مكرم سلامة.. هاوي جمع أرشيف السينما المصرية في 30 عاماً

alarab
منوعات 22 فبراير 2014 , 12:00ص
القاهرة - داليا عاصم
«غرامي بالسينما خطفني إلى جمع الوثائق» هكذا يفصح مكرم سلامة, أشهر جامعي الوثائق والسجلات في مصر، عن سر الهواية التي تملكته وكلفته سنوات طويلة من عمره, جمع خلالها الوثائق والأفيشات السينمائية والمراسلات والحجج الأصلية من دور السينما من الإسكندرية وحتى أسوان. فقد اتخذ مكرم من هذه الهواية عملاً جاداً يسعى فيه إلى التميز, فهو يعمل حالياً مع ابنه الصغير على أرشفة كل هذا التراث بصورة رقمية. يكتظ منزل مكرم سلامة بالأفيشات السينمائية والصور والبوسترات لأشهر نجوم السينما المصريين والأجانب. بمجرد زيارتك له ستنبهر بكل هذا الكم الذي جمعه بمفرده من تراث السينما المصرية. وفي زيارة لمنزله تحدث معنا حول هذا الأرشيف الضخم قائلاً: «بدأت بجمع الوثائق من 30 سنة مضت، وتولدت لدي الحماسة لجمع كل ما يخص السينما المصرية, خاصة أن معظم دور السينما كانت تغلق أبوابها، فما كان مني إلا أن أذهب إلى كل دور العرض قبل أن تبيع ما لديها وأشتري الأرشيف الخاص بها، لأنني كنت أخشى أن تضيع هذه الثروة هباء, أو أن تذهب إلى أشخاص لا يدركون قيمتها وأهميتها. كذلك فعلت مع شركات الإنتاج والتوزيع الخارجي والداخلي في مصر, وذلك في الفترة التي أغلقت شركات التوزيع فيها بعد بيعها الأفلام للفضائيات في منتصف التسعينيات, وبيعت أصولها وبقيت المراسلات والخطابات والبوسترات والبرس بوك واللوبي كارد «صورة الشباك»، وكان المتعهدون عند إغلاق شركات الإنتاج يبيعون كل ما تملكه الشركة من أوراق, فكنت أجمع ما أجده منها». وعن الأعداد الهائلة من الأفيشات والبوسترات التي تغمر المنزل بأكمله، يقول مكرم: «جمعت أفيشات للأفلام المصرية منذ عام 1928، وعدد ما أقتنيه حالياً 120 ألف بوستر، وهي خاصة بـ2000 فيلم، حيث جمعت لكل فيلم 10 أو 20 بوسترا حسب ما أجده، كما جمعت 1000 بريس بوك، و10 آلاف لوبي كارد. ومن الأفيشات النادرة لديه بوستر واحد فقط لفيلم «أمير الانتقام» لأنور وجدي، وكذلك كل أفلام عزيزة أمير ومنها فيلم «الفلوس». وفي حديثه عن أفيشات الأفلام في بداية عهد السينما المصرية، يقول: «أفيشات السينما المصرية تشكل فناً من نوع خاص، فقد كان أشهر الفنانين التشكيليين يقومون برسمها وعليها توقيعاتهم، وكانت شهرة الفنان تتحكم في أن تجعل الأفيش درجة أولى أو درجة ثانية وثالثة «ترسو»، كان الرسامون يختلفون ولكن الأفيش هو نفسه. أما عن تطور فن الأفيش السينمائي فيوضح أن الأفيش كان يتم رسمه يدوياً, وكان يظهر فيه البطل والبطلة الرئيسيان في الفيلم، بعد ذلك أدخلت فنون الجرافيك البدائية على الأفيش, حيث تداخلت الصور مع لمسات الخطاطين لصناعة أروع الأفيشات, حيث كانوا يضيفون بعض الجمل التي تروج للفيلم وتشوق المشاهدين لأحداثه, مما كان يجعلها مميزة وتعلق بالأذهان». وقد جمع مكرم أفيشات مجموعة من الأفلام الأجنبية والتي وصل عددها إلى 2000 بوستر لأهم وأشهر الأفلام، ومنها فيلم سيدتي الجميلة. يذكر سلامه أن بوستر الأفلام الأميركية عام 28 و29 و30 كان يوزع في السينما كدعاية للفيلم. وقد تعاون مع هواة من أميركا يجمعون تراث السينما المصرية، فهناك من يسأل على بوستر الدرجة الثانية أو رسام بعينه، أو يبحث عن بوستر الفيلم الأجنبي ذي الطبعة المصرية, أو ما نطلق عليه «الليتو» وهو نظام من أنظمة الطباعة. على جدران منزله توجد صور لبعض النجوم, عليها إهداءات خاصة موقعة, منها صورة للمطربة أسمهان وقد كتب عليها إهداء «أقدم أغلى هدية» موقع من شقيقها فؤاد