تحول الفيفا إلى «البيزنس» يسيء إلى الساحرة المستديرة

alarab
اقتصاد 21 نوفمبر 2015 , 12:03ص
هداب المومني
بعد سلسلة الفضائح التي عصفت بالاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، والذي تنضوي تحت لوائه اللعبة الشعبية الأولى عالميا، أشار عدد من متابعي كرة القدم في أرجاء المعمورة بأصابع الاتهام إلى مسؤولي المؤسسة الكروية الأشهر على الإطلاق، بالعمل على تحويل نهجها الرياضي إلى فساد مالي وأخلاقي في عدة قضايا نالت من سمعتها وزلزلت أركانها وأحدثت صدعاً بالغ الأثر بجمالية الساحرة المستديرة فيما اصطلح على تسميتها «فيفا جيت».

ويرى متابعون محليون لكرة القدم، أن الرشا وغسل الأموال والابتزاز قد باتت مؤخرا واحدة من أهم وسائل المنظمة الكروية العالمية في الكسب غير المشروع، بالإضافة إلى قيامها بالتأثير على أجهزة الكرة واتحاداتها وبالأخص على غالبية دول آسيا وإفريقيا وأميركا الوسطى، والتي تمثل ثقلا عدديا في صعود وصمود أمينها العام جوزيف سيب بلاتر للاستئثار بالسلطة على عرش الفيفا على مدى 17 عاما شهدت على هذا التحول الدراماتيكي.

وأكد هؤلاء المتابعين في حديثهم مع «العرب» بعد الفضائح ألمت بالفيفا في السنوات الأخيرة، أن تحوله من الجانب الرياضي والأخلاقي إلى عالم المال والأعمال، قد أفقده بريقه ونكهته الفريدة وطبيعته التنافسية الشريفة، مشددين على أنه كان حرياً به بصفته أكبر منظمة كروية دولية أن يسخر الأرباح الطائلة التي يجنيها في سبيل دعم الدول الفقيرة والناشئة لصالح تطوير اللعبة والمساهمة بالمساعدات الإنسانية أيضا.

وأشاروا إلى تطلعهم إلى انتهاء حقبة الفساد مع رحيل عرّابه بلاتر، والشروع بالعمل فعليا على إصلاح الاتحاد بالكامل، بدءاً من المرحلة الانتقالية وحتى إجراء الانتخابات لاختيار أمين عام جديد، يحمل على عاتقه العمل على تطوير اللعبة وإعادتها إلى طبيعتها وروحها الرياضية، وتهيئة الاتحاد لمرحلة جديدة خالية من الطغمة الفاسدة التي نخرت بهيكله لما ناهز العقدين، من الأمين العام مرورا بجيفري واب رئيس اتحاد كونكاكاف واتهامات بتورط رئيس الاتحاد الأوروبي ميشيل بلاتيني، والتي لم يسلم منها رئيس الاتحاد الألماني السابق القيصر فرانتس بيكنباور، والحالي وولفجانج نيرسباخ.

زلزال الفضائح
قال عبدالله النعمة مدير التسويق بنادي العربي: «نحن نعمل في مجال كرة القدم ومنتسبون لناد معروف في قطر، ونعتبر أن الفضائح التي ألمت بالفيفا مؤخرا كانت عبارة عن هزة كبيرة وصلت ارتداداتها إلى كل من له صلة بهذه اللعبة في أرجاء الأرض».

مرحلة جديدة
وأضاف النعمة قائلا: «إنه وبعد هذه الفترة العصيبة، وخلال الفترة الانتقالية بقيادة عيسى حياتو وبالتزامن مع انتظار الانتخابات المقبلة لرئاسة الفيفا، نتطلع لأن تنتقل المنظمة لمرحلة جديدة ساعية إلى الأفضل وخالية من أيدي الفساد التي رزحت تحت سطوتها لسنوات».

توازن
وبين أن الاتحاد الدولي لكرة القدم هو منظمة رياضية نعم، لكن هذا لا يعني ألا يتوافر بها الجانب الربحي، لكن ما يتوجب عليها هو العمل على إحداث التوازن، بحيث يسير فيها الخط الربحي بموازاة الخط الرياضي والأخلاقي، وعدم تغليب أحدهما على الآخر.

