

د.رجب شانتورك: حفظ النفس لا يتحقق من دون حماية الطبيعة
د.دي لا ماتا: دمج للأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية
د.عثمان عمرجي: إرساء مفهوم الاستدامة على أسس إسلامية
أعلن «إرثنا: مركز لمستقبل مستدام»، عضو مؤسسة قطر، وكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة عن الإطلاق الرسمي لكتاب «دلائل الطبيعة: إحياء معنى الطبيعة نحو أخلاقيات بيئية تطبيقية»، وذلك خلال فعالية خاصة عُقدت في قاعة مبنى «الدراسات» بالمدينة التعليمية.
ينطلق الكتاب من التعاليم الإسلامية، مؤكدًا أن للطبيعة قيمةً في ذاتها لا تُختزل في منفعتها الاقتصادية، وأن الإنسان مؤتمن على رعايتها بصفته خليفةً في الأرض لا متسلّطًا عليها. واستنادًا إلى مفاهيم إسلامية مثل الأمانة والإحسان والتكليف (المسؤولية الأخلاقية)، يطرح الكتاب إطارًا أخلاقيًا للعمل البيئي، ويقترح سبلًا عملية لإعادة ربط المعرفة العلمية بالقيم والإيمان، بما يحفّز القرّاء على التأمّل في دور الإنسان في حماية البيئة ورعايتها.
وفي هذا السياق، قال الدكتور غونزالو كاسترو دي لا ماتا، المدير التنفيذي لمركز «إرثنا»: «نؤمن في «إرثنا» بأن الاستدامة الحقيقية لا تكتمل بالسياسات أو التقنيات أو المؤشرات وحدها؛ بل تبدأ بالقيم والأخلاق. ويذكّرنا كتاب «دلائل الطبيعة» بأن الطبيعة ليست مجرد مورد نسعى إلى تحقيق أقصى منفعة منه، بل منظومة مترابطة من الآيات والرموز التي تدعونا إلى التأمّل الأخلاقي وتحمّل المسؤولية والرعاية.
وأضاف: انطلاقًا من مبادئ إسلامية مثل التوحيد والخلافة والأخوة الإنسانية الجامعة، ينسجم هذا الكتاب الرقمي بعمق مع رسالة «إرثنا» في دمج الأبعاد البيئية والاجتماعية والاقتصادية للاستدامة».
وأضاف قائلًا: «من خلال إعادة وصل الفهم العلمي بالقيم والإيمان، يقدّم الكتاب إطارًا شاملًا يدعم تطلعات رؤية قطر الوطنية لتحقيق تنمية بشرية واجتماعية واقتصادية وبيئية، بما يضمن ازدهارًا طويل الأمد راسخًا على أسس أخلاقية».
وخلال الفعالية، استعرض مؤلف الكتاب الدكتور رجب شانتورك، عميد كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، فصول الكتاب وأفكاره المحورية، مسلطًا الضوء على الحاجة الملحّة إلى استعادة المنظورين الأخلاقي والقيمي في توجيه علاقة الإنسان بالطبيعة.
وقال الدكتور رجب شانتورك: «للشريعة الإسلامية مقاصد عليا، من بينها حفظ النفس البشرية. غير أن حفظ النفس لا يتحقق من دون حماية الطبيعة. وتتطلب هذه الرؤية فهم دلائل الطبيعة وإشاراتها لتكمل الدراسة العلمية للطبيعة. ويقترح هذا الكتاب استراتيجيات وآليات عملية لبناء أطر جديدة ومؤصَّلة للاستدامة البيئية، من خلال إعادة النظر في الطبيعة بوصفها آيةً وكتابًا ذا معنى يُخاطبنا ببلاغة صامتة. ويدعو الكتاب إلى إحياء معنى الطبيعة وإحياء علاقتنا الأخلاقية بها، بما يعزّز الوعي بمسؤوليتنا عن الاضطلاع بدور الخلافة في الأرض».
