

في إنجاز علمي ومعرفي جديد لدولة قطر، ينظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، صباح اليوم حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية.
ويأتي هذا الحدث بوصفه محطة مفصلية في مسار العناية باللغة العربية، وتوثيق تاريخها، وإعادة إدراجها في قلب التحولات المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم المعاصر.
ويمثل معجم الدوحة التاريخي للغة العربية أحد أضخم المشاريع العلمية العربية في العصر الحديث، إذ يهدف إلى توثيق ألفاظ العربية توثيقًا تاريخيًا دقيقًا، من خلال تتبع نشأة الكلمة وتطور معانيها واستعمالاتها في سياقاتها المختلفة عبر العصور، منذ أقدم نصوص العربية المدونة، وصولًا إلى العصر الحديث. ولا يقتصر دور المعجم على جمع الدلالات، بل يتجاوز ذلك إلى رصد التحولات الدلالية والسياقية والبنيوية للكلمة، في إطار منهج علمي صارم يستند إلى شواهد نصية مؤرخة. وانطلقت أعمال المشروع رسميًا عام 2013، واضعًا نصب عينيه سد فجوة تاريخية عانت منها العربية طويلًا، إذ افتقرت، على امتداد قرون، إلى معجم تاريخي شامل على غرار ما تمتلكه لغات عالمية كبرى، كالإنجليزية والفرنسية والألمانية. وقد مرّ المشروع بعدة مراحل أساسية، بدأت ببناء مدونة لغوية ضخمة ومؤرخة، تضم ملايين الكلمات من نصوص تنتمي إلى حقول معرفية وأجناس أدبية متعددة، تشمل الأدب، والعلوم، والفلسفة، والفقه، والتاريخ، وغيرها.
وفي مرحلة لاحقة، جرى وضع الأدلة والمعايير التحريرية التي تنظّم العمل المعجمي، وتحدد آليات التوثيق والتحليل، بما يضمن الدقة العلمية والاتساق المنهجي. كما تم تشكيل فرق بحثية متخصصة من لغويين ومؤرخين ومحققين، عملوا على معالجة المادة اللغوية وفق تسلسل زمني صارم.
وبعد ذلك، أُطلقت مراحل زمنية متتابعة من التغطية المعجمية، أُتيح خلالها المعجم للباحثين والمهتمين، قبل الإعلان عن اكتماله بوصفه منجزًا علميًا متكاملًا يشكل مرجعًا أساسًا في علوم اللغة والتاريخ الثقافي والحضاري.
اللغة والذكاء الاصطناعي
ويتقاطع اكتمال المعجم مع انعقاد مؤتمر «الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية» في لحظة عالمية تشهد ثورة تقنية غير مسبوقة، مدفوعة بالتطور السريع في الحوسبة وتكنولوجيا المعلومات، وبلغت ذروتها مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وتعود الجذور الفكرية لهذا التحول إلى منتصف القرن العشرين، حين طرح آلان تورينغ اختباره الشهير، الذي جعل اللغة محورًا للتفاعل بين الإنسان والآلة.
ومنذ ذلك الحين، تطورت تقنيات معالجة اللغات الطبيعية عبر مراحل متعددة، انتقلت من النماذج الرمزية إلى الإحصائية، وصولًا إلى النماذج القائمة على التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية، ما أحدث نقلة نوعية في فهم اللغة وتحليلها وتوليدها وترجمتها.
«العربية» والتحديات الرقمية
ويركز المؤتمر على الفجوة القائمة بين أداء النماذج اللغوية في اللغات العالمية الكبرى وأدائها في اللغة العربية، نتيجة مجموعة من التحديات، أبرزها تعقيد البنية الصرفية والنحوية، وتنوع المستويات اللغوية بين الفصحى واللهجات، وصعوبات التجزئة الآلية، إضافة إلى نقص البيانات الرقمية عالية الجودة، ومحدودية الاستثمارات البحثية. ويُضاف إلى ذلك ما تفرزه النماذج اللغوية من تحيزات معرفية وثقافية، تؤثر في تمثيل العربية وثقافتها في الفضاء الرقمي العالمي.
وفي مواجهة هذه التحديات، يستعرض المؤتمر مبادرات عربية واعدة لتطوير نماذج لغوية كبرى أبرزها فنار من قطر .
ويطمح المؤتمر إلى أن يكون منصة للحوار وتبادل الخبرات، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تسريع العمل العربي المشترك، وتعزيز حضور اللغة العربية في منظومات المعرفة الرقمية، بوصفها لغة قادرة على التفاعل مع المستقبل، ومواكبة تحولات العلم والتقنية، دون التفريط بعمقها التاريخي والحضاري.