المريخي: شُكر النعم أمان من العذاب

alarab
محليات 22 يناير 2016 , 02:50م
الدوحة - العرب
قال الشيخ د. محمد بن حسن المريخي إن شكر النعم أمان من العذاب، مشيرا إلى أن نعم الله سبحانه وتعالى كثيرة، لا تعد ولا تحصى، وأن الله تعالى يقيدها ويثبتها بين أيدينا بشكره والاعتراف له بالعمل قبل القول.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها - أمس - بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب، إن زوال النعم بلية استعاذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها، وذلك في قوله: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك).

وقال مخاطبا المصلين: "لأن زوال النعم عسر وضيق ومشقة، وأن النعم لا تراها العين ولا تشعر بها النفوس إلا إذا زالت وتبدلت، ومن أراد أن يعرف نعمة الله تعالى علينا فلينظر إلى من تواضعت الأرزاق والنعم عندهم". 

ودعا فضيلته للتأمل في نعمتين من نعم الله سبحانه وتعالى التي لا تعد ولا تحصى، وهما النعمتان اللتان ذكرهما الله تعالى في قوله: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، نعمة الشبع وسد الجوع ونعمة الأمان.

الجوع القاتل: 
وعقب د. المريخي على هذه النعم قائلا: "انظروا كيف يقتل الجوع وقلة الغذاء البلدان والناس، ويقضي على أمم في ظرف أيام معدودة، يموت الإنسان تحت شجرة أو يجلس في مكان ينتظر الموت ليأتيه فيأخذه".

وقال للمصلين: "إن الواحد منا لو أحسن إليه إنسان مثله؛ فأخرجه من ضائقة أو قضى له حاجة من الحوائج أو أعانه على أمر ما، أو حتى لو عامله بلطف، فإنه لا يعرف كيف يشكره ويرد جميله، بل قد يعتذر إليه له بأنه عاجز عن الشكر، وأن لك فضلاً عليّ لا أدري كيف أرده أو أجازيك عليه، أو من هذه العبارات التي تبين امتنان الإنسان بما قدم له إنسان آخر، وقد يكون هذا الإنسان قد أحسن إليك مرة واحدة، ولكنك لا تنسى فضله ومعاونته. فكيف بمن أنت كلك من إحسانه ومنته وهو خالقك ورازقك والمتفضل عليك منذ كنت نطفة إلى أن سواك بشراً سوياً! وأسبغ عليك نعمه بعد ذلك وأرْدف عليك مننه حتى أغناك بفضله عن سؤال الناس، وبحلاله عن حرامه".

كيفية الشكر: 
وأوضح الخطيب كيفية شكر الله عز وجل، الذي قال: (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، وقال: (وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة).

موضحا أن شكر النعمة قولاً وعملاً علامة التوفيق للعبد، وعنوان على استقامته ونجاته، حيث يقول ابن القيم رحمه الله: (الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه انقياداً وطاعة".

واستطرد خطيب جامع الإمام في كلامه عن كيفية شكر الله سبحانه وتعالى، على نعمه قائلا: "فلا يكون العبد شاكراً لربه حتى تظهر آثار الشكر عليه، من ترديد الحمد والثناء على المولى عز وجل، ودعوة الناس لأن يشكروا ربهم، بتذكيرهم بالنعم وتنبيههم إليها، ثم شكر العبد لمولاه بجوارحه – يعني يؤدي شكر الله بالعمل بطاعته والمسارعة إلى أداء ما افترض عليه - والتقرب إليه بالنوافل والمستحبات المسنونات".

وأكد أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بشكره على نعمه، والاعتراف بفضله ومنته، مشيرا إلى الإقرار بذلك الأمر، وأمرَ الله تعالى عباده بالشكر، وأمر الأنبياء والمرسلين قبل بقية البشر أجمعين بذلك.