معايير وضوابط
وأشار النعمة إلى الأرباح التي درّتها الشركات الراعية والمعلنة لمونديال إفريقيا والبرازيل 2010 و2014 على التوالي، حيث جنى الفيفا نسبة كبيرة منها، وكان هناك نصيب منها للشركات المحلية التي تقدم باقي الخدمات أيضا، وهذا شيء طيب ومطلوب لضمان نجاح اللعبة، لكن بشرط ألا يحيد عن الخط الرياضي، وعلى أساس أن يكون هناك التزام حقيقي بعالم كرة القدم بكل معاييرها وضوابطها وأخلاقياتها، جنبا إلى جنب مع الحفاظ على الناحية الربحية الضرورية من الناحية الاقتصادية لضمان استمرارية اللعبة، مع تخصيص هذا الجانب في صالح الإنفاق على كل ما يتعلق بها فقط.

وكانت قد قاربت عائدات الفيفا من كأس العالم بالبرازيل 2014 حاجز الـ5 مليارات دولار والتي تشكل نحو %87 من إيراداتها، بفارق نسبته %36 ارتفاعا عن مونديال جنوب إفريقيا 2010، ويعتبر دخل الاتحاد الدولي في العام 2014 هو الأعلى على الإطلاق.

جوانب إنسانية
وأضاف النعمة قائلا: «وبالرغم من كل هذه الأمور التي ذكرناها آنفا، إلا أننا يجب أن نكون عادلين في أحكامنا ونعترف بأن الفيفا يتحمل ولو جزءا بسيطا من المسؤولية الاجتماعية المنوطة به والمساهمة في قطاع التعليم والصحة ومكافحة الأمراض في البلدان الفقيرة، والتي من المفترض أن يخصص قسما من أرباحه لإيلاء الاهتمام لهذا الجانب».

إشراف الخبراء
وأكد النعمة أن كافة الدول تحتاج إلى دعم الفيفا حتى ولو كانت غنية، إذ إن جميعها تحتاج لأن تنطوي تحت مظلته حتى تتبعها من ناحية القوانين والأنظمة، مشيراً إلى وجوب أن يكون للاتحاد الدولي بصمة واضحة في جميع المشاريع الخاصة بكرة القدم، وإشرافه عليها من قبل خبرائه لضمان إنشائها بالشكل الصحيح.

وحسب إحصائيات الفيفا الرسمية من عام 2011 وحتى عام 2014، بلغت إيراداته حوالي 5.7 مليار دولار أميركي فيما بلغ حجم الإنفاق نحو 5.4 مليار دولار وصافي أرباحه زهاء الـ338 مليون دولار، إذ بلغت نسبة الدخل من البث التلفزيوني %43 والتسويق %29 وإيرادات أخرى %28، في حين بلغت نسبة الإنفاق %72 لصالح فعاليات كرة القدم وتطويرها.

التحول إلى التجارة
قال سهيل بن شحبل التميمي مشجع نادي الريان «إن ما حدث من فضائح بالفيفا لم يكن مفاجئا، حيث كان متوقعا بعد تحول الفيفا من الرياضة إلى فكرة البيع والشراء فقط، ومن الطبيعي جدا لفضيحة بهذا الحجم أن تشوه سمعة الساحرة المستديرة».

أضرار
وأضاف التميمي أن هذا النوع من الفضائح عندما يحدث بمؤسسة أيا كانت، وبالتحديد بالرياضة فانه يضربها بمقتل ويحدث فيها أثرا بالغا، حيث يفقدها سحرها ومتعتها الذي تمتاز به اللعبة، ويسبب صدمة عميقة لعشاقها في أرجاء المعمورة، إذ كانت كرة القدم فقط للمتعة والإثارة وحولتها الفيفا بفضل سياساتها الحالية إلى عملية تجارية صرفة.

مصالح
وأشار التميمي إلى أن اللعبة كانت قبل بضع سنوات فقط، تتمتع بالإثارة والمنافسة الشريفة وتحترم الشعار الذي يرفعه الفيفا بالمناسبات الكروية الكبرى، بيد أنها تحولت وبلمح البصر إلى تجارة ودعايات ومصالح ورشا، واتباع سياسة الاحتكار للبث التلفزيوني مؤكداً أن المصالح كانت هي العامل المسيطر على توجهات الاتحاد الدولي، سواء كانت شخصية أو سياسية أو إعلامية وغير ذلك.

دعم البلدان الفقيرة
وأردف قائلا: «وبالرغم من احتكار بث مباريات كرة القدم على قنوات مشفرة، إلا أننا ما زلنا نريد أن نستمتع بهذه اللعبة التي نعشق، وكان حرياً بالفيفا أن يوظف تلك الأموال التي يجنيها من بيع حقوق البث لصالحها في سبيل مصلحة اللعبة ولزيادة متعتها، ودعم البلدان الفقيرة التي تعتبر كرة القدم هي الرياضة رقم واحد للترويح عنها، حيث كانت تشتهر بأنها لعبة الفقراء».

