د.علي عفيفي علي غازي يحلل المجموعة القصصية لمحمد الكواري: «أبدًا لم تكن هي».. عالم من الحقيقة المتخيلة

alarab
ثقافة وفنون 21 نوفمبر 2022 , 12:40ص
الدوحة - العرب

يسعى القاص محمد حسن الكواري، في مجموعته القصصية الأولى المعنونة «أبدًا لم تكن هي»، والتي تتضمن 12 قصة قصيرة، ليأخذنا إلى عالم الحقيقة المتخيلة، التي تجعلنا نعيش تجربته القصصية، وكأنها قصص واقعية، نستشعرها حولنا كل يوم، فيذكر أن شخصياتها «للحقيقة أقرب منها إلى الخيال»، فيمتزج في سرده الحقيقي بالمتخيل، وذلك عبر آليات يتوسل بها القاص ليُعيد صياغة الخطاب المرجعي الحقيقي في خطاب أدبي متخيل.
تبرز القيم الاجتماعية الأصيلة في قصته الأولى «إبراء ذمة»، فالقصة تدعم قيمة بر الوالدين، على الرغم من معاناة بطلتها من والدها كثيرًا، فإنها تُصرّ على أن تكون بارة به حتى آخر نفس، كما تنتقد المجتمع في الإجبار على الزواج، ما يُدمر الشباب، والأحلام اليافعة، وتتزين القصة بالسجع والتطابق والجناس، وبلغة جزلة، وبالكلمات ومضادها، لتُبرز القيم، وتسبح في عالم الخيال، مع التألم بدون البوح، الصمت القاتل، الظلام الدامس، الليل البهيم، لتأخذنا إلى بحر العواطف؛ «مسحت جبهته المتعرقة، وقبلت يده، ومدت غطاءه»، وكأنها جاءت لوداعه، وتبرئة ذمته.
تُعالج القصة الثانية «آخر أبناء الشيخ»، النسيان والإهمال، والحاجة للبوح، والبحر حاضر فيها بقوة، والتراث القصصي الشعبي المرتبط به، كقصة السندباد، وطبعة أم الشيف، وحكايات التجار والغاصة والمسافرين، وقسوة البحر، ليؤكد للجيل الجديد أن التراث الراسخ مهما كان قاسيًا؛ فهو الجذر الذي يشد الإنسان إلى ماضية، ليحميه من العولمة الاجتياحية المذيبة للهويات، ويحميه من الأزمنة السائلة التي تُذيب الثوابت والقيم.
تؤرخ القصة الثالثة «المسافر» لرحلة سفر برية في ثمانينيات القرن العشرين من عمّان بالأردن إلى الدوحة في قطر، مرورًا بالأراضي السعودية، وتوضح كم كانت رحلة معاناة، وكم وجد المسافر الدعم والمساندة من كل من لقيهم في طريقه، فتُبرز القيم العربية الأصيلة، وتؤكد على المعاناة، وتُعلي من قيمة الحرمان، فإذا ما حُرم الإنسان من ملذات الدنيا، فالواجب عليه عندما يُنعّم فيها، ألا ينسى من هو محروم منها، فيُقدم العطاء من دون مقابل، ومن دون انتظار شكر، لأنه سيتذكر نعم الله عليه، فكما سبب له الأسباب، وأوجد له من يقف إلى جانبه ويساعده في ساعة العسرة، لابد أن يكون هو الآخر عونًا وسندًا للمُعسرين، فالذكرى والعمل الصالح هما الأبقى، ونقرأ للقصة نهاية سعيدة بوصول المسافر سالمًا. 
يأخذنا في القصة الرابعة «أبدًا لم تكن هي»، التي تحمل المجموعة عنوانها، إلى عالم المرأة قاتلة الأزواج، فيُناقش غريزة التحكم والشهوة، ويُناقش قوامة الرجل في الانفاق على زوجته، وعدم اهانتها، أو إجبارها أو ضربها أو قهرها، فالمرأة قد تغفر، ولكنها لا تنسى، ولا تقوى على قهر الرجال، والرجال لا يهابون النساء، ونراه يغوص في أعماق النفس البشرية، ويُبيّن قدرة المرأة على المكر والخديعة، فرغم اقدامها على القتل مرتين، إلا أنها نجحت بحرفية في إخفاء أية أدلة تثبت إدانتها.
بعكس النهايات الحزينة للقصتين الأولى والثانية، نجد الأمل والسعادة، في القصة الخامسة المعنونة «عبد الله الجابر»، والتي تحض على الكثير من القيم الجميلة، التي يحتاجها المجتمع، الالتزام بالعادات والتقاليد والقيم، احترام الجار، تقدير العمل، الخروج للضرورة، المداومة على القراءة، التزود بالكتب والمجلات الأدبية، فالحياة مع الكتب خير من الحياة بين البشر، بر الوالدين، المهارات البيتية التي تعلمها الأم لابنتها، حُسن العشرة والمودة والرحمة بين الزوجين، التكافؤ في الزواج والاهتمامات، نصائح الآباء لبناتهن المقبلات على الزواج، التعاون بين الزوجين، الاستفادة من الوقت، النظرة للزوجة كشريكة لا كخادمة، قلة الكلام، وكثرة الأفعال، الاعتماد على النفس، الاهتمام بالعقل والنفس قبل الجسد، الإنسانية والشراكة البيتية والمجتمعية، الاهتمام بالآخرين وتقدير مشاعرهم، وغيرها من القيم التي تعج بها هذه القصة الرائعة.
