عزز التراث والهوية على مدى 11 يوماً.. درب الساعي يصل محطة الختام.. و300 ألف حصيلة الزوار

alarab
محليات 21 ديسمبر 2025 , 01:26ص
محمد عابد

اختتمت مساء أمس فعاليات درب الساعي هذا العام، التي نظمتها وزارة الثقافة احتفاءً باليوم الوطني للدولة، على مدى 11 يوماً بمقر درب الساعي في منطقة أم صلال. وقدم هذا الحدث الثقافي تجربة متكاملة أظهرت أصالة التراث القطري، وقيم الولاء والانتماء التي حملها الآباء وورثها الأبناء جيلاً بعد جيل، بما يعزز الجانب البصري ويبرز الهوية القطرية بكل تفاصيلها. وأقيمت الفعاليات هذا العام تحت شعار اليوم الوطني: «بكم تعلو ومنكم تنتظر»، وتضمنت سلسلة واسعة من الفعاليات الثقافية والتراثية والفنية على مساحة 150 ألف متر مربع في المقر الدائم للفعالية. 

وشاركت هذا العام في فعاليات اليوم الوطني بمقر درب الساعي مجموعة كبيرة من الجهات، من بينها: وزارة الدفاع، ووزارة الداخلية، ووزارة الاتصالات والوكالة الوطنية للأمن السيبراني، ودار الوثائق القطرية، والمركز القطري الثقافي للصم، ومركز قطر للتصوير، ومركز قطر الاجتماعي الثقافي للمكفوفين، ومبادرة قطر تقرأ، ومصرف قطر الإسلامي. 
وعبرت الفعاليات عن التراث القطري بشقيه البري والبحري، حيث قدمت فعالية المقطر بوصفها أهم الركائز التراثية لهذه الفعالية، إذ تمثل البيوت المتقاربة محاكاة لحياة البادية، وتحتضن جلسات القصيد والألغاز الشعرية التي تهدف إلى تنمية مهارات النشء وتعريفهم بلهجات القبائل وطرق الصحراء ومعالمها، وتضم الفعالية عدة بيوت تراثية مثل بيت الصقور والقنص، وبيت السدو والغزل وحرف النساء، وبيت صناعة الألبان. 
أما فعالية العزبة فقد أتاحت للأطفال تعلم ركوب الهجن وشد الذلول، وتقدم نموذجاً حياً للحياة التي عاشها الأجداد خلال الترحال وتمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم، وقد حظيت الفعالية بإقبال جماهيري كبير. 
كما عبرت فعاليات درب الساعي عن التراث البحري من خلال فعالية البدع، التي جسدت البيئة البحرية التقليدية عبر مجلس البدع وبيت المطوع والمقهى الشعبي ومجلس النوخذة والنهام والطواش، ورافقتها ألعاب تراثية بحرية ومسابقات ثقافية، أهمها لعبة الدامة، بالإضافة إلى مجموعة من المتاحف البحرية المتخصصة التي وثقت التراث البحري القطري.

إقبال جماهيري كبير
وأعلنت اللجنة المنظمة لفعاليات اليوم الوطني أن فعاليات درب الساعي شهدت إقبالاً جماهيرياً كبيراً بلغ نحو 300 ألف زائر من المواطنين والمقيمين، بمتوسط 30 ألف زائر يومياً، على مختلف الفعاليات، فضلاً عن الزائرين للمسير الوطني على كورنيش الدوحة.
وقد مثل درب الساعي حالة استثنائية لتكامل الماضي بالحاضر، حيث بات فضاءً مفتوحاً يشكل أرضاً تنمو فيها الهوية، وتتكامل من خلالها معاني الولاء والانتماء لدى مختلف فئات المجتمع.
وقدمت الفعاليات صورة واضحة وحية لحياة الآباء والأجداد، كما قدمت نماذج حضرية لإنجازات دولة قطر، والتي تعزز مسيرتها التنموية انطلاقاً من إرث الأولين تقديراً لمسيرة العطاء والتضحيات.
كما ازدانت أرجاء درب الساعي بإبداعات الفنون البصرية وجماليات التشكيل من معارض وأعمال رواد الفن التشكيلي في قطر، والتي تجسد بانوراما جمالية وثقافية لتراث قطر وتاريخها ونهضتها.
 