يقول تعالى لموسى عليه السلام: (فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)، وقال لنبيه ومصطفاه محمد، صلى الله عليه وسلم: (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين)، ثم أمر عباده بالشكر له سبحانه ووعدهم بالخير وتكثير النعم فقال: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)، وقال: (يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون)، ووعد عباده الشاكرين بالجزاء الأوفى والمحبة الربانية كما في قوله: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)، وقوله: (وسنجزي الشاكرين)، وكان رسول الله يعلِّم الأمة شكر الله قولاً يدعوهم إليه، وعملاً يرونه ويمارسه بينهم، فكان يقوم يصلي من الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام، صلى الله عليه وسلم.

واستكمل فضيلته كلامه بقول المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه، كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم يصلي حتى تنتفخ قدماه أو ساقاه، فقالت له عائشة رضي الله عنها: "أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر" فقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)، متفق عليه.

ويقول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "يا معاذ أوصيك أن لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، رواه أحمد وأبو داوود والنسائي بإسناد صحيح.

جحود النعم: 
وأشار إلى ما عابه الله سبحانه تعالى على أقوام من عباده قد عاهدوه لئن أعطاهم وأغناهم ليكونن من الشاكرين له، المعترفين بفضله قولاً وعملاً، مُعطِينَ عباده المحتاجين سادّين جوعهم، قاضين حوائجهم، فأخلفوا ما عاهدوا الله عليه، فعاقبهم عقاباً خسروا به الدنيا والآخرة. يقول تعالى: (فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحاً لنكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون)، وقال: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون)؛ فكانت العقوبة (فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)، لافتا النظر إلى أنه قد هدد الآخرين بقوله (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض انظُر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون).

وقال إن نعم الله تعالى علينا كبيرة وكثيرة لا تعد ولا تحصى، وإن الله تعالى يقيدها ويثبتها بين أيدينا بشكره والاعتراف له بالعمل قبل القول، وإن زوالها بلية استعاذ رسول الله من زوال النعم فقال (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك)، لأن زوال النعم عسر وضيق ومشقة وأن النعم لا تراها العين ولا تشعر بها النفوس إلا إذا زالت وتبدلت، ومن أراد أن يعرف نعمة الله تعالى علينا فلينظر إلى من تواضعت الأرزاق والنعم عندهم. 

نعمتا الأمن والشبع: 
ودعا للوقوف عند نعمتين فقط من نعم ربنا علينا، ونعمه كثيرة لا تعد، هاتان النعمتان ذكرهما الله تعالى في قوله (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، أي نعمة الشبع وسد الجوع ونعمة الأمان، وانظروا كيف يقتل الجوع وقلة الغذاء البلدان والناس ويقضي على أمم في ظرف أيام معدودة. 

ولفت النظر - في السياق ذاته - إلى أننا في أمن وأمان لا مثيل لهما، سائلا الله تعالى ألا يغير علينا أمننا وأماننا، وتساءل: فهل نحافظ على هاتين النعمتين فضلاً عن نعمه كلها؟

وشرح فضيلته قوله تعالى (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أؤلئك لهم الأمن وهم مهتدون)؛ لافتا النظر إلى أن المفهوم المخالف للآية: أن من مسّ الظلم إيمانهم فلا أمان لهم، فالطاعة لله رب العالمين والوقوف عند حدوده هي القيد الذي تقيد به النعم، والمعصية هي البلية التي بسببها تتغير النعم (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون).

وفي ختام الخطبة قال د. المريخي إن شكر النعم يا عباد الله أمان من العذاب، كذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد الله ودينه، والعمل بشريعته (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون).

خطر المعاصي: 
ودعا أمة المسلمين للتأمل في نعم الله تعالى، وأن ينصحوا أنفسهم وإخوانهم، وأن يتعظوا بما في كتاب الله وسنة نبيه من المواعظ من حال الشاكرين وعاقبة الجاحدين ومصير العصاة والمجرمين. فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد).
                       /أ.ع