السجن المؤبد لقاتل الشطرنج وإرساله إلى سجن شديد الحراسة في جبال الأورال (2/2)

alarab
الصفحات المتخصصة 21 نوفمبر 2013 , 12:00ص
ترجمة: العرب
في تلك الأجواء الصامتة والعادية بالنسبة للمخمور، استل القاتل سلاحه الذي يستخدمه دائما في تنفيذ جرائمه ويحتفظ به داخل سترته. كان السلاح هذه المرة مطرقة، وفي بعض الأحيان، يستخدم آلة نزع المسامير للإجهاز على الضحايا الأبرياء. ضرب ضحيته بقوة، لم تكن كافية للقتل، هكذا تعود في كل مرة. يريد من ضحاياه معرفة ما يدور قبل موتهم. أحيانا يقوم بكسر زجاجة فودكا على جمجمة الضحية، ثم يدفعه إلى قاع البئر، حوالي 30 قدما تحت سطح الأرض. بعد أيام ظهر الكثير من الجثث في مركز معالجة مياه الصرف الصحي على بعد خمسة أميال من البئر، مكان الجريمة. الجنس ليس في حساباته.. كان المهووس يفضل الرجال، اثنان من ضحاياه وربما ثلاثة كن من النساء، بعكس السفاح السوفيتي (أندرية شيكاتيلو) الحيوان المفترس الذي يمارس الجنس الشاذ مع ضحاياه، ويأكل أعضائهم. لم يكن مثل السفاح الأميركي (تيد بندي) الذي يفضل بنات الجامعة دون غيرهن من البنات. لم يرغب (ألكسندر) على الإطلاق في ممارسة الجنس، كان يبحث عن جرائم قتل نقية وغير ملوثة، على حد قوله. وقال في المحكمة، إن القتل بالنسبة له مثل «الحب الأول» بالنسبة لكثير من السفاحين، فإن عملية الإعداد لجريمة قتل تجربة مثيرة، هذا ما أكده (ألكسندر بوخانوفيسكي) الطبيب النفسي والخبير في جرائم السفاحين، الذي ساعد السلطات في إلقاء القبض على السفاح (شيكاتيلو) في التسعينيات من القرن الماضي. وأضاف أن الجنس في حد ذاته، لا يمثل إثارة للسفاحين. المثير بالنسبة لهم القتل والطقوس التي تتم بها عمليات القتل. وبالنسبة لسفاح رقعة الشطرنج، فإن الأمر يعني أكثر من ذلك، كالريح وهي تداعب الأجسام في المساء، الظلال والطيور والأشجار السامقة، أو دماء رجل عجوز في الرمق الأخير، وهي تسيل فوق الثلوج البيضاء النقية. قالت ابنة الضحية الـ36 (ناتاشا فيدوسوفا)، إن السفاح لم تكن لديه ميول نسائية، لا يتحدث عن النساء، ولا ينظر إليهن، كما ينظر رجال المنطقة إلى النساء، وبسؤالها عن كونه مثليا، أومأت برأسها بعدم الموافقة على هذا الرأي. أما والدته، فقد قالت للصحافة إن ابنها من الأسوياء في مثل هذه المسائل، وكان يخطط للزواج من إحدى الفتيات. أما (أندريه سوبرنيكو) المحقق الذي قاد التحقيقات والمختص في جرائم القتل والسطو المسلح في الادعاء العام (موسكو)، فقد احتمل أن يكون المهووس من مثليي الجنس. لكن الكثير من الروس، يعتقدون أنه من الصعب أن يكون مثلي الجنس شرسا أو عنيفا. هذا القاتل مجنون بامتياز حسب اعتقادهم، أما الرجل العادي والشرس، فهو من المدخنين ومن الذين يشربون الخمر، ولا يتوقع مثل هذا الشخص أن تتحسن حالته، وإنما يتوقع له الموت في أية لحظة في نهاية الخمسينيات من عمره، وهو متوسط أعمار الرجال في روسيا، الذين لا يهتمون بأنفسهم ولا يتلقون أية رعاية صحية، وليس لديهم مهن يعيشون منها. إجرام منذ الصغر أول جريمة ارتكبها السفاح عندما كان في الـ18 من عمره في 27 يوليو 1992م، وكان الضحية (ميخائيل أوديشوك) زميلا له في المدرسة. في البداية قام (ألكسندر) بدعوة صديقه لمشاركته في ارتكاب جرائم