وأشار إلى أن كثيرا من المخرجين المسرحيين أدركوا خطورة إحالة المنصة المسرحية إلى فضاء لعرض القدرات الهائلة للتقنية الإلكترونية، ما يجعل المسرح يبدو وكأنه شاشة تصفح إلكتروني تقدم عروضا بصرية افتراضية فيطيح بأهم مقومات الفن المسرحي القائمة على فن الأداء التمثيلي والطاقة الشعورية التي يبثها الجسد البصري ليصل مباشرة إلى الجمهور، مؤكداً أنه لا يمكن في ذات الوقت منع هذا التسلل الإلكتروني إلى العمارة المسرحية.
الرؤية الإخراجية الجديدة
المخرج والممثل الألماني- العراقي أزل يحيى إدريس وفي مداخلته التي حملت عنوان «الرؤية الإخراجية الجديدة» انطلق في عرضه من تحليله الشخصي لتجارب ألمانية مسرحية حديثة، مشيراً إلى أن مسرح ما بعد الحداثة لا تربطه قيود ولا ينتمي إلى أي نمط من أنماط المسرح المتعارف عليه. وأشار أزل إدريس إلى أن المسرح والبعد الرؤيوي الإبداعي الجديد هو وسيلة المخرج المعاصرة لتوصيل رؤياه للمتلقي، كما أن المخرج المسرحي الحديث يجب عليه أن ينجح في استعمال وسائله التعبيرية وأدواته بشكل مبدع ما لم يمتلك معرفة دقيقة بقوانين المسرحية، ضاربا المثل بمسرحية «ليلة واحدة قبل عيد الحب» للمخرجة الألمانية بيركيت، والتي تجمع بين لغة الجسد والصورة، وسيطرت على العمل رغم اعتماده على الارتجال في بناء المشهد.
وقال المخرج أزل يحيى إدريس: إن الرؤية الإخراجية الحديثة تبنى من خلال تحقيق البحث المتجدد دائما والتمرد على النص والفكرة والزمان والمكان وحتى على المفردة المسرحية، مشيراً إلى أنه كمخرج استطاع أن يتمرس على مختلف المدارس الغربية، وأن يتأثر بها وفي مقدمتها المدرسة السريالية والعبثية وتوظيفها في مواضيع عراقية تحمل هما إنسانيا حيث لا يدخر وسيلة أو أداة أو ومضة خيال مهما بدت غريبة أو حتى جنونية، حيث يجمع في ذلك بين التقنية والفن عبر سلسلة من المؤثرات المسرحية المتعددة بدءا من الإضاءة ومرورا بتصوير الفيديو الحي والموسيقى والعزف الحي على العود، ليختتم عرضه بالتأكيد على أن البعد الرؤيوي الإبداعي أصبح يفرض اليوم على المبدع ضرورة العمل من أجل توصيل رؤاه المعاصرة للجمهور حتى لا يتم الغرق في المسرح السردي الحكائي، وهو ما يتطلب ضرورة الإنصات للأجيال الجديدة والعمل معها من أجل الارتقاء بالمسرح العربي.
ومعلوم أن الندوة وبعد المداخلات الرئيسية عرفت نقاشا مستفيضا من طرف الحاضرين بخصوص مضامين الأوراق التي تقدم بها المحاضرون والتي سارت في اتجاه العمل من أجل إيجاد أساليب وآليات جديدة بإمكانها أن تخدم العمل المسرحي العربي وتمكنه من مواكبة سيرورة العصر.