ويبلغ حجم إيرادات الفيفا من البث التلفزيوني وحده ما يقارب الـ2.484 مليار دولار، 2.428 مليار منها أتت من كأس العالم لكرة القدم 2014 بالبرازيل، و56 مليون من فعاليات أخرى، وأما الحقوق التسويقية فقد بلغت 1.629 مليار دولار، 1.580 من مونديال 2014 حقوق ضيافة وترخيص وغيرها.
فيما بلغ حجم إنفاق الاتحاد الدولي على تنظيم البطولات ما نسبته %52، إذ أنفقت زهاء 2.224 مليار دولار على تنظيم كأس العالم 2014، و88 مليون دولار برنامج حماية نادي الفيفا، و505 ملايين لصالح فعاليات أخرى.

إمبراطورية الفيفا
ولفت التميمي إلى أن المشكلة بالفيفا أنه مؤسسة ضخمة جدا بحجم إمبراطورية، ولا يستطيع أحد التدخل في سياساته أو إمكانية إحداث التغيير فيها، إذ إنها محكومة من قبل جماعات متنفذة في سياستها وقراراتها ومن المفروض أن يعملوا هم على إصلاحها ودفعها لمزيد من التقدم والرفعة، لكنهم بدلا من ذلك يهوون بها إلى مزيد من الانحدار.

وزعم الفيفا أنه قد قام في عام 2014 بمرحلتين من عملية الإصلاح المالي للاتحادات الأعضاء التي تحتاج إلى الدعم في هذا المجال الحيوي بمساعدة من المراجعين الدوليين «KMPG»، إذ قامت تلك الاتحادات الـ209 باستخدام البرامج المالية على النحو التالي: %19.4 لكرة القدم النسوية، و%18.7 كرة القدم للناشئين، %0.9 للتسويق والاتصالات، %18.4 تخطيط وإدارة، %1.4 إدارة الفعاليات، %11.6 منافسات المحترفين، %307 للحكام، %2.8 كرة القدم الشاطئية والصالات و%10.5 للبنية التحتية.

وكر ومستنقع
قال حمد المري مشجع الريان «إن العالم كله الآن أصبح لديه تصور يتبلور فور ذكر اسم الفيفا على مسمعه، بأنه عبارة عن وكر للفساد ومستنقع غارق في كسب الأموال غير المشروعة وبات بعيدا كل البعد عن الهدف الذي أسس من أجله، تلك المؤسسة التي كان من المفترض أن تحمل رسالة سامية كونها منظمة لأكثر لعبة رياضية شعبية في العالم أجمع».

مساهمات محدودة
وزعم الفيفا في آخر إحصائياته الخاصة بكأس العالم 2014 بالبرازيل، الذي تنافس من خلاله 32 منتخبا وشهد حضور 3.4 مليون متفرج وما يفوق 5 ملايين شخص حضروا مهرجانات جماهير الفيفا أثناء البطولة، أنه قد تم تخصيص 900 مليون دولار من إيراداته لتطوير كرة القدم من 2015-2018، ومبلغ 3.1 مليون لبرنامج كرة القدم الواعدة، ودعم 3000 طفل في برامج صحية، والعمل على ضم 3500 طفل وشاب من الفئة العمرية من 6-18 في برنامج كرة القدم الناشئة، وإنشاء 11 مركزا للصليب الأحمر من أجل مكافحة مرض إيبولا، وتمويل مضاعف لتطوير كرة القدم النسوية من 2015-2018.

وأشار المري إلى أن الفيفا كان له اليد الطولى بتحويل اللعبة إلى وسيلة لكسب الأموال وتكديسها في حسابات أشخاص معينين وأسماء محددة بدل أن يدعم كرة القدم، مما أفقده بريقه كمؤسسة رياضية للعبة الأشهر بالعالم، لافتاً إلى أن هناك بعض المساهمات له في بعض البلدان إلا أنها شحيحة ولا تفي بالغرض المطلوب منها، وكل هذا يدخل في إطار الدعايات الإعلامية فقط لا غير.

إن كرة القدم هي اللعبة المفضلة في العالم من قبل أكثر من 240 مليون لاعب في 1.4 مليون فريق و300 ألف ناد في جميع أنحاء العالم حاليا، والعرس الكروي العالمي الذي ينظم كل 4 أعوام يصل إلى جمهور ذي حجم وتنوع منقطع النظير في أية هيئة رياضية أخرى، أضف إلى ذلك الشغف باللعبة الذي يتواجد في كل زاوية من العالم، فهي لعبة تجسد ظاهرة رياضية اجتماعية وتسويقية في آن واحد، واتحادها الدولي مطالب أن يكون على قدر هذه المسؤولية أمام الجماهير الكروية.