قتل، هكذا مباشرة وبوضوح تام. وقال لصديقه إنه يريد أن يقتل أي شخص. اعتبرها الصديق مزحة ودعابة. عندما أدرك السفاح أن صديقه غير جاد في تنفيذ المشروع، قام بقتله. انتظر السفاح تسع سنوات أخرى، ليقوم بضربته التالية، ربما انتابه الخوف من تكرار التجربة تلك السنة، بعدما استجوبته الشرطة حول مقتل صديقه، لكن في النهاية، تظل التسع سنوات فترة طويلة للانتظار، خصوصا لشخص سيقول لاحقا لقاضي المحكمة: «بالنسبة لي، الحياة من دون قتل مثل الحياة دون طعام بالنسبة لك». كان في دواخله، محبا للقتل، ومفتونا بهذه الفكرة حد الثمالة، لكن ربما كان خائفا من القبض عليه وحرمانه من حبه الأزلي، قتل الأبرياء ولا شيء غير ذلك. في أواخر عام 2001 أو أوائل عام 2002م، ذهب السفاح إلى مركز للشرطة يقع بالقرب من الحديقة، وأخبر الشرطة بأنه يقتل الناس، ليس مرة واحدة، وإنما مرات عديدة، وفي كل مرة ينفجر رجال الشرطة من الضحك، ويطلبون منه العودة إلى منزله، فهو مجرد مخمور وسكير، لا يفقه ما يقول من ترّهات. على أية حال، انتهت فترة السبات التي استمرت لتسع سنوات. في 17 مايو 2001م قتل (يفجيني برونين). وخلال الأسابيع الثمانية التي جاءت بعد ذلك، قتل تسعة أشخاص آخرين. ارتفعت وتيرة القتل وبلغت الذروة في 21 يوليو، عندما قتل الضحية الـ11، (فيكتور فولكوف). وفي فصلي الخريف والشتاء قتل خمسة أشخاص آخرين، وفي 23 فبراير 2002م حاول قتل (ماريا فيرشيفا)، وهي امرأة حامل دفعها إلى أسفل البئر، لكنها بطريقة أو بأخرى تمكنت من الخروج والوصول إلى المستشفى، حيث أدلت بتفاصيل كاملة للشرطة عن الهجوم. أما رجال الشرطة فقد طلبوا أوراقها الثبوتية، (الملايين من الروس يعيشون في موسكو بطريقة غير مشروعة)، فالوظائف خارج العاصمة شحيحة ونادرة، لم يكن لديها أي أوراق ثبوتية. ساومها رجال الشرطة الذين لا يريدون أن يقحموا أنفسهم في تحقيقات طويلة ومتعبة، وطلبوا منها السكوت مقابل البقاء في موسكو بطريقة غير قانونية، وفضلت البقاء، ونسيت أمر الهجوم. بعد هذه الحادثة التي كادت تقلب الموازين، وبعد أسبوعين، قام بقتل ثلاثة أشخاص، ثم تقابل مع الطفل (ميخائيل وبوف)، في سن الـ13. الغريب في الأمر أنه لا يعرف الطفل، ولم يكن الطفل من سكان المنطقة، وربما قابله بالقرب من محطة المترو، حيث ينتشر الأطفال بستراتهم الجلدية بثقوب كثيرة، ويشربون الفودكا من أكواب بلاستيكية. تمكن من استدراج الطفل إلى الغابة، إلى مكان البئر، ثم ضربه ضربة مفاجئة على رأسه ودفعه، ومضى في حال سبيله، بعد أن ظن أن الطفل قد لقي حتفه ولحق بضحاياه، لكن لحسن حظ الطفل أن قطعة معدنية في سترته علقت بداخل البئر وأنقذته من موت محقق. تمكن الطفل من الخروج إلى بر الأمان، وفي طريقه إلى منزله قابل شرطيا، قص عليه الحكاية. لم يصدقه الشرطي، وأمره بمواصلة طريقه إلى منزله. بعد أسبوع، ذهب (وبوف) مرة أخرى إلى محطة المترو، وأثناء وجوده هناك، شاهد السفاح يتسكع في ممرات المحطة، صرخ الطفل بأعلى صوته، وشد شعره، ثم أمسك بأحد الضباط كان يقف خارج المحطة لفعل شيء للرجل الذي حاول قتله قبل أسبوع، لكن الشرطة كعادتها لم تفعل شيئا وطلبوا منه الذهاب إلى منزله.. مرت أربع سنوات بعد ذلك التاريخ، قتل فيها السفاح العشرات من الأبرياء، قبل