 الفنون والهوية 
واشتمل جاليري الفنون في درب الساعي، الذي أشرف عليه مركز الفنون البصرية التابع لوزارة الثقافة، على مجموعة من المعارض الفردية والجماعية، شملت فنون الرسم والتلوين والخزف والنحت، حيث خُصص لكل فنان جناح يستعرض تجربته عبر السنوات ويلقي الضوء على محطات أساسية في مسيرته الفنية، ومنهم يوسف أحمد، علي حسن، سلمان المالك، عائشة السليطي، إلى جانب عدد من المعارض الفنية لعدد من الفنانين من مختلف المدارس، من أبرزها معرض «الطبعة» الذي يوثق لحادثة سنة الطبعة المعروفة تاريخياً وترجع إلى عام 1925م، ومعرض «أثر» الذي يظهر إبداعات الفنانين في تشكيل الخزف.
وشارك مركز شؤون الموسيقى التابع لوزارة الثقافة بمجموعة من الفعاليات، فضلاً عن تقديم متحف خاص رصد تاريخ الموسيقى عبر أكثر من 100 عام، مع التركيز على الفنون القطرية وأهم أدواتها الموسيقية.
وفي السياق ذاته، شارك مركز شؤون المسرح بمجموعة من الفعاليات، أهمها «حزاوي هدية»، وهي قصص من التراث الشعبي تقدمها الفنانة القديرة هدية سعيد يومياً في المسرح الرئيسي، ومسرحية «نيلا والذيب»، وهي مسرحية أطفال من نوعية (الدمى) تتحدث عن قيم الخير والشر.

كما قدم «البيت القطري» في فعاليات درب الساعي هذا العام لمحة تاريخية عن البيت القطري التراثي القديم، من خلال تسليط الضوء على حياة الأجداد والآباء، وطبيعة البيوت القطرية القديمة.
 
 أطفالنا والتراث
كما اهتمت اللجنة المنظمة بتنظيم العديد من الفعاليات الخاصة بالأطفال في مختلف أرجاء درب الساعي، من أبرزها «سنا قطر»، وهي عبارة عن معرض فني رقمي يركز على تجارب الفيديو الغامرة باستخدام تقنيات العرض المتقدمة والمحتوى الرقمي المبهر، ويمكن الجمهور من التفاعل والدخول في عالم جديد من الاستكشاف الفني بدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة، مما يخلق ارتباطاً أعمق وأكثر خصوصية، وينقل المعرض رسائل ثقافية واجتماعية وتقنية، بالإضافة إلى ألعاب الفروسية التي قدمها مركز نوماس للأطفال وغيرها، فضلاً عن الورش الفنية المختلفة.
وعبّر عدد كبير من الزوار في ختام فعاليات درب الساعي عن سعادتهم بما قُدِّم من فعاليات وأنشطة متنوعة لامست مختلف الأعمار والاهتمامات، وجسّدت الموروث القطري بأسلوب معاصر وجاذب.
ويؤكد الزوار، مع اختتام فعاليات درب الساعي، أن الحدث شكّل نموذجاً ناجحاً في الاحتفاء بالهوية الوطنية، وترسيخ القيم التراثية في نفوس الأجيال، من خلال فعاليات مدروسة وتنظيم متميز، جعل من درب الساعي محطة سنوية ينتظرها الجميع بشغف.
وأكد يوسف الشمري أن درب الساعي هذا العام تميّز بتنوّع فعالياته والإقبال الكبير من العائلات والزوار، مشيراً إلى أن الفعاليات كانت منظمة بشكل لافت وأسهمت في خلق تجربة متكاملة تجمع بين الترفيه والمعرفة، خصوصاً الأنشطة المخصصة للأطفال التي حظيت بتفاعل واسع وأسهمت في تعريف الجيل الجديد بعادات وتقاليد المجتمع القطري بأسلوب مبسط وممتع.
من جانبه، قال مشعل منير إن فعاليات الأطفال شكّلت محوراً مهماً في درب الساعي، لما تحمله من رسائل تربوية وثقافية، موضحاً أن تنوّع الألعاب والورش التفاعلية جعل الأطفال يقضون أوقاتاً ممتعة، وفي الوقت نفسه يتعرّفون على عناصر من التراث الوطني بطريقة غير تقليدية.
وأعرب علي حسن عن إعجابه بـ«البيت القطري»، معتبراً إياه من أبرز المحطات التي تعكس تفاصيل الحياة القطرية القديمة، حيث يقدّم صورة حيّة عن أسلوب العيش في الماضي، الأمر الذي يساهم في تعزيز الوعي بالهوية الوطنية لدى الزوار. كما أشار إلى أن متحف الرمال شكّل تجربة فريدة من نوعها، إذ أتاح للزوار فرصة التعرّف على تنوّع البيئات القطرية.
بدوره، وصف يوسف الخالدي أجواء درب الساعي بأنها مميزة واستثنائية، لما تحمله من روح وطنية عالية، مؤكداً أن الفعاليات الفنية وعروض الفنون والتراث الشعبي أضفت طابعاً خاصاً على المكان، وأسهمت في إحياء الموروث الثقافي وربطه بالحاضر، وسط تفاعل لافت من الجمهور.
وفي السياق ذاته، عبّر محمد الشمري عن اعتزازه بالمستوى الذي ظهرت به الفعاليات، مشيراً إلى أن درب الساعي نجح في أن يكون منصة جامعة تُبرز التراث القطري بمختلف أشكاله، وتوفّر في الوقت ذاته تجربة ترفيهية وثقافية متكاملة للزوار من داخل الدولة وخارجها.