الأطرش. يقتني سلامة مجموعات أرشيفية كاملة خاصة بكبار الفنانين والنجوم تضم مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي تسجل لقطات من الأفلام القديمة أثناء مراحل التصوير وخلف الكاميرا, وصورا لفريق الفيلم قبل تصوير الفيلم وبعده، فيما يشبه الـmaking، ومنهم الفنانة ماري كوين, وأرشيف آسيا ومحمد فوزي ومديحة يسري، ويحيى شاهين، والمصور الكبير عبدالحليم نصر، وحسين صدقي، وبدر وإبراهيم لاما والجزايرلي، تضم هذه المجموعات الأرشيفية متاعبهم ومعاناتهم بخط أيديهم, سواء متاعب التصوير، أو مصاريف وتكاليف الأفلام وتوزيعها, والمشاكل التي كانت تقابلهم، فهي تمثل فصول قصة السينما المصرية. يرفض مكرم سلامة التفريط في ورقة واحدة من هذا الأرشيف, إلا أنه لم يبخل على مكتبة الإسكندرية بأرشيف توجو مزراحي، عندما نظمت احتفالية كبرى خاصة بالمخرج السكندري, حيث أعطى للمكتبة كل أرشيفه السينمائي المكون من 37 فيلما، ويروي مكرم أنه قد وجد هذه الأفلام مهملة, وفي حالة مزرية عند تاجر في القاهرة، والتي تضم أفلام علي الكسار وشالوم فاشتراها وقام بإعادة طبعها من النيجاتيف، ويقول: «عملت لفترة من الزمن في مجال التصوير الفوتوغرافي, مما أهلني للحصول على خبرة في التحميض والتصوير ساعدتني على تحميض نيجاتيف هذه الأفلام الذي يعود تاريخه إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية, حيث كانت تصنع الأفلام باستخدام من الزجاج، أما الآن فقد تطورت صناعة السينما, وقد أصبحت الأفلام الـ35 ملم توضع على قاعدة من البلاستيك». وقد رفض مكرم الإفصاح عن أسرار النجوم والنجمات التي يمتلكها في جعبته، فهو لم يحبذ الإفصاح عن مضمون الخطابات الإنسانية, وبالكاد تحدث عن أهم الخطابات التي استوقفته ضمن مجموعات الفنانين, والتي توضح معاناة رواد السينما المصرية لصناعة هذا التاريخ الذي فرطنا فيه بسهولة، ومنها: خطابات لحسن الإمام أشهر المخرجين المصريين يستجدي أموالا لإكمال أفلامه. وأيضاً خطاب يعود لسنة 1947 كتبت فيه زوجة فوزي الجزايرلي إلى الموزع الخارجي «بهنا» تطلب منه مصاريف المستشفى، وتشكي له من الحالة المرضية لزوجها وعدم زيارة ابنه المخرج فؤاد له, وكان الموزع بهنا هو الوحيد الذي يساند الجزايرلي في محنته. ومن الخطابات الطريفة التي وقعت في يد مكرم سلامة خطاب من يوسف وهبي أرسله لإسماعيل وهبي في مصر أثناء تصوير فيلم «أولاد الذوات» أول فيلم مصري ناطق في باريس، وقد عثر عليه مكرم في أوراق تباع في مزاد، يقول يوسف وهبي في مضمونه إن بهيجة حافظ سافرت وأضرت به ضرراً بالغا وتركته يغرق في باريس, وطلب منه أن يرسل له أمينة رزق لتكمل تمثيل الفيلم, وبالفعل أكملت أمينة الفيلم. وفي أحد أركان منزله، خصص مكرم رفوفا خاصة بأقدم مجلات السينما, والتي ظهرت في أوائل القرن العشرين: ومنها روزاليوسف والكواكب والاثنين والدنيا ودنيا الفن والاستوديو. وعن ذكرياته مع السينما يقول: «لقد نشأت في الصعيد, وشهدت أوائل الخمسينيات صحوة في صناعة السينما, كانت السينما منتشرة حتى أقاصي الصعيد، حيث كانت السينما تعرض في الأسبوع فيلما عربيا أو أجنبيا، وكانت هناك السينما الشتوي والصيفي. في الماضي كانت السينما مقسمة من الداخل جزءا للسيدات وجزءا للعائلات، وجزءا للرجال، وكانت هناك حفلات للسيدات فقط، وكان يعزف السلام الملكي قبل عرض الفيلم ويقف جميع المتفرجين. فقد كان للسينما احترامها. هذا الاحترام ازداد بداخلي, وهو ما يدفعني إلى جمع كل تراث السينما المصرية، فقد عانى هؤلاء الرواد وتعبوا كثيراً لكي يصنعوا أفلاما ناجحة في ظل سيطرة السينما الأميركية.