القبض عليه أخيرا. بكاء أم مكلومة.. في ليلة باردة من شهر ديسمبر 2007م، كانت الثلوج تغطي الساحات، والليل قد أرخى سدوله، جلست والدة السفاح في غرفتها بشقتهم، على سرير ابنها، تنتحب وتندب حظها العاثر. كانت امرأة صغيرة، بشعر مصبوغ بلون أحمر وصوت ضعيف. كانت رائحة العرق وزيت الطهي تسيطر على أجواء الغرفة التي امتلأت بأقراص الفيديو الرقمية، الأثاث القديم، وثلاجة قديمة تحمل صورتين لابنها وهو في سن التاسعة والعاشرة. وفي الجانب الآخر من المدخل الضيق، جلس حفيدها يلعب لعبة الفيديو، وقالت الأم، إن ابنها الذي أطلقت عليه لقب (ساشا) قريب جدا من ابن أخته، الذي لم يره منذ حوالي 18 شهرا، وبدأ في نسيانه. في البداية، كان يسأل دائما عن خاله، لكنه لم يفعل في تلك الليلة الباردة. جمعت الدبابيس التذكارية الخاصة بالسفاح، والتي جمعها طوال سنوات، مثل كل الشباب في الاتحاد السوفيتي. منها دبابيس بمناسبة دورة الألعاب الأولمبية عام 1980 التي استضافتها العاصمة السوفيتية (موسكو)، ودبابيس (تولستوي)، ودبابيس (لينين)، كان عددها 92 دبوسا، جمعتها وسلمتها لحفيدها، فهي لن تنفعها بعد ذلك. وصفت الأم المكلومة ولدها، فقالت إنه يحب قطه (مورسيك)، وحوض الأسماك، ومشاهدة المسلسلات التلفزيونية الروسية. وأثناء محاكمته قال السفاح إنه في بعض المرات، يقوم بالإسراع بقتل فريسته للعودة سريعا للمنزل والاستحمام وتنظيف شعره وأظافره من دماء محتملة علقت بها، ثم الجلوس بالقرب من والدته لمشاهدة آخر حلقات المسلسل التلفزيوني. وأضافت الأم أن ولدها شجاع جدا، لا يكذب أبدا. وذات مرة أراد الخروج إلى الحديقة، فطلبت منه أخته ووالدته عدم الخروج، خوفا من السفاح الذي يترصد الآخرين ويقضي عليهم، لكنه لم يستجب لطلبهما وخرج لممارسة هوايته في قتل الأبرياء والمساكين. هل كانت الأم تعرف لماذا أصبح ابنها سفاحا؟ وهل تخلي والده عنه في صغره كان السبب في كل ذلك؟ أم أن شيئا في الصغر قد حدث له؟ سيل من الأسئلة بدأ في الظهور على السطح مرات عديدة وما من إجابة واضحة! إنها أسئلة مستحيلة، لكنها الوحيدة التي يجب أن تهتم بإجاباتها.. وفي كل مرة، تقفز فيها هذه الأسئلة للسطح، تبكي وتهز رأسها وتحدق في الظلام من النافذة إلى الساحة المقابلة لمنزلها وتقول لنفسها: «أعرف أنني ربيته تربية فقيرة، ولا أستطيع أن أعرف أين الخطأ في تربيتي.. حاولت أن أربيه كأم عادية»، وقبل أن تنهي حديثها مع نفسها نظرت إلى صورة ابنها الملصقة على باب الثلاجة لتعترف لنفسها، بأنها لم تكن تعرف ابنها معرفة جيدة. القشة التي قصمت ظهر البعير في نوفمبر 2005، عثرت الشرطة على جثة ضابط سابق اسمه (نيكولاي زاخرشينكوف)– 63عاما في الغابة، وهو الشخص الوحيد الذي عثر عليه في الغابة في تلك الفترة، وكان الضحية رقم 41 في قائمة المفقودين في المنطقة. وهذا يعني أن 40 شخصا اختفوا من قبله والشرطة على علم باختفائهم، ولم تحرك ساكنا. والأهم أن المباحث المركزية في وزارة الداخلية ومكتب المدعي العام، أدركوا لأول مرة أن سفاحا طليقا يتسكع في موسكو يترصد ضحاياه ليحصد أرواحهم. وقال الخبير والطبيب النفسي المعروف (بوخانوفيسكي) إن نظام البيريسترويكا كان أفضل، حيث كانت هناك أنظمة معمول بها ومنهجية، أما الشرطة الآن فلا تعرف الكثير. والحقيقة المرة، أن المهووس القاتل قد تجاوز إلى حد كبير قدرة النظام على منعه، أو حتى الاعتراف بأنه كان موجودا. وخلق لنفسه أسلوبا جديدا لم تعرفه، وهي قذف ضحاياه في الآبار ومياه الصرف الصحي. كان من الممكن، ألا يتم القبض على القاتل، إذا لم تظهر بعض الجثث في الغابة، وتدخل وزارة الداخلية، وتولى المحقق القدير (أندرية سوبرينكو) زمام الأمور. مقتل الضابط السابق في الشرطة كان بمثابة نقطة تحول، ليس لرجال الشرطة فحسب، وإنما للقاتل نفسه، فمنذ أن بدأ مسلسل القتل في عام 2001م، والصراع يحتد في دواخل السفاح المهووس، كان يريد أن يستمر في عمليات القتل، وفي الوقت نفسه يريد من الجميع أن يعرفوا أنه هو القاتل. وهما خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا. يريد التقدير والاحترام كبطل. وذات ليلة كان يشاهد التلفزيون في وجود والدته وأخته، عندما بثت القناة تقريرا إخباريا حول الجرائم التي حدثت في الحديقة، فعلقت أخته على الحدث بأن القاتل مجنون، لكن جرائمه فيها نوع من الإثارة. هذه الكلمات أثلجت صدره، وكاد ينفجر ليقول لأخته إن الأمر الأكثر إثارة في هذه الجرائم هو جلوس السفاح بالقرب منها. بطل مزيف في التحقيق بعد القبض عليه، جلس المحقق (سوبرينكو) في جهة، والسفاح في جهة أخرى، تحت المصابيح الكاشفة، يدخنان السجائر، كان المحقق يحدق في عيون السفاح، يريد أن يقرأ ما خلف العيون. قال المحقق إن الكثير من السفاحين على شاكلة (ألكسندر) يريدون من الآخرين أن يشعروا بأهميتهم، وبأنهم أبطال، وقام هو بتحقيق هذه الأمنية له، بمعاملته كبطل. ويعتقد المحقق أن السفاح لن يتوقف عن القتل، إذا لم يتم القبض عليه، فهو يريد أن يصل إلى الرقم 64، وهو عدد مربعات رقعة الشطرنج. كان يفكر في أن الموت في حد ذاته لعبة، كلعبة الشطرنج. في النهاية، ظهر قاتل رقعة الشطرنج على حقيقته، وكما قالت والدته والمحقق، مجرد شخص عادي، لم تكن لديه أية أفكار قوية، ويفتقر إلى القدرة على تقييم الأشخاص الآخرين، أو معرفة الله معرفة حقيقية، وأمور أخرى كالفن والجمال. كان يتحدث عنها، لكنها بالنسبة له مجرد كلمات لخدمة هدفه النبيل -على حد زعمه- وهو القتل. كل هذه الأشياء لم تكن إلا إكسسوارات في مسرح حياته الصاخب.. باختصار كانت هذه الكلمات لا شيء. في 24 أكتوبر 2007 م، أدين السفاح بقتل 48 شخصا. طوال محاكمته، أصر على أنه قتل 63 شخصا، لكن الشرطة لم تتمكن من جمع الأدلة فيما تبقى من قضايا وأدانته بأربع دستات فقط. وحكم عليه بالسجن مدى الحياة (روسيا لا تطبق عقوبة الإعدام)، وبعد أسبوع من إدانته، قدم محاموه التماسا لتخفيف الحكم. وفي يوم النطق بالحكم، تجمهر العشرات من الصحافيين، ومراسلي القنوات التلفزيونية لنقل الحدث إلى الجمهور، وكان محامو السفاح يتعشمون في أن يكون القضاة رحماء بالسفاح ويخفضون العقوبة من المؤبد إلى 25 عاما. اختفى القضاة داخل مكتب خاص لمدة 40 دقيقة، وتم إعلان الحكم المؤبد، ونقل السفاح من سجنه في موسكو حيث كان يسمح لوالدته بزيارته مرتين في الشهر، وجلب السجائر والجبن ولحم الخنزير المملح. واقتضى الحكم النهائي نقله إلى سجن بحراسة مشددة في الشمال بجبال الأورال، حيث سيقضي مدة الـ15 سنة الأولى من عقوبته في الحبس الانفرادي.