يستعرض في القصة السادسة «الدّين» تجربة جديدة، عن الزوجة الصالحة، التي «يستمتع بكلامها وصمتها، بحركتها وسكونها، يمر الوقت سريعًا إلى نظر إلى وجهها، وينام بهدوء إذا كان قريبًا من أنفاسها... تستقبله بابتهاج وحبور، وتودعه بمثلهما»، وعن الزوج الصالح الذي لا يُبكي زوجته يومًا من الأيام. وفي وسط هذا يأتي القيل والقال، والغيبة والنميمة، والخوض في الأحاديث من دون التبين، واتهام الناس بالباطل، وحمل دين لن يستطيع القائل أن يوفيه، ويبين كيف يُمكن معالجة الأمور ببساطة وهدوء، وعدم الاستماع لمثل هذه الأحاديث، التي ليس لها من سبيل إلا تخريب البيوت السعيدة. 
تحمل القصة السابعة «المختزل»؛ تأويلات كثيرة، فتروي عن قرية يحتضنها بحر الرمال العظيم، تعيش في أمن وأمان، وفجأة يتعرض أهلها للسرقة، فيقوم المطوع فيهم واعظًا ناصحًا، ويقدم أميرها على خدعة تكشف أن المطوع هو السارق، وكأنه يقول احذر أن يأتيك الشر من مكامن الخير. 
تسلط القصة الثامنة «عسل.. عسل»، الضوء على بائع العسل المتجول، المجتهد الأمين، وتوضح كيف أن الغيرة والحسد تؤدي إلى فقدان الإنسان ما بيده من جواهر وكنوز، وتُعالج جوانب مجتمعية عن أن المقارنة بين العاملين تؤدي إلى الفشل والخيبة، فلكل فرد مؤهلاته الشخصية التي تميزه عن غيره، فالله خلق الناس مختلفين، ولا يُمكن أن يتشابهوا تمامًا.
تُعالج القصة التاسعة «وجه في الظلام»، قضية العلاج بالطب الشعبي، ولعلها تؤكد ممارسة القاص لفنونه، أو أنه سمع أو قرأ فيها بعمق شديد، وتُعلي من أهمية المعالج الشعبي «ابن العطار»، وتوضح أنه دائمًا ما يقوم بعمله من دون مقابل، فالسيارة فارهة، والوجه مشوهًا مُفزعًا، وينجح ابن العطار في أن يُعيد له نضارته وجماله، وينتظر تحقيق الوعد بإعداد فطيرة التفاح، ولكن رجاءه لم يتحقق، فقد أخلفوا وعدهم كما فعل وسيفعل غيرهم. 
تنطلق القصة العاشرة «طريق الورد الأبيض»، من الأب الذي يتلو القرآن بصوت متحشرج، لتُعالج قضية حق البنت في رؤية خطيبها، والتعرّف على شريك حياتها قبل الزواج. وتؤكد القصة الحادية عشرة «المتشفي»، قيمة المساعدة من دون مقابل، والبذل والعطاء، وتبدل الأحوال من الفقر إلى الغنى، والتنازل عن القيم والمبادئ. وتسلط القصة الثانية عشرة «الطارق الأول»، الضوء على قضية العنوسة، وتأخر سن الزواج، ودور الخاطبة، وقضية زواج الأخت الكبرى أولا، والطارق الأول للزواج الذي لا يجب رفضه، وعدم التفريط فيه، وما يترتب على ذلك من الطلاق؛ نتيجة عدم اتاحة الفرصة للتعارف، واستيضاح المشاعر. 
يؤخذ على المجموعة كثرة الحوار، فالقصة القصيرة لا تحتمل الحوار كالرواية، بل تكون ومضة تضيء الظلام الأدبي؛ لتهدف إلى ضرب مثل، أو توضيح غاية، وتأكيد قيمة، أو نفي شيمة، فهي نوع أدبي سردي حكائي، يقدم حدثًا متحدًا أو منسجمًا، تمتلك حسًا من السخرية أو دفقات مشاعرية قوية، لكي تمتلك التأثير وتعوض عن حبكة الأحداث والحوار في الرواية، حيث تشكل الحياة اليومية الموضوع الأساسي للقصة، وليس البطولات والملاحم، فأبطالها غالبًا مغمورون؛ قلما يرقون إلى البطولة، فهم من قلب الحياة.
وأخيرًا؛ نلحظ أن التراث حاضر في المجموعة القصصية بقوة في: البحر والغوص، الرمال الناعمة، أشجار النخيل الباسقة، قلاع وأبراج المراقبة، عواء الذئب، الدكان، تاجر العسل، التجار والأعيان، الناقة الخلوج، الطب الشعبي، البلدة الساحلية، السفينة الصغيرة، الشعر، التجارة، الحي القديم، وغيرها.