وتلت ذلك حلقة نقاشية تناولت سبل تجسيد القيم الإسلامية في مبادرات تعزز حماية الطبيعة، والاستهلاك المسؤول، والتنمية المستدامة. وشارك في الحلقة الدكتور معتز الخطيب، الأستاذ المشارك في المنهجية والأخلاق في مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق التابع لجامعة حمد بن خليفة، والدكتور عثمان عمرجي، مدير دراسات البيانات العالمية في معهد يقين للبحوث الإسلامية ومستشار أول في مؤسسة قطر. وقدّم المتحدثان رؤى مستمدة من واقع خبراتهما، إلى جانب توصيات لاستشراف مسارات مستقبلية تحوّل المبادئ الأخلاقية إلى معرفة وممارسات عملية.
وفي هذا الإطار، قالت ربى حناوي، رئيسة القسم التقني في مركز «إرثنا»: «ينطلق تعاون «إرثنا» مع الدكتور رجب شانتورك في كتاب دلائل الطبيعة من فجوة فكرية وأخلاقية واضحة، تتمثل في محدودية الموارد المتاحة التي تُعيد إحياء معنى الطبيعة والخلق في الإسلام وصلتهما الجوهرية بالتطور الأخلاقي والعدالة الاجتماعية. واستنادًا إلى الآيات القرآنية وتعاليم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يعيد الكتاب قراءة الطبيعة بوصفها منظومة من العلامات والآيات التي تدعو إلى التأمل وتحمل المسؤولية والعمل الأخلاقي.
وقال الدكتور عثمان عمرجي: «يهدف هذا الكتاب إلى إرساء مفهوم الاستدامة على أسس إسلامية والإسهام في تغيير الوضع الراهن. فعندما تتعارض الأولويات الاقتصادية مع المسؤولية البيئية، يميل المجتمع غالبًا إلى ترجيح كفّة الاعتبارات الاقتصادية. ويواجه هذا الكتاب هذا الواقع من خلال إبراز المبادئ الإسلامية والدعوة إلى الانتقال من استغلال الموارد بدافع الربح إلى مسؤولية أخلاقية في كيفية تقدير الطبيعة وصونها».
وقال الدكتور معتز الخطيب: «ينبغي أن تدور النقاشات البيئية المعاصرة على ثلاثة مستويات: إنتاج معرفة إسلامية رصينة في مجال البيئة؛ والعمل داخل المؤسسات من أجل التطبيق؛ وتقديم الإسلام بوصفه دينًا عالميًا يستجيب للشواغل العالمية. وترتكز الأخلاق الإسلامية على بنية ثلاثية تجمع بين النية، وصورة الفعل، ومقصده النهائي. وبناءً على ذلك، يمتد التقييم الأخلاقي إلى ما هو أبعد من الأفعال الفردية المعزولة ليشمل الأنظمة والدوافع والغايات النهائية التي تشكل السلوك البيئي».
وجمعت الفعالية نخبةً من الأكاديميين والممارسين وقادة المؤسسات للحوار وتبادل المعارف حول الاستدامة من منظور إسلامي، وذلك ضمن التزام «إرثنا» المتواصل بنهج متكامل يجمع بين الأبعاد الأخلاقية والثقافية والمقاربات المرتكزة إلى السياسات العامة. واختُتمت الجلسة بتوقيع الكتاب، بما أتاح للحضور فرصة التفاعل المباشر مع المؤلف.
يتوفر كتاب «دلائل الطبيعة: إحياء معنى الطبيعة نحو أخلاقيات بيئية تطبيقية» باللغتين العربية والإنجليزية، ليسهم في إثراء النقاش حول دور الأخلاق والقيم في تشكيل مستقبل مستدام. ويمكن الاطلاع على الكتاب في نسخته الرقمية إلى جانب توفّره بالنسخة